تجاوز إلى المحتوى

من «منادمة الأطلال ومسامرة الخيال» لعبد القادر بن بدران (ت ١٣٤٦هـ)

حَادِثَة بَغْدَاد

هِيَ الْحَادِثَة الفظيعة وَإِن كَانَ محلهَا الْقسم السياسي فإننا نذكرها هُنَا مختصرة حَسْبَمَا رَوَاهَا عبد الرَّحِيم بن شقدة فِي مُخْتَصر شذرات الذَّهَب لتعلقها بترجمة ابْن الْجَوْزِيّ ونترك بسطها وإيضاحها الى محلهَا فَنَقُول أَن الْخَلِيفَة المستعصم بِاللَّه آخر الْخُلَفَاء بالعراق كَانَ قد استوزر ابْن العلقمي وَكَانَ على مَا ذكره المؤرخون رَافِضِيًّا وَفِي أَيَّامه أهينت الرافضة بالنهب وضياع الْحُقُوق فحقد ابْن العلقمي لذَلِك وأضمر فِي نَفسه أَن يُبدل الْخلَافَة العباسية بخلافة علوِيَّة فَجعل يُرْسل أَخَاهُ ومملوكه الى هولاكو ويشوقه الى امتلاك بَغْدَاد على أَن يكون نَائِبا لَهُ عَلَيْهَا فَفطن لذَلِك لُؤْلُؤ صَاحب الْموصل فَأخذ يهيء للتتار الإقامات والمقابلة ويراسل الْخَلِيفَة سرا فَكَانَ ابْن العلقمي يخفي المكاتبات وَلَا يطلع الْخَلِيفَة عَلَيْهَا وعَلى فرض اطِّلَاعه عَلَيْهَا فَإِنَّهُ لَا يجدي نفعا لقلَّة رَأْيه وتغفله ورد جَمِيع أُمُوره الى وزيره وَلما نجحت حِيلَة ابْن العلقمي بعث ولد مُحي الدّين ابْن الْخَوَارِزْمِيّ رَسُولا الى هولاكو يعده بالأموال والغنائم

فَركب فِي مِائَتي ألف من التتار والكرج ومدد من صَاحب الْموصل مَعَ وَالِده الصَّالح اسماعيل فَخرج ركن الدّين الدوادار وتقابلا فَكَانَت الكسرة للعساكر البغدادية وَنزل جَيش هولاكو فِي شَرْقي بَغْدَاد فاضطرب الْخَلِيفَة لذَلِك وَاسْتَشَارَ ابْن العلقمي فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِأَن يُرْسِلهُ إِلَيْهِم لتقرير الصُّلْح فَخرج وتوثق لنَفسِهِ وَرجع فَقَالَ إِن الْملك قد رغب فِي أَن يُزَوّج ابْنَته بابنك الْأَمِير أبي بكر وَأَن تكون الطَّاعَة لَهُ كَمَا كَانَ أجدادك مَعَ الْمُلُوك السلجوقية ثمَّ يترحل فراجت المكيدة على المستعصم وَخرج فِي أَعْيَان الدولة ثمَّ استدعى الْوَزير الْعلمَاء والرؤساء ليحضروا العقد فَخَرجُوا فَضربت رِقَاب الْجَمِيع وَصَارَ كلما خرجت طَائِفَة تضرب أَعْنَاقهم حَتَّى بقيت الرّعية بِلَا رَاع فَلَمَّا خلا الجو للتتار دخلُوا بَغْدَاد وبذلوا السَّيْف فِي أَهلهَا فاستمر الْقَتْل والسبي نَحْو أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَلم يسلم إِلَّا من اختفى فِي بِئْر أَو قناة وَقتل الْخَلِيفَة رفسا وَيُقَال أَن هولاكو أَمر بعد الْقَتْلَى فَبلغ عَددهمْ ألف ألف وَثَمَانمِائَة ألف وَزِيَادَة وَبعد هَذِه المقتلة نُودي بالأمان وَقَالَ سبط التعاويذي فِي بعض مراثي بَغْدَاد

بادت وأهلوها مَعًا فبيوتهمبِبَقَاء مَوْلَانَا الْوَزير خراب
للشاعر سبط ابن التعاويذي، من قصيدة «يا قاصدا بغداذ جذ عن بلدة»

وَمَا ينفع النّدب بعد فقد الْمَيِّت والعويل بعد الخراب والدمار وَلما فرغ هولاكو من فنَاء أهل بَغْدَاد أَقَامَ نوابا على الْعرَاق وَكَانَ ابْن العلقمي حسن لَهُم أَن يجْعَلُوا خَليفَة علويا فَلم يوافقوه واطرحوه وعاملوه مُعَاملَة بعض الغلمان إِلَى أَن مَاتَ حزنا وأسفا وَتلك عَاقِبَة الْخِيَانَة ثمَّ أَن هولاكو أرسل الى النَّاصِر كتابا يتهدده فِيهِ وَيَقُول لَهُ أجب ملك البسيطة وَلَا تقولن قلاعي المانعات ورجالي المقاتلات وَجَرت أُمُور طَوِيلَة نستوفيها فِي الْقسم السياسي من هَذَا الْكتاب إِن شَاءَ الله تَعَالَى

النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «منادمة الأطلال ومسامرة الخيال»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.