من «رسائل البشرى في السياحة بألمانيا وسويسرا» لحسن توفيق العدل (ت ١٣٢٢هـ)
استقبال في تسوريخ
فنزلت بها، وقد آذنت الشمس بالغروب، وبت بها ليلتئذ متفكراً في أعمال الوسائط التي تمكنني من مشاهدة مدارسها، واستكشاف أحوالها، وطرق تعليمها، ولما أصبح الصباح علمت أن بهذه المدينة مكتباً أقامته الحكومة والأهالي للغرباء الذين يريدون الاستفهام عن الأحوال التجارية أو الصناعية
أو العلمية، فقصدته حتى إذا كنت به اتجهت إلى حضرة مديره، وسألته عن الوسائط في ذلك، فلم يزدني علماً إلا بمواقعها من المدينة، فتشكرت له وأردت الخروج، فطلب مني تذكرة زيارتي لتقييد اسمي في دفتر كعادتهم مع الغرباء، فناولته إياها، ومذ قرأها انتصب قائماً يطلب مني العفو، وأجلسني بجانبه قائلاً: لقد كانت رؤياك إحدى أمانيَّ، حيث سمعت بوجودك ببرلين، وإني أحمد الله عليه الآن، فقدمت له جزيل شكري، وجميل ممنونيتي.
ومذ دار بيننا الحديث بشأن مشاهدتي للمدارس أجابني بالقبول.
وبالجملة فقد مكثت بتلك المدينة خمسة أيام صحبني فيها حضرته، وبعض من مفتشي المدارس ونظارها وكثير من المعلمين وناظر محطة المدينة، ولازمني أغلبهم حين مشاهدتي للمحلات العمومية.
وكتبوا في جرائدهم بقدومي ومبارحتي، وأعدوا لي وليمة قام فيها أغلبهم خطباء، ثم شربوا كؤوسهم على صحة مولاي الجناب الخديو الأعظم، فقمت متشكراً لهم رافعاً يدي قائلاً: ليدم تحالفكم وأمراؤكم مراراً ولما شِمْت أني مغمور بفضائلهم أعددت لهم وليمةً قمت فيها خطيباً مظهراً فخارهم، وأبهة حكومتهم، وتقدمهم في العلوم والصنائع.
ومن غريب ما كان أيامئذ أن جاءني أحد محرري الجرائد وطلب مني صورتي لطبعها بجرائدهم، فقدمت له اعتذاري بعدم وجودها لدي، ورغبت منه أن يضرب عن ذلك صفحاً، ثم في اليوم الثاني أتاني صاحب الأوتيل، ومعه جريدة، وصار ينظر فيها تارة ويتفرس فيَّ تارة أخرى، ثم ناولني الجريدة فإذا بها صورة مرقوم تحتها اسمي، وهي مخالفة لصورتي الحقيقة فتأثرت لمشاهدة ذلك تأثراً عظيماً.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع