من «منادمة الأطلال ومسامرة الخيال» لعبد القادر بن بدران (ت ١٣٤٦هـ)
دير مران
كَانَ قَدِيما من المتنزهات الدمشقية قَالَ الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن بن شاشو فِي كِتَابه الَّذِي ضاهى بِهِ نفحة الريحانية هُوَ دير بِدِمَشْق بسفح قاسيون بِالْقربِ من الربوة وَهُوَ أحد الديارات الْمَذْكُورَة فِي الشّعْر
أَولهَا هَذَا الدَّيْر وَفِيه يَقُول الشهَاب ابْن عبد الرَّحْمَن الْعِمَادِيّ الدِّمَشْقِي
أيا دير مران سقاك غمامتروح وتغدو وعيشهن سَلام
وحياك من دير وَحيا معاهدالمغناك مَا ناح الزَّمَان حمام
وقفت على رسم بِهِ رَاح دارساوَقد فاح عرف الرياض خزام
فَقلت ولي فِيهِ رسيس صبَابَةوَفِي الْقلب مني لوعة وغرام
كَأَن لم يكن بَين الْحجُون الى الصَّفَاأنيس وَلم تهرق هُنَاكَ مدام
وَهَذَا يدل على أَنه أصبح خرابا قبل زمن الْعِمَادِيّ
وَالثَّانِي دير الْقَائِم الاقصى على شاطئ الْفُرَات وَفِيه يَقُول هَاشم بن مُحَمَّد الْخُزَاعِيّ
بدير الْقَائِم الاقصىغزال شادن أحوى
بَرى جسمي لَهُ حبيوَلَا يدْرِي بِمَا ألْقى
وأخفي حبه جهديوَلَا وَالله لَا يخفى
وَالثَّالِث دير عبدون وَهُوَ بِظَاهِر الْمَطِيرَة بِبَغْدَاد وَفِيه يَقُول ابْن المعتز
سقى الجزيرة ذَات الطل وَالشَّجرودير عبدون هطال من الْمَطَر
وَالرَّابِع دير مارت يَعْنِي مَرْيَم وَهُوَ بِالشَّام وَفِيه يَقُول ابْن هُرْمُز
نعم الْمحل لمن يسْعَى للذتهدير لِمَرْيَم فَوق الظّهْر معمور
ظلّ ظَلِيل وَمَاء غير ذِي أَسفوقاصرات كأمثال الدمى حور
وَالْخَامِس دير العذارى وَهُوَ بسرمن رأى وَفِيه يَقُول جحظة
أَلا هَل الى دير العذارى ونظرةالى من بِهِ قبل الْمَمَات سَبِيل
وَقد تفنن الشُّعَرَاء فِي وصف هَذِه الديارات كَمَا تفننوا فِي وصف الْجَامِع الاموي فقد رَأَيْت كثيرا مِنْهُم أطنبوا فِي مِدْحَة فَأَحْبَبْت أَن أضم بَعْضًا مِنْهَا لما هُنَا لِأَن الْكَلَام عَلَيْهِ سَابِقًا كَانَ تاريخيا بحتا وَهَذَا الخاتمة أدبية وَالشَّيْء انما ينظم مَعَ مَا يماثله فَمن ذَلِك قَول بدر الدّين حسن بن حبيب الحبلي
معبد الشَّام يجمع النَّاس طراواليه شوقا تميل النُّفُوس
كَيفَ لَا يجمع الورى وَهُوَ بَيتفِيهِ تجلى على الدَّوَام الْعَرُوس
وَله أَيْضا
يَا رَاغِبًا فِي غير جَامع جلقهَل يَسْتَوِي الْمَمْنُوع والممنوح
أقصر عناك وَفِي غلوك لَا تزدان الزِّيَادَة بَابهَا مَفْتُوح
وَقد أَخذ هَذَا الْمَعْنى من كَلَام جمال الدّين أبن نَبَاته وَهُوَ
أرى الْحسن مجموعا بِجَامِع جلقوَفِي صَدره معنى الملاحة مشروح
فان يتغالى فِي الْجَوَامِع معشرفَقل لَهُم بَاب الزِّيَادَة مَفْتُوح
وَقَالَ صَلَاح الدّين خَلِيل بن أيبك الصَّفَدِي
تَقول دمشق أذ تفاخر غَيرهَابمعبده الزاهي البديع المشيد
جري ليباهي حسنه كل معبدوَمَا قصبات السَّبق الا لمعبد
وَالْأَصْل فِي ذَلِك قَول برهَان الدّين القيراطي
سقى بِدِمَشْق الْغَيْث جَامع نسكهاورضا بِهِ الْحمام المغرد
اذا مَا زهى للعين من ذَاك معبدللذّكر حلاوفي السّمع من ذَاك معبد
وَمن معانية اللطيفة قَوْله
دمشق لَهَا فِي الْحسن منصبعَال وَذكر فِي الملا شَائِع
فَخَل من قَاس بهَا غَيرهَاوَقل لَهُ ذَا الْجَامِع الْمَانِع
وَله أَيْضا
فِي الْجَامِع الاموي الْحسن مُجْتَمعوبابه فِيهِ للأحداق لذات
دقائق الْحسن يحويها لَهُ درجفحبذا مِنْهُ بالساعات سَاعَات
وحبذا معبدكم أطربت أذنافِيهِ من الذّكر نغمات وأصوات
جلا الْعَرُوس على الرائين قطعتهاتزفها من بدور التم طارات
وَمن لطائفة أَيْضا
يَقُول لنا نسر بِجَامِع جلقانا الطَّائِر المحكي وَالْآخر الصدى
وَقد أطرب الاسماع مطرب جنكهاوغنى بِهِ من لَا يُغني مغردا
وَقَالَ القَاضِي شمس الدّين الْبَارِزِيّ الْحَمَوِيّ
دمشق لَهَا منظر رائقفَكل الى وَصلهَا يابق
فَأنى يُقَاس بهَا بَلْدَةأَبى الله وَالْجَامِع الْفَارِق
وللشباب الظريف فِي غُلَام يتمشى بِصَحْنِ الْجَامِع الاموي
تمشى بِصَحْنِ الْجَامِع الشادن الَّذِيعلى قده أَغْصَان بَان النقى تثني
فَقلت وَقد لاحت عَلَيْهِ حلاوةأَلا فانظروا هذي الْحَلَاوَة فِي الصحن
النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع