تجاوز إلى المحتوى

من «المحاسن والأضداد» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

صفة النساء الحسان

قيل: «أحسن النساء الرقيقة البشرة، النقية اللون، يضرب لونها بالغداة إلى الحمرة، وبالعشي إلى الصفرة». وقالت العرب: «المرأة الحسناء أرق ما تكون محاسن، صبيحة عرسها، وأيام نفاسها، وفي البطن الثاني من حملها». وقيل لأعرابي: «أتحسن صفة النساء» ؟ قال: «نعم، إذا عذب ثناياها وسهل خداها، ونهد ثدياها، ونعم ساعداها، والتف فخذاها، وعرض وركاها، وجدل ساقاها، فتلك هم النفس ومناها».

ووصف أعرابي امرأة فقال: «كان وجهها السقم لمن رآها، والبرء لمن ناجاها». وذكر أعرابي امرأة فقال: «أرسل الحسن إلى خديها صفائح نور، ورشق السحر عن لحظها بأسهم حداد، ولقد تأملت فوجدت للبدر نوراً من بعض نورها». وذكر أعرابي امرأة قال: «هي شمس تباهي بها شمس سمائها، وليس لي شفيع إليها غيرها في اقتضائها، ولكني كتوم لفيض النفس عند امتلائها». وذكر أعرابي امرأة فقال: «ما أحسن من حبها نعاسا، ولا أنظر إليها إلّا اختلاسا، وكل امريء منها يرى ما أحب». وذكر أعرابي امرأة فقال: «لها جلد من لؤلؤ رطب مع رائحة المسك الأذفر، في كل عضو منها شمس طالعة».

ومما جاء في الحسن من الشعر: قال عبد الله بن المعتز: أنشدني أبو سهل إسماعيل بن علي، لأبي الصواعق:

ومريض طرفٍ ليس يصرف طرفهنحو المدى إلّا رماه بحتفه
للشاعر خالد الكاتب، اقرأ القصيدة
ظبي له نظرٌ ضعيفٌ كلماقصد القوي أتى عليه بضعفه
قد قلت لما مر يخطر مائساًوالردف يجذب خصره من خلفه
يا من يسلم خصره من ردفهسلم فؤاد محبه من طرفه
للشاعر خالد الكاتب، اقرأ القصيدة

فقلت في هذا المعنى وعلى هذا الوزن:

وحياة من جرح الفؤاد بطرفهلأحبرن قصائدي في وصفه
قمرٌ به قمر السماء متيمٌكالغصن يعجب نصفه من نصفه
إني عجبت لخصره من ضعفهماذا تحمل من ثقالة ردفه
هذا وما أدري بأيّة فتنةٍجرح الفؤاد بلطفه أم ظرفه
أم بالدلال أم الجمال أم الضيامن وجهه أم بالقفا من خلفه

وأنشد أبو الحسين بن فهم لأبي نواس:

كفاك ما مر على راسيمن شادن قطع أنفاسي
أكثر ما أبلغ في وصفهتحيري من قلبه القاسي
أغار أن أنعت منه الذيينعته الناس من الناس
ولم أر العشاق قبلي رأوابوصف من يهوون من باس
كل أحاديثي نعتٌ لهمنكشفٌ مني لجلاسي

فقلت في المعنى، وهذا الروي، والوزن:

لو عشر ما مر على راسيمر بصلد حجرٍ قاسي
لا نصدعت فيه صدوع كماصدع قلبي طول وسواسي
يا غصن آس ومحالٌ إذاقصرت تشبيهك بالآس
ماذا على طرفك لو أنهأعار لحظاً منه قرطاسي
ليتك عللت بمطل ولمتقطع رجائي منك بالياس

وقال آخر:

وزائرةٍ يحتثها الشوق طارقهأتتنا من الفردوس لا شك آبقه
إذا ما تثنت قال للريح قدهاكذا حركي الأغصان إن كنت صادقه

وقال آخر:

قد أقبل البدر في قراطقهيسلب بالدل قلب عاشقه
يسطو عليه بسيف مقلتهلا بالذي شد في مناطقه

وقال آخر:

قل للملاح الحدقوللحسان الخلق
هل في فؤادي للقوىأو جسدي شيء بقي
إن لم ترووا عطشيبخلاً فبلوا رمقي
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «قل لمراض الحدق»
يا مقلةً أجفانهامحشوةٌ بالأرق
بقيت في رقّ الهوىشقيّة فيمن شقي
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «قل لمراض الحدق»

وقال آخر:

يا ملاح الدلال والإغتناجما أرى القلب من هواكن ناجي
أنت ذرفت فوق خديك صدغاًمن عبير على صفائح عاج
أشرقت وجنتاك بالنور حتىأغنتا الخلق عن ضياء السراج
فعلت مقلتاك بالقلب منيفعلة القرمطي بالحجاج
يا هلالاً أنست منه بضوءجنح ليل من الظلام الداجي

وقال آخر:

نشرت غدائر فرعها لتظلنيحذر العيون من العيون الرمق
فكأنها وكأنه وكأننيصبحان باتا تحت ليلٍ مطبق

وقال آخر:

يا غزالاً وهلالاًوقضيباً وكثيبا
كم وكم أضمر وجداًبك مكتوماً عجيبا
كيف يرجى برء من قدكتم الداء الطبيبا

وقال آخر:

شمسٌ ممثلةٌ في خلق جاريةٍكأنما بطنها طي الطوامير
فالجسم من جوهر والشعر من سبجوالغّر من لؤلؤ والوجه من عاج

وقال آخر:

نتيج دلالٍ حار في حسنه الطرفففكرته قبرٌ ومنطقه لطف
بديع جمال زانه العقل والظرفسماوي لونٍ لا يحيط به وصف
له ريقةٌ علت بماء قرنفلٍيمازجها التفاح والخمرة الصرف
تجسم في جسم من النور ساطعٍتمكن في دعصٍ ينوء به ردف
على صحن خديه بهارٌ منورٌووردٌ جنيٌ لا يليق به القطف
تكامل فيه الحسن والنور والبهاكبدر الدجى إذ تم من شهره النصف
براه إلهي لي عذاباً وفتنةًفما عنده عدلٌ ولا عنده عطف

وقال آخر:

لك من قلبي المكان المصونكل لومٍ علي فيك يهون
للشاعر ذو النون المصري، اقرأ القصيدة
قدر الله أن أكون شقيّابك والصبر عنك ما لا يكون
يا غزالاً بلحظه يفتن الناس وفي طرفه الردى والمنون
لك صبرٌ وليس لي عنك صبرٌفأنا اليوم هائمٌ محزون
قد خلعت العذار فيك حبيبيما أبالي بما رمتني الظنون

وقال آخر:

يا نظرةً جاءت على ياسمن ساحر المقلة مياس
أطرافه تعقد من لينهاوقلبه كالحجر القاسي
يلومني الناس على حبهأعانني الله على الناس

وقال آخر:

يا ويح جسمٍ يذوب من قلقهمن حبٍ من لم أقف على خلقه
من حب ظبيٍ مهفهفٍ لبقٍيهتز مثل القضيب في ورقه
لم تر عيني ولن ترى أبداًأحسن من نحره ومن عنقه
كأنّما المسك حين تسحههبماء وردٍ يفوح من عرقه
أو خمرةٌ في الزجاج صافيةٌشيبت بماء السحاب في نسقه

وقال آخر:

أربعةٌ قرحت فؤاديفطال وجدي وعيل صبري
مقلة خشفٍ وقد غصنٍوطيب وردٍ وحسن بدر
نفسي ومالي فداء ظبيٍأذاب جسمي وليس يدري
فمن لصب أسير شوقٍقتيل صبٍ بسيف هجر

وقال آخر:

وماريح ريحانٍ بمسك وعنبريعل بكافورٍ ودهنة بان
بأطيب من ريا حبيبي لو أننيوجدت حبيبي خاليا بمكان

النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المحاسن والأضداد»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.