من «منادمة الأطلال ومسامرة الخيال» لعبد القادر بن بدران (ت ١٣٤٦هـ)
أَنهَار دمشق المحتفرة للشُّرْب وَسقي الزَّرْع والاشجار
روى الْحَافِظ ابْن عَسَاكِر فِي تَارِيخه بِسَنَدِهِ الى زفر قَالَ سَأَلت مَكْحُولًا عَن نهر يزِيد وَكَيف كَانَت قصَّته قَالَ سَأَلت مني خَبِيرا أَخْبرنِي الثِّقَة انه كَانَ نهر صَغِير بناطيا يجْرِي شَيْئا يسْقِي ضيعتينفي الغوطة لقوم يُقَال لَهُم بَنو فرقا وَلم يكن فِيهِ لأحد شَيْء غَيرهم فماتوا فِي فِي خلَافَة مُعَاوِيَة وَلم يبْق لَهُم وَارِث فَأخذ مُعَاوِيَة ضياعهم وَأَمْوَالهمْ فَلم يزل كَذَلِك حَتَّى مَاتَ مُعَاوِيَة فِي رَجَب سنة سِتِّينَ وَولي أبنه يزِيد فَنظر الى أَرض وَاسِعَة لَيْسَ لَهَا مَاء وَكَانَ مهندسا فَنظر الى النَّهر فاذا هُوَ صَغِير فَأمر بحفره فَمَنعه من ذَلِك أهل الغوطة ودافعوه فلطف بهم الى أَن ضمن لَهُم خراج سنتهمْ من مَاله فَأَجَابُوهُ الى ذَلِك فاحتفر نَهرا فِي سَعَة سِتَّة أشبار وَعرضه
وعمقه سِتَّة أشبار وَله ملْء جنبتيه وَكَانَ على ذَلِك كَمَا شَرط لَهُم فَهَذِهِ قصَّة نهر يزِيد وَمَات فِي رَجَب سنة أَربع وَسِتِّينَ حَتَّى ولي هِشَام بن عبد الْملك فساله أهل قَرْيَة حرستا شرب شفاههم وَمَاء لمسجدهم فَكلم فَاطِمَة بنت عَاتِكَة بنت يزِيد فِي ذَلِك فأجابته على أَنه احتفر نَهرا صَغِيرا يجْرِي الى مَسْجِدهمْ للشُّرْب لَا لغيره وَفتح الْحجر الَّذِي يمر مِنْهُ المَاء لقرية حرستا فترا فِي فتر مستديرا وَيجْرِي لَهُم من الأَرْض على مِقْدَار شبر من ارْتِفَاع بطن النَّهر وَسَأَلَهُ عبد الْعَزِيز مولى هِشَام أَن يجْرِي لهشيئا يسقى ضيعته فَأَجَابَهُ بعد ان سَأَلَ فِي أمره فصيرت لَهُ ماصية فتحهَا شبر فِي أقل من شبر ثمَّ سَأَلَهُ خَالِد ان يسْقِي ضيعته فَأَجَابَهُ لما طلب وَفتحت لَهُ ماصية كحكاية هَذِه الْمَاضِيَة وَأقَام رجل من أهل دمشق يُقَال لَهُ جرجة بن قعرا عِنْد سُلَيْمَان بن عبد الْملك شَاهِدين يَشْهَدَانِ أَن لَهُ فِي النَّهر قناة تجْرِي الى حمام لَهُ يُريدهُ وَزعم أَنَّهَا كَانَت من قبل فسجل لَهُ عبد الْملك سجلا بذلك وَهُوَ رَطْل من المَاء يجْرِي فِي سيلون فِي ديره
وَقل المَاء فِي ولَايَة سُلَيْمَان بن عبد الْملك حَتَّى لم يبْق فِي بردى الا شَيْء يسير فشكوا ذَلِك الى سُلَيْمَان فَأرْسل عبيد بن أسلم مَوْلَاهُ وَمَعَهُ جمَاعَة لكرايتها فَلَمَّا باشروا الْعَمَل اذا هم بِبَاب من حَدِيد مشبك يخرج المَاء من كوى مَوْجُودَة فِيهِ يسمعُونَ داخلها صَوت مَاء كثير ويسمعون صَوت اضْطِرَاب السّمك فِيهَا فَكَتَبُوا الى سُلَيْمَان بذلك فَأَمرهمْ ان لَا يحركوا شَيْئا وَأَن يكروا قدامه فَفَعَلُوا مَا أَمرهم وَلم يزل كَذَلِك الى ولَايَة هِشَام بن عبد الْملك فَلم يكن فِيهِ أَكثر من ذَلِك فَشكى اليه أهل بردى قلَّة المَاء فَأمر الْقَاسِم بن زِيَاد ان يُمَيّز لَهُم المَاء فمازه لَهُم فَأعْطى أهل نهر يزِيد سِتّ عشرَة مسكبة وَالْفرق الْكَبِير خمس مساكب وَالْفرق الصَّغِير أَربع مساكب ونهر داريا سِتّ عشر مسكبة ونهر ثورا اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين مسكبة ونهر بانياس ثَلَاثِينَ مسكبة ومسكبة حملت فِيهِ تصب ليزِيد بن أبي مَرْيَم مولى سهل بن الحنظلية وَثَلَاث مساكب للفضل ابْن صَالح الْهَاشِمِي حملت فِيهِ من بعده ونهر مجذول اثْنَتَيْ عشرَة مسكبة ونهر دَاعِيَة ثَلَاث عشرَة مسكبة ونهر حَيْوَة وَهُوَ نهر الزلف اثْنَتَيْ عشرَة مسكبة ونهر التومة الْعليا خمس مساكب ونهر التومة السُّفْلى أَربع مساكب ونهر الزابون أَربع مساكب ونهر الْملك أَربع مساكب والقناة لم تمز يَوْمئِذٍ بل تركت تَأْخُذ ملْء جنبيها وَكَانَ الْوَلِيد ابْن عبد الْملك لما بنى الْمَسْجِد اشْترى مَاء من نهر السّكُون يُقَال لَهُ الوقية فَجعله فِي
الْقَنَاة الى الْمَسْجِد وَالْحجر شبر وَنصف فِي شبر وَنصف وثقب الثقب شبر فِي اقل من شبر على أَنه اذا انْقَطَعت القناه اَوْ اعتلت لَيْسَ لأحد أَن يَأْخُذ من مَاء الوقية شَيْئا وَلَا لأَصْحَاب القساطل فِيهَا حق فاذا جرت يَأْخُذ كل ذِي حق حَقه وَيفتح القساطل على الْوَلَاء وَقَالَ يزِيد أَنا أدْركْت الْقَنَاة يدْخل فِيهَا الرجل يسير فِيهَا وَهِي مسقوفة يمد يَدَيْهِ وَلَا ينَال سقفها وَلَيْسَ فِيهَا شَيْء هَذِه قصَّة نهر يزِيد
قَالَ ابْن عَسَاكِر بعد ان روى مَا تقدم عَن طَرِيقين فَهَذِهِ الْأَنْهَار الَّتِي ينْتَفع بهَا الداني والقاصي وينقسم مِنْهَا المَاء الى الْأَرْضين الجداول فِي من المواصي وَيدخل من بعْدهَا الى الْبَلَد فِي القني فينتفع بِهِ النَّاس الِانْتِفَاع الْعَام على الْوَجْه الهني ويتفرق الى البرك والحمامات وَيجْرِي فِي الشوارع والسقايات وَذَلِكَ من الْمرَافِق الهنية والمواهب الجزيلة السّنيَّة والفضيلة الْعَظِيمَة الَّتِي عدت من فَضَائِل هَذِه الْمَدِينَة اذ المَاء فِي أَكثر الْبِلَاد لاينال الا بِالثّمن وَهُوَ الَّذِي تحصل بِهِ حَيَاة النُّفُوس وازالة الدَّرن ورايت فِي كتاب صور الأقاليم مَا نَصه مخرج مياه دمشق من تَحت كَنِيسَة يُقَال لَهَا الفيجة وَأول مَا يخرج يكون أرتفاعه مِقْدَار ذِرَاع فِي عرض بَاعَ ثمَّ يمشي فِي شعب تتفجر مِنْهُ الْعُيُون فَيَأْخُذ مِنْهُ نهر عَظِيم أجراه يزِيد بِعرْض الدجلة ثمَّ يستنبط مِنْهُ نهر المزة ونهر الْقَنَاة وَيظْهر عِنْد الْخُرُوج من الشّعب بِموضع يُقَال لَهُ النيرب ثمَّ يبْقى من هذاالماء عَمُود النَّهر فيسمى بردى وَعَلِيهِ قنطرة فِي وسط مَدِينَة دمشق لَا يعبرها الرَّاكِب غزارة وَكَثْرَة فيفضي الى قرى الغوطة وَيجْرِي المَاء فِي عَامَّة دور دمشق وسككهم وحماماتهم انْتهى
النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع