من «منادمة الأطلال ومسامرة الخيال» لعبد القادر بن بدران (ت ١٣٤٦هـ)
الْمدرسَة المعظمية
هِيَ بالصالحية بسفح قاسيون الغربي جوَار الْمدرسَة العزيزية وَقد درس بهَا مجد الدّين قَاضِي الطّور ثمَّ درس بهَا عشرَة بعده آخِرهم شرف الدّين الْأَذْرَعِيّ
أَقُول وَلم يَتَيَسَّر لي الْآن معرفَة مَكَانهَا وَلَئِن عَرفته ألحقته هُنَا
تَرْجَمَة واقفها أَنْشَأَهَا الْملك الْمُعظم شرف الدّين عِيسَى ابْن الْملك الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب قَالَ الذَّهَبِيّ فِي العبر فِي حوادث سنة أَربع وَعشْرين وسِتمِائَة وَفِي هَذِه السّنة توفّي الْملك الْمُعظم صَاحب دمشق وَكَانَ مولده بِالْقَاهِرَةِ سنة سِتّ وَسبعين وَخَمْسمِائة وَكَانَ أديبا فَقِيها على مَذْهَب النُّعْمَان بن ثَابت حفظ الْقُرْآن وبرع فِي الْفِقْه وَشرح الْجَامِع الْكَبِير فِي عدَّة مجلدات بإعانة غَيره ولازم الِاشْتِغَال زَمَانا وَسمع مُسْند الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل كُله وَله شعر كثير وَكَانَ عديم الِالْتِفَات إِلَى النواميس وأنفة الْمُلُوك ويركب وَحده مرَارًا ثمَّ يتلاحق بِهِ مماليكه بعده وَكَانَ فِيهِ خير وَشر كثير
وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي تَارِيخه الْكَامِل فِي حوادث السّنة الْمَذْكُورَة توفّي الْمُعظم بِمَرَض الدوسنطاريا وَكَانَ ملكه لمدينة دمشق من حِين وَفَاة وَالِده الْملك الْعَادِل عشر
سِنِين وَخَمْسَة أشهر وَثَلَاثَة وَعشْرين يَوْمًا وَكَانَ عَالما بعدة عُلُوم فَاضلا مِنْهَا الْفِقْه على مَذْهَب أبي حنيفَة فانه كَانَ قد اشْتغل بِهِ كثيرا وَصَارَ من المتميزين فِيهِ وَمِنْهَا علم النَّحْو فانه اشْتغل بِهِ أَيْضا اشتغالا زَائِدا وَصَارَ بِهِ فَاضلا وَكَذَلِكَ اللُّغَة وَغَيرهَا وَكَانَ قد أَمر أَن يجمع لَهُ كتاب فِي اللُّغَة جَامع كَبِير فِيهِ كتاب الصِّحَاح للجوهري ويضاف إِلَيْهِ مَا فَاتَ الصِّحَاح من التَّهْذِيب للأزهري والجمهرة لِابْنِ دُرَيْد وَغَيرهمَا وَكَذَلِكَ أَيْضا أَمر بِأَن يرتب مُسْند الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل على الْأَبْوَاب وَيرد كل حَدِيث إِلَى الْبَاب الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَعْنَاهُ مِثَاله أَن يجمع أَحَادِيث الطَّهَارَة وَكَذَلِكَ يفعل فِي الصَّلَاة وَغَيرهَا من الرَّقَائِق وَالتَّفْسِير والغزوات فَيكون كتابا جَامعا وَكَانَ قد سمع الْمسند من أَصْحَاب ابْن الْحصين ونفق الْعلم فِي سوقه وقصده الْعلمَاء من الْآفَاق فأكرمهم وأجرى عَلَيْهِم الجرايات الوافرة وقربهم وَكَانَ يجالسهم ويستفيد مِنْهُم ويفيدهم وَكَانَ يرجع إِلَى علم وصبر على سَماع مَا يكره لم يسمع أحد مِمَّن يَصْحَبهُ مِنْهُ كلمة سوء وَكَانَ حسن الِاعْتِقَاد يَقُول كثيرا إِن اعتقادي فِي الْأُصُول مَا سطره أَبُو جَعْفَر الطَّحَاوِيّ ووصى عِنْد مَوته بِأَن يُكفن فِي الْبيَاض وَلَا يَجْعَل فِي أَكْفَانه ثوب فِيهِ ذهب وَأَن يدْفن فِي لحد وَلَا يبْنى عَلَيْهِ بِنَاء بل يكون قَبره فِي الصَّحرَاء تَحت السَّمَاء وَيَقُول فِي مَرضه لي عِنْد الله تَعَالَى فِي أَمر دمياط مَا أَرْجُو أَن يرحمني بِهِ وَلما توفّي ولي بعده أبنه دَاوُد ويلقب بِالْملكِ النَّاصِر وَكَانَ عمره عشْرين سنة
وترجمه ابْن كثير بِنَحْوِ مَا ذكره ابْن الْأَثِير وَقَالَ كَانَ شجاعا عَاقِلا فَاضلا وَكَانَ محفوظه مفصل الزَّمَخْشَرِيّ وَكَانَ يصل من يحفظه بِثَلَاثِينَ دِينَارا وَقد جمع الله لَهُ بَين الشجَاعَة والسماحة والبراعة وَالْعلم ومحبة أَهله
وترجمه الْأَسدي فِي تَارِيخه فَقَالَ تفقه الْملك الْمُعظم على الحصيري ولازم التَّاج الْكِنْدِيّ مُدَّة وَكَانَ ينزل إِلَى دَاره بدرب الْعَجم من القلعة وَالْكتاب تَحت إبطه فَيقْرَأ عَلَيْهِ كتاب سِيبَوَيْهٍ وَشَرحه للسيرافي وَأخذ عَنهُ الْحجَّة فِي الْقرَاءَات لأبي عَليّ الْفَارِسِي والحماسة وَغير ذَلِك من الْكتب المطولة وَحفظ الْإِيضَاح فِي النَّحْو والمسند وصنف فِي الْعرُوض وَله ديوَان شعر مَشْهُور وَكَانَ يحب كتاب سِيبَوَيْهٍ وطالعه مرَارًا وَكَانَ يحب الْفَضِيلَة جعل لمن يحفظ الْمفصل مائَة دِينَار وَلمن يحفظ الْجَامِع الْكَبِير مِائَتي دِينَار وَلمن يحفظ الْإِيضَاح ثَلَاثِينَ دِينَارا
سوى الْخلْع وَحج سنة إِحْدَى عشرَة وسِتمِائَة وجدد البرك والمصانع وَأحسن إِلَى الْحجَّاج قلت وبركة الْمُعظم فِي طَرِيق الْحجاز تنْسب إِلَيْهِ قَالَ وَبنى سور دمشق والطارمة الَّتِي على بَاب الْحَدِيد وَبنى بالقدس مدرسة وَبنى عِنْد قبر جَعْفَر الطيار مَسْجِدا
قَالَ أَبُو المظفر ابْن الْجَوْزِيّ بنى بمعان دَار مضيف وحمامين وَكَانَ قد عزم على تسهيل طَرِيق الْحجاز وَأَن يَبْنِي فِي كل منزلَة مَكَانا وَكَانَ يتَكَلَّم مَعَ الْعلمَاء ويناظر ويبحث واعتد للجواسيس والقصاد فان الإفرنج كَانُوا على كتفه فَلذَلِك كَانَ يظلم ويعسف ويصادر وَخرب الْقُدس لعَجزه عَن حفظهَا من الإفرنج وَكَانَ يملك من الْعَريش إِلَى حمص والكرك
قَالَ ابْن الْأَثِير وَكَانَ جنده ثَلَاثَة آلَاف فَارس وَمَعَ ذَلِك كَانَ يُقَاوم اخوته وَلما مَاتَ دفن بالقلعة ثمَّ أخرجه الْملك الْأَشْرَف لما قدم دمشق وَدَفنه مَعَ والدته بالقبة بِالْمَدْرَسَةِ المعظمية وفيهَا أَخُوهُ المغيث
وترجمه ابْن خلكان بِنَحْوِ مَا تقدم وَقَالَ وَكَانَت لَهُ رَغْبَة فِي الْأَدَب وَسمعت أشعارا منسوبة إِلَيْهِ وَلم استثبتها
وترجمه الْقَارِي فِي طَبَقَات الْحَنَفِيَّة وَذكر انه حفظ المَسْعُودِيّ وصنف كتابا سَمَّاهُ السهْم الْمُصِيب فِي الرَّد على الْخَطِيب وَهُوَ أَبُو بكر أَحْمد بن عَليّ بن ثَابت الْبَغْدَادِيّ فِيمَا تكلم بِهِ فِي حق أبي حنيفَة فِي تَارِيخ بَغْدَاد وَقد كَانَ أَمر الْفُقَهَاء أَن يجردوا لَهُ مَذْهَب أبي حنيفَة دون صَاحِبيهِ فجردوه فحفظه
وَيُمكن أَن يكون لِسَان الْعَرَب هُوَ كتاب اللُّغَة الَّذِي أَمر بجمعه الْملك الْمُعظم
النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع