من «منادمة الأطلال ومسامرة الخيال» لعبد القادر بن بدران (ت ١٣٤٦هـ)
القلعة
بناؤها قديم جدا وَرُبمَا يذكر فِي الْقسم السياسي وَنَذْكُر الْآن مَا أتصل بِنَا من وصفهَا مُلَخصا من كتاب نزهة الانام فِي محَاسِن الشَّام لتقي الدّين البدري الْمصْرِيّ قَالَ ان هَذِه القلعة قدر مَدِينَة وَبهَا ضريح الصَّحَابِيّ الْجَلِيل أبي الدَّرْدَاء وَبهَا جَامع وخطبة وحمام وطاحون وَبَعض حوانيت لبيع البضائع وَبهَا دَار الضَّرْب الَّتِي بِضَرْب بهَا النُّقُود وَبهَا الدّور والحوصل وَلها طارمة كَأَنَّهَا أفرغت بقلب من شمع تسامت رُؤُوس الْجبَال يُقَال ان تيمورلئك لما حاصرها وَعجز عَنْهَا أَمر ان تنقب وتقطع
الاشجار وَتعلق بهَا حَتَّى اذا تَعْلِيقهَا اشعلها باطلاق النَّاس فِيمَا تحتهَا من الْخشب ظنا مِنْهُ أَنَّهَا تتفسخ بذلك وَتسقط شذر مذر فَيملك القلعة فَلَمَّا علقت النَّار فِيمَا تحتهَا يبرك كَمَا يبرد الْأسد وَلها صَوت مزعج فسموها بالأسد البارك وَهِي الْآن على الثُّلثَيْنِ من علوها وبالقلعة آبار ومجار للْمَاء ومصارف بِحَيْثُ اذا وَقع الحصاروقطع المَاء كَانَ لَهَا من المَاء مَا يكيفها وَبهَا يمر نهر بانياس فينقسم قسمَيْنِ أَحدهمَا يبقي ظَاهرا على حَاله والآخرتنسحب عَلَيْهِ الاوساخ والأقذار وَهُوَ الْمُسَمّى بقليط يمر تَحت الأَرْض بِنَحْوِ قامتين وَالْمَاء الطَّاهِر يتشعب فَوْقه يَمِينا وَشمَالًا وَلَا ويزال قليط سائرا الى ان يخرج من الْبَاب الصَّغِير ويتصل بمحلة المزاز وَهُنَاكَ يعد لسقي الاراضي الزراعية هَذَا ونعتها كَانَ أَيَّام ألبدري وَأما ألآن فقد تَغَيَّرت بعض أوصافها فهدم بَابهَا الغربي وَجعل مَكَانَهُ دكاكين وَذهب خندقها وابتيى أسواقا وَرُبمَا ياتي زمَان لَا يبْقى لَهَا فِيهِ أثر لعدم نَفعهَا وتبدل الاسلحة الَّتِي كَانَت قَدِيما بغَيْرهَا وتغيرت أَيْضا الدّور والحواصل وَدَار الضَّرْب وانما نذْكر أَمْثَال ذَلِك تَنْبِيها على مَا كَانَت عَلَيْهِ دمشق فِي سالف عهدها ومجدها
وَمِمَّا كَانَ قَدِيما ملعبا ومرتعا تَحت القلعة فانه كَانَ منهلا للغريب وَكَانَ ساحة تحفها الدّور وتعلوها الْقُصُور وَبهَا كل مَا تطلبه الشّفة وَاللِّسَان فسكانها لَا يَحْتَاجُونَ لشَيْء من الْمَدِينَة وبهادار الْبِطِّيخ الَّتِي تبَاع بهَا جَمِيع الْفَوَاكِه وَهُنَاكَ الْعين الْمَشْهُورَة الْمجمع على برودة مَائِهَا وعذوبته وخفتة وَكَانَ هُنَا سوق للأقمشة وللفراء وللعبي وللنحاس وللسكاكين وَلِجَمِيعِ الاصناف الَّتِي كَانَت مَشْهُورَة فِي ذَلِك الزَّمن وَكَانَ هُنَاكَ سوق القيق هَذِه هِيَ الابنية الَّتِي هُنَاكَ واما الساحة فانك لَا تَسْتَطِيع ان ترى أرْضهَا لِكَثْرَة مَا بهَا من المتعيشين والوظائفية ويتخلل بَينهم اصحاب الْحلق والمغالبة والمضحكون وَأَصْحَاب الملاعيب والحكوية والمسامرون وَبهَا كل مَا يلذ للسمع وتشتهية النَّفس وهم على هَذِه الْحَال لَا يفترون صباحا وَلَا مسَاء لكِنهمْ فِي الْمسَاء أَكثر مِنْهُم اجتماعا ويستمرون الى طُلُوع الثُّلثَيْنِ وَهُوَ عبارَة عَن ثَلَاثَة طبول مُتَفَرِّقَة على القلعة يضْربُونَ فِي الثُّلُث الأول كل وَاحِد مِنْهُم ضَرْبَة وَفِي الثُّلُث الثَّانِي من اللَّيْل يضْربُونَ كل وَاحِد ضربتين وَفِي الثُّلُث الآخر من اللَّيْل يطلع الْمُؤَذّن على مئذنة الْعَرُوس بالجامع الاموي ويعلق لَهُم قنديل الاشارة فَيضْرب كل طبل من الطبول الثَّلَاثَة ثَلَاث ضربات ويشتغل فِي المنارات بالتسبيح وَالْأَذَان وَكَانَ بِهَذِهِ الساحة خطبتان احداهما بصدرها فِي
جَامع يلبغا وثانيتهما بآخرها الْمدرسَة المؤيدية قَالَ البدري وبتلك الساحة شَجَرَة حور يحْتَاط بهَا أَرْبَعَة رجال فَلَا ينظر أحدهم لمن يُقَابله لعظم سَاقهَا هـ وَتلك آثَار اندرست فَلم يبْق مِنْهَا الا جَامع يلبغا وَتلك الشَّجَرَة وَالْعين وَأما الساحة فقد صَارَت أسواقا ودورا واقطع أثر الطبول لعدم الِاحْتِيَاج اليها وَبَقِي الْقنْدِيل الَّذِي يعلق فِي مئذنة الْعَرُوس وليته انْقَطع لِأَنَّهُ لَا فَائِدَة فِيهِ وجود السَّاعَات وَلكُل زمَان عوائد وَرِجَال
النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع