من «منادمة الأطلال ومسامرة الخيال» لعبد القادر بن بدران (ت ١٣٤٦هـ)
الْمدرسَة الجوزية
هِيَ بالبزورية الْمُسَمّى قَدِيما بسوق الْقَمْح وَقد اختلس جِيرَانهَا معظمها وَبَقِي مِنْهَا الى الْآن بَقِيَّة ثمَّ صَارَت محكمَة الى سنة سبع وَعشْرين وثلاثمائة بعد الْألف وَهِي الْآن مقفلة لَا نَدْرِي مَا يصنع بهَا الزَّمَان فِيمَا بعد
ودرس بهَا ابْن المنجا وَالْجمال المرداوي وَابْن قَاضِي الْجَبَل والبرهان ابْن مُفْلِح وَغَيرهم
قَرَأت كِتَابَة على حجر مَوْضُوع فِي أُسْكُفَّة احدى حجراتها فَإِذا فِيهِ فرغ من عمل هَذِه الْمدرسَة الْمُبَارَكَة سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وسِتمِائَة تقبل الله من منشئها الصاحب مُحي الدّين رَحمَه الله تَعَالَى
تَرْجَمَة واقفها يُوسُف بن عبد الرَّحْمَن بن عَليّ بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبيد الله بن عبد الله الْجَوْزِيّ الْقرشِي الْبكْرِيّ الْبَغْدَادِيّ الْفَقِيه الأصولي الْوَاعِظ الشَّهِيد قَرَأَ بالروايات واشتغل بالفقه وَالْخلاف وَالْأُصُول وبرع فِي ذَلِك وَكَانَ أمهر من أَبِيه فِيهِ وَأَبوهُ ابْن الْجَوْزِيّ الْمَشْهُور وَوعظ فِي صغره على قَاعِدَة أَبِيه وَعلا امْرَهْ وَعظم شَأْنه وَولي الولايات الجليلة
قَالَ الذَّهَبِيّ كَانَ إِمَامًا كَبِيرا وصدرا مُعظما عَارِفًا بِالْمذهبِ كثير الْمَحْفُوظ ذَا سمت ووقار درس وَأفْتى وصنف وَأما رياسته وعقله فمنقولان بالتواتر حَتَّى أَن الْملك الْكَامِل مَعَ عظم سُلْطَانه قَالَ كل أحد يعوز زِيَادَة عقل إِلَّا مُحي الدّين ابْن الْجَوْزِيّ فَإِنَّهُ يعوز نقص عقل وَله تصانيف مِنْهَا معادن الإبريز فِي تَفْسِير الْكتاب الْعَزِيز وَمِنْهَا الْمَذْهَب الأحمد فِي مَذْهَب أَحْمد
قَالَ برهَان الدّين بن مُفْلِح فِي الْمَقْصد الأرشد وَلما دخل هولاكو ملك التتار الى بَغْدَاد فَقتل الْخَلِيفَة المستعصم وغالب أَوْلَاده وَقتل مَعَه أَعْيَان الدولة والأمراء
وَشَيخ الشُّيُوخ وَقتل المترجم وَأَوْلَاده الثَّلَاثَة وَذَلِكَ فِي صفر سنة سِتّ وَخمسين وسِتمِائَة بِظَاهِر سور كلواذا
وَقَالَ ابْن كثير كَانَ المترجم أَنْجَب أَوْلَاد الْحَافِظ ابْن الْجَوْزِيّ وأصغرهم وعظ بعد أَبِيه واشتغل وحرر وأتقن وساد أقرانه وباشر حسبَة بَغْدَاد وَكَانَ رَسُول الْخَلِيفَة الى الْمُلُوك بأطراف الْبِلَاد ولاسيما الى بني أَيُّوب بِالشَّام فَحصل مِنْهُم من الْأَمْوَال والكرامات مَا ابتنى مِنْهَا الْمدرسَة الجوزية الَّتِي بِدِمَشْق ثمَّ صَار أستاذ دَار الْخَلِيفَة المستعصم سنة أَرْبَعِينَ وسِتمِائَة وَاسْتمرّ مباشرها الى أَن قتل مَعَ الْخَلِيفَة وَله نظم حسن ومدرسته الَّتِي فِي دمشق من أحسن الْمدَارِس وَقد احترقت فِي سنة عشْرين وَثَمَانمِائَة على مَا ذكره ابْن قَاضِي شُهْبَة ثمَّ أعَاد عمارتها القَاضِي شمس الدّين النابلسي وَبهَا أعادة وَقِرَاءَة حَدِيث وإمامة
وَالَّذِي علم من وَقفهَا نصف دير أبي عصرون قَرْيَة عِنْد الْقصير وفدانان بقرية بَالا وَأَرْض بقرية يلدا
وترجمه الْحَافِظ ابْن رَجَب وَأطَال فِي مدحه بِالْعلمِ وَالْفضل وَأورد شَيْئا من أشعاره فِي الْغَزل وَقَالَ ولي تدريس المستنصرية وَذكر من مؤلفاته زِيَادَة عَمَّا تقدم كتاب الايضاح فِي الجدل
النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع