تجاوز إلى المحتوى

من «الرحلة الشامية» للأمير محمد علي باشا (ت ١٣٧٤هـ)

وصف منظر

نعم، وهل رأى الوافدون على بيروت، في ما كانوا شاهدوه، أحسن وأشهى وأخصب وأينع وأجمل وأبدع من منظر هناك، واقع بين البحر المتوسط وجبل لبنان، قد اِمتلأ من كلّ الجهات بالزروع المزهرة والأشجار المثمرة؟ تراه وقد اتّشح على طوله الطويل وعرضه الجميل بوشاح بهيّ ورداء سندسيّ يملأ عين مبصره بهجة ورواء وحسناً وبهاءً، كما يملأ قلبه طرباً وحبوراً وفرحاً وسروراً. هذا لعمرك منظر السفح، بينما تنظر إلى سكون الجبل وثباته واِضطراب البحر وثباته كأنّهما، وقد حاصراه بينهما، عاشقان يتجاذبان حبّه ويتنازعان وصله وقربه. وما أبرّه بعاشقيه وأوفاه بعهد صاحبيه، فلقد كان في موقعه أحسن ما يكون مطلوب بين طالبين ومعشوق أراد إرضاء العاشقين، غير أن الماء قد غلبته غيرته وأخذته غريزته وملكته أثرته، فلم يزل متهيّجاً لا يهدأ له بال ومتحرّكاً لا يستقرّ على حال، وكأنّ الجبل وهو ساكن سكونه محبّ قد اِمتلأ ثقة بمحبوبه أو غالب ظفر من مغلوبه بمطلوبه.

هذا، وقد كان أكثر ما رأيناه من الحدائق والبساتين في المدينة وضواحيها مغروساً بشجر التوت والبرتقال الّذي يرسل مع عليل النسيم عبير زهره فيشفي الجسم السقيم. وإنّه لا يكاد الإنسان يصرف النظر عن هذا السهل وما فيه من الحدائق

والجنان، حتّى يرفعه إلى جبال لبنان فيرى جبلي صنين وكنيسة متلازمين تلازم الفرقدين، وظاهرين من بين الجبال ظهور النيرين، ذلك لما امتازا به من زيادة العلوّ والطول، حتّى كأنّهما وقد شمخا بأنفهما إلى السماك يطمعان أن يسكنا حيث تسكن وحتّى ترى السحاب على اِرتفاع شأنه وبعد مكانه لا يمرّ عليهما إلا فرقاً مذعوراً وخائفاً مقهورا على أنّهما لا يسمحان له بالمرور إلا إذا ترك على قمتيهما من ذلك الثلج الطبيعي ما يشبه العمامة البيضاء على رأس الشيخ الوقور:

يَحسبهُ الجاهلُ ما لَم يعلمشَيخاً على كرسيّه معلما

أمّا هواء بيروت فإنّه معتدل جدّاً في زمان الشتاء، وحرّ شديد في فصل الصيف. ولكن يقال إنّ اتّصال البلد بالبحر يلطّف كثيراً من هوائها في مدّة الحرّ على أنّه يقال أنّ معظم السكّان من طبقة المتوسّطين في هذه المدينة يصعدون على لبنان لقضاء الصيف هناك، لما قد امتاز به هذا الجبل من جودة الهواء وعذوبة الماء وجمال المنظر.

وأمّا مياه المدينة، فقد بلغني من بعض القوم أنّها كانت في الزمن السابق غير صالحة للشرب، إذ كانت عفنة رديئة وكان ينشأ عنها بهذا السبب أمراض كثيرة وأوبئة شتّى. وقد عنيت الحكومة العثمانية بتلافي ذلك الخطر الخطير منذ خمس وثلاثين سنة، فجلبت إليها ماء الشرب من نهري الكلب وبيروت اللّذين ينبجسان من السفح الغربي من لبنان، حتّى أصبح أهل المدينة وضواحيها يتمتّعون بشرب الماء النقيّ الطاهر.

وأما مدارس المدينة فكثيرة، إذ تبلغ نحو مائة مدرسة، للمسيحيين منها سبعون مدرسة: أربعون للبنين وثلاثون للبنات، وللمسلمين ثلاثون مدرسة: خمس وعشرون للذكور وخمس فقط للإناث. ومن ثم كان التفاوت عظيماً بين المتعلّمين من أبناء

الطائفتين ذكوراً وإناثاً. وقد تجد مثل هذا الفرق بين المعابد أيضاً، حيث

إن للمسيحيّين ما ربّما يزيد عن الأربعين كنيسة، بينما مساجد المسلمين لا تربو على خمسة وعشرين مسجداً.

ذكرنا قبل هذا أنّ العدد الأكثر من سكّان بيروت إنّما هو من الطوائف المسيحيّة، حيث المسلمون هناك لا يزيد عددهم عن أربعين ألف نسمة، على حين أنّ المسيحيّين يبلغ عددهم نحو مائة ألف أو هم يزيدون. ولكنّا رأينا مع ذلك أنّ الطائفة الإسلامية أظهر كلمة وأقوى جانباً. وربّما كانت هي صاحبة السيادة والأبّهة في البلد، وإن كان يلاحظ مع هذا أنّ مسافة الفرق بين ثراء الأمّتين عظيمة جدّاً. وقد يدرك الإنسان ذلك ممّا يراه من الفرق المحسوس بين مدارس المسيحيّين ومدارس المسلمين، فإنّ الأولى مع كثرتها وكفايتها حسنة العمارة نضرة البقعة وافية بكلّ أغراض الطلبة ومنها الكليات الّتي لا تقلّ في نظاماتها عن الكليات المعروفة في البلاد الراقية، وأمّا الثانية فإنّها مع قلّة عددها كما عرفت وعدم كفايتها بالطبع لأبناء هذه الطائفة لا تزال تحتاج إلى الشيء الكثير من مال الأغنياء وآراء المفكّرين. وعلى الجملة، فإنّ التعليم في مدينة بيروت ممّا يسرّ أنصار وعشّاق المعارف ومحبّي التقدّم والرقي. ولهذا كنت أرى معظم الأهالي يجيدون القراءة والكتابة، وقلّما وجدت مدينة أهلها كذلك في كلّ بلاد الشام.

وأمّا مطابعها فإنّها ليست أقلّ أهميّة من مدارسها، وأقدمها مطبعة الأمريكان ثمّ اليسوعيّين، ثمّ مطبعة حديقة الأخبار، إلى غير ذلك من المطابع الكثيرة. وقد سمعت أنّ ما يطبع في تلك المطابع من الكتب العلميّة والفنيّة شيء فوق الحصر، كما أنّه يطبع فيها عدّة جرائد يوميّة وأسبوعيّة وشهريّة سياسيّة وتجاريّة وطبيّة. وممّا امتازت به هذه المدينة عن سائر مدن الشام أنّها تصدّر كثيراً من مطبوعاتها إلى البلاد الشاميّة وغيرها من البلاد الأجنبية، وأمّا لغة التخاطب العامّة بين

المسيحيّين والأجانب فهي اللغة الفرنسية. ويقال إنّه في الزمن السابق كان التخاطب جارياً بينهما باللغة الطليانية بدلاً من اللغة المذكورة. وعلى كلّ حال، فإنّ لغة البلاد الأصلية والّتي يتخاطبون بها فيما بينهم هي اللغة العربية.

وأمّا تجارتها فتدور في الغالب على مزروعاتها ومصنوعاتها الّتي أكثرها من الحرير وزيت الزيتون والصابون. وفي المدينة عدّة معامل لحلّ الحرير الإفرنكي وللصابون

والدباغة والفخار. ثمّ إنّ تجّار الشام المسيحيّين غاية في النشاط والمهارة، وإقبال النّاس عليهم في محالّهم عظيم جدّاً. ولذلك لم يكن للتاجر الأجنبي مطمع في وقت من الأوقات أن ينال من أهل البلد مثل ثقتهم بتاجرهم مهما حاول واِحتال، وقد رأيت هناك حالة تستدعي الأسف.

معلوم أن جبل لبنان قطعة من الشام، وهو جملة بلاد واسعة يسكنها ما يقرب عدده من ٤٠٠ ألف نفس: منهم حوالي ٢٣٠ ألفاً من الموارنة، ٥٥ ألفاً من الروم الأرثدكس، و٤٥ ألفاً من الدروز، و٣٥ ألفاً من الروم الكاثوليك، و١٧ ألفاً من المتاولة، و١٤ ألفاً من المسلمين وثمان مائة من البروتستان، و١٥٠ من اللاتين، وقليل من الطوائف الأخرى. وكانت هذه البلاد تابعة لولاية بيروت، قبل حدوث التعديّات الّتي وقعت سنة ١٨٦٠ في دمشق ووادي التيم ولبنان، ولكنّها انسلخت عن بيروت واِنفصلت عن حكومتها وقتما كان احتلّها العساكر الفرنساويون مع معتمدي الدول لدفع هذه العاديات، وجعلت من هذا الحين متصرفيّة مستقلة متعلقة بالباب العالي رأساً. ولذلك كنت أجد تمام الانفصال بين الحكومتين، كما كنت أرى تخالف الأزياء العسكرية فيهما، وأن العلاقات بين حكومة الجبل وولاية بيروت صارت قاصرة على مجرّد العلاقات التجاريّة والمودّة الجوارية. ولقد كنت أسفت أشدّ الأسف على مرافق الدولة ومصالحها، كما يأسف كلّ غيور عندما يجد سكان هذا الجبل معتمدين على نفوذ الدول الأجنبية وحمايتها لهم غير خاضعين بالمرّة

لقوانين الحكومة العثمانية ونظاماتها الشرعية، حتّى كأنّهم ليسوا من ضمن رعاياها، وحتّى إن أثر هذا الاستقلال الممنوح لهم من جهة السلطة الخارجية واضح مثل فلق الصبح في الفرق العظيم والبون الشاسع بين أحد أهالي لبنان وبين غيره من سكان المدينة أو أي بلد من بلاد الولاية، حيث الأوّل مترعرع ذو قوّة وشمم تعرف في وجهه نضرة النّعيم والترف، بينما الآخر على العكس من ذلك لا يتعدّى حدود السلطة ولا يتجاوز مواقف النظام، مع أنّهما موجودان تحت سماء واحدة ويتنفسان معاً في جوّ واحد. على أنّه يقال إنّ عدداً عظيماً من أهل لبنان وبعضاً من السوريّين يهاجرون إلى الولايات المتحدة وإلى جمهوريات أمريكا الجنوبية والوسطى، وأوستراليا، وبعض الجزائر بقصد التجارة وغيرها لتوسيع المال وتحصيل الثروة الطائلة. ويقدّر بعضهم عدد

المهاجرين إلى سنة ١٩٠٦ بنحو٢٥٠ ألفاً متفرّقين في الجهات المذكورة. واللبنانيّون من هؤلاء يبلغون نحو ستّين ألفاً ما بين ذكور وإناث. وليس هذا شاهدنا ممّا أردنا إيراده في ذلك الموضوع، وإنّما نريد أنّ ابن لبنان إذا ما انقضى أربه وتمّ له ما يريد من الهجرة على البلاد البعيدة عاد ثانية إلى وطنه، ويفضل أن يأوي إلى بيت في الجبل دون أن يسكن بيتاً في مدن الولاية وبلادها، مع أنّ متمّمات رفاهته وأسباب ترفه وكماليات معيشته قد لا تتيّسر له إلا في المدينة، لا سيّما وأنّ بعض أرض الجبل صخري لا يصلح للاستنبات والزراعة. وعلى ذلك يؤثر اللبناني العاشق للزراعة أن يعيش في ذلك البلد ناقص الحاجة أو أن يتجشّم مشاق كثيرة ويتكبّد متاعب جمّة بجلب الطين من بيروت وغيرها لإصلاح الصخر وإعداده للزرع. كلّ هذا لأنّه يرى أنّ سكنى الجبل خير له من أن يسكن بلداً من بلاد الولاية، ويعيش تحت سيطرة الحكّام خاضعاً للنظامات والقوانين، ومعروف كيف كان يجري تنفيذها أرباب الشؤون. ليت شعري، كيف يملك الإنسان نفسه عندما يجد ذلك اللبناني قد

ترك وفضل ما بين المدينة المتحضّرة وبين الجبل مهما كانت حاله لأن يعيش متمتعاً بسرور الأمن ولذّة الراحة مطمئن النفس على ماله وعياله، على حين أنّه يرى غيره من أبناء الأمّة في دائرة الولاية وتحت سلطة الحكومة كاسف البال، منكود الحظ، وضيع النفس. هذا ما كان يستدعي أسفي الشديد وما كنت عنده أرجو الله تعالى أن يوفق أصحاب الكلمة والشأن لإصلاح الحال حتّى يستوي اللبناني والبيروتي ويسود العدل ويعمّ الأمن والسلام.

ولمّا أن أصبح الصباح وأراد الله أن نمضي عزيمتنا على زيارة دمشق، أخذنا أهبتنا للسفر وركبنا من باب الفندق مركباتنا الّتي مازالت تواصل السير حتّى كان آخر سيرها عند رصيف الميناء حيث كان عند مرسى السفينة موقف القطار. وقد وجدنا المحطّة غاصّة بأهل المدينة الّذين كانوا قد سبقونا إليها للاحتفال بوداعنا، فودعنا منهم ومن رجال الحكومة والثراة والأعيان وداعاً كان من أكبر مظاهر الأبّهة وأبهر مناظر

الجمال والكمال. أمّا نحن فقد شكرنا جميع المودّعين، خصوصاً دولة الوالي الّذي قام لنا بما يقتضيه لطفه ومعروفه من الإكرام والحفاوة.

سار القطار على بركة الله وعونه من تلك المحطّة الصغيرة، وقد كنّا أخذنا مجالسنا في الصالون الخاص الّذي كانت أعدّته لنا الشركة. وكان الخطّ الحديدي من مبدأ قيامنا إلى مدينة دمشق من الخطوط الضيّقة. وكانت القاطرة التي تسير بنا في هذا الطريق تمتاز عن القاطرات المعروفة في جميع الخطوط بأن لها عجلة زائدة في وسطها من الباطن تشتبك بقضيب موضوع بحذائها، عندما يشرع القطار في الصعود وذلك لحفظ توازنها في المنحدرات، ثمّ ترفع هذه العجلة عندما يأخذ في الهبوط وإذا استقام الطريق. وهي من نوع القاطرات الّتي ابتدعت في

الجهات الغربيّة لصعود الجبال. وقد كان الطريق معتدلاً على شاطئ البحر المتوسّط حتّى وصل القطار إلى محطة بيروت العمومية. ثم قام منها قاطعاً الطريق الحديدي الّذي يربط بين مدينتي بيروت وطرابلس الشام على قنطرة فوقه، ثمّ اتّجه إلى الجنوب على طول بيروت، وما زال سائراً في طريقه على شاطئ نهر بيروت حتّى اقترب من حديقة رستم باشا، وعندئذٍ كان قد وصل على الطريق القديم الّذي كان الناس يسافرون منه إلى دمشق بالعربات قبل إِنشاء السكك الحديديّة في تلك البلاد. وهناك كان يسير القطار على أرض خضراء نضرة مغروسة كلّها بالأعشاب والنباتات. وعلى يمين المسافر ويساره رياض فيحاء وغياض غنّاء، تفيض خلالها الجداول وتغرّد على أغصانها البلابل وتترسّل بين نواحيها نسمات الصبح النديّة بروائح الزهر الذكيّة. ولله كان النسيم العليل يسري في ذلك الجو الصاحي الجميل، ويمتزج بعبير الرياحين ويجري مع الأنفاس في صدور الناس، فيعمل في الأبدان عمل الطبيب المجرّب والحكيم المتدرّب، وله في الرؤوس مثل تأثير الكؤوس ممّا كان يتمنّى المسافر معه طول الإقامة تحت سماء هذا المراح الغضير والمناخ النضير الّذي يحسّ عنده الإنسان بانتعاش الجسم وخفّة الروح، ويدرك فيه سعادة الحياة ولذاذة العيش، ويجد منه بعد الضعف قوّة وبعد الكسل نشاطاً، كأنّما كان مسجوناً أفرج عنه أو مغمى عليه أفاق من غشيته. وما أحسن قول الشاعر في هذا المعنى:

نَسيمَ الصّبا النجديّ ما لكَ كلّماتَدانيتَ منّا زادَ نشركَ طيبا
كأنّ سُليمى أَخبرت بِسقامِنافَأعطَتكَ ريّاها فَجئت طبيبا

وقد كان يكون الشعر أحسن من هذا وأوفق بالمعنى وأوفى بالمراد، لو أنّ الشاعر أبدل من لفظ النجدي لفظ الشامي، فإنّه شتّان ما نسيم النجود والقفار وشتان ريح المخصبة والبحار الّتي وصفها مادح الشام في قوله:

يا حُسنَ واديها وَطيبَ شَميمهقَد فاحَ عرفُ الزهرِ فيهِ وعبّقا
وَتَراسَلت أَطيارهُ بَينَ الرّبىسحراً فَهيّجت الفؤادَ الشيّقا
كَيفَ اِتّجهت يخرّ نحَوكَ ماؤهوَإِليكَ يَركع كلّ غصنٍ أَورَقا

وما برح القطار في اتّجاهه حتّى رسا على محطّة الحدث حيث منها كان مبدأ الصعود إلى جبال لبنان. وفيما كان القطار يعالج هذا الصعود علاجاً ويتدرّج فيه تدريجاً، إذ وقف على محطّة يقال لها بعبده، وهي على مسافة تسعة كيلومترات من محطّة الحدث. وفي هذا البلد قصر عظيم كان يسكنه قديماً أحد الأمراء السالفين، والآن يسكنه في فصل الشتاء متصرّف جبال لبنان. وعندما يشرف الإنسان من هذه الجهة على مدينة بيروت وخليج القدّيس جورج يشاهد منظراً جميلاً وشكلاً بهيجاً. ثمّ يقف القطار على محطّة جمهور، وهي تبعد عن بعبده بمسافة ١٢ كيلومتراً وعند هذه المحطة يقترب سير القطار من طريق دمشق القديم. ثمّ يقف على موقف عربة، بعد أن يقطع مسافراً مسافة ١٧ كيلومتراً من محطّة جمهور. ومن تلك المحطّة يمرّ القطار في نفق صغير، وإذ ذاك تحتجب الطبيعة وتتوارى معالمها عن عيون المسافرين ريثما يجتاز القطار ذلك النفق. ثمّ ينكشف الجوّ كما كان في جلبابه الأبيض الناصع. وتتجلّى معالم الطبيعة ثانية وقد بلغت في الحسن حيث تعرفها في جبال لبنان:

تَتجلّى لكَ الطبيعة آناثمّ آناً بِحُسنِها تَتوارى

وقد كان من أجمل المناظر الّتي يشاهدها المسافر ما كان يرى من تلك البقعة على وادي شهرور، وبعد أن يسير القطار مسافة ٢١ كيلومتراً من عرية يكون قد وصل إلى محطّة علية. وقد استقبلنا على إفريز تلك المحطّة جناب وكيل المتصرّف، حاملاً إلينا سلام دولته، وكان معه ثلّة من العساكر وبعض الأعيان وبعض الرؤساء الروحيّين. فشكرنا لحضراتهم هذا الاحتفال، بعد أن شكرنا من

صميم القلب دولة حاكم الجبال الّذي كان شديد العناية بسفرنا، عاملاً كلّ ما في وسعه لراحتنا وسرورنا، فضلاًَ عن أنّه كان عظيم الحرص على إجراء الرسميات والمظاهرات لمقدمنا في كلّ مقام ومكان في دائرة حكومته، إذ ما كنّا نقف على محطّة في طريق سيرنا حتّى نجد في اِستقبالنا اِستعداداً تامّاً من رجال الحكومة وأعيان البلاد، فيستقبلوننا بمزيد الحفاوة وكبير الاحترام. وكنّا نشاهد من البشر الّذي يتلألأ على وجوههم ما نستدل منه على صفاء سرائرهم وحسن طويّاتهم، وما زال يمرّ بنا القطار في وسط الجبل حيث كانت تستقبلنا الطبيعة بمناظرها البديعة حتّى وصلنا عين صوفر. ويقال إن هذا البلد أحسن بلاد الجبل هواء وأعذبها ماء وأكثرها اِزدحاماً بالمصطافين من أعيان مصر وغيرها. ولهذا السبب يوجد فيها فندق كبير من أحسن وأكبر الفنادق في بلاد الشام، كما أنّه يوجد فيها منازل كثيرة للإيجار مدّة مصيف الناس. وقد كان في استقبالنا على تلك المحطّة قومندان الجندرمة ومعه بعض العساكر فشكرناهم وكنّا نرى أثناء المسير مناظر الأشجار الكبيرة والبلدان الجسيمة تتصاغر أمام أعيننا كلّما اِزددنا صعوداً إلى الجبل ممّا كان يدلّ على زيادة العلو، خصوصاً وأن من عين صوفر يبتدئ شعور المسافر بالصعود المحسوس. ثمّ يجتاز القطار بعد ذلك بطن الجبل، فيمرّ هناك من نفقين كبيرين: يبلغ طول الأوّل نحو ٢٨٠ متراً، والثاني نحو ٣٦٠ متراً، ويسمّى هذا خان مراد أو بيدار. ثمّ يصل على محطّة بعيضان، وهي أعلى نقطة

في هذه الجهة حيث يبلغ ارتفاعها عن سطح البحر نحو ١٥٠٠ متر. ومن عندها يتحدّر القطار إلى جهة الشرق مسافة ٤٤ كيلومتراً حتىّ يصل إلى المريجات، حيث هناك تنكشف المناظر الجميلة ذات اليمين على جبل بروق، وذات الشمال على جبل كنيسة. وبعد ذلك يرسو القطار على موقف المعلّقة، وهي تبعد عن مدينة بيروت بنحو ٥٦ كيلومتراً. وتلك البلدة هي الحدّ الفاصل بين ولاية سورية

وحكومة لبنان، ويوجد فيها كفر كبير إسلامي تابع لبلاد الشام، وفيها أيضاًَ بعثة إنجليزية ومدرسة لليسوعيّين. ثمّ إن هذه البلدة قريبة من قرية تسمّى زحلة من البلاد التابعة لحكومة الجبل. ويبلغ عدد سكانها نحو ١٥٠٠ نسمة، وهم عن بكرة أبيهم مسيحيّون كما أنّهم جميعاً يعنون بزراعة العنب ولهم به عناية زائدة، ولديهم نهر يسمّى البردوني. ويوجد في تلك البلدة دير ومدرسة لليسوعيّين أيضاً. وممّا يحفظه التاريخ لأهل زحلة والمعلّقة أنّهم كانوا أعظم الناس مصاباً وشقاء عند حدوث العاديات الّتي كانت وقعت في بلاد الشام من الدروز سنة ١٨٦٠. وبعد أن يفارق القطار محطّة المعلّقة، يمرّ هناك في وسط أرض واسعة وسهل فسيح بين لبنان والجبل الشرقي، وهو يمتدّ من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي ٣٤، ٤٠، ٢٢ من العرض، وطوله نحو ٧٠ ميلاً وعرضه يختلف بين ٣و٧ أميال. وهذا السهل غاية في الخصب، تكثر فيه الزروع وفيه أكثر من ١٠٠ قرية عامرة، وتجري إليه ينابيع غزيرة من الجبال فتشقّه في أنحاء شتّى. ويسمّى هذا السهل ببقاع العزيز، نسبة في ما قيل إلى الملك العزيز بن السلطان صلاح الدين الأيّوبي. وهو غير البقاع الّتي تعرف ببقاع كلب، وهي أرض واسعة بين بعلبك وحمص ودمشق، فيها قرى كثيرة ومياه غزيرة. وأكثر شرب هذه الضياع من عين تخرج من جبل يقال لها عين الجر، وهي المعروفة اليوم بعنجر. وفي هذه البقاع يوجد قبر النبي إلياس ﵇. وهكذا يستمر القطار في سيره على أن يصل إلى رياق، وهي محطّة تبعد عن مدينة بيروت بمسافة ٦٦ كيلومتراً، وعندها ينتظر القطار نحو نصف الساعة. وفي تلك المدّة يتناول من شاء من المسافرين طعام الغذاء في مطعم تابع لأكبر فندق في دمشق يعرف بفندق الشرق الأكبر. ويمتدّ من

هذه المحطّة فرع آخر من خطوط السكّة الحديدية يوصل إلى بعلبك وحمص وحماة وحلب. ولما أن انتهينا من تناول الغذاء في ذلك المكان،

شكرنا المندوب الّذي كان يرافقنا في هذا السفر من قبل الحكومة، حيث كان هذا الموضع هو آخر مشواره معنا. ونزلنا في القطار الّذي ما برح يتابع السير بنا في طريق دمشق، وهو يطوي الأرض بأقدامه الحديدية طيّاً، حتّى رسا عند وادي يعفوف وهو وادٍ خصب جميل مغروس بالنباتات والحدائق في كلّ جهاته، وعند هذه المحطّة يأخذ القطار في الصعود إلى الجبل الشرقي. وقد مررنا من هذا الطريق على قنطرة تعرف بجسر الرمّانة، وهي قنطرة عالية ترتفع عن سطح البحر بنحو ١٣٢٠ متراً حتّى يصل القطار إلى محطّة سرغاية الّتي كانت تعلو عن منسوب البحر بمقدار ١٤٠٠ متر. وهنا لا يستطيع المسافر أن يعبّر عمّا كان يتداخله من الارتياح ويستخفّه من الطرب، عندما يشرف من تلك الجهة على البقاع وجبال لبنان فيرى منظر الطبيعة فوق ما يوصف جمالاً ويعرف حسناً ورواء. وأيّ نفس لم تعد بعد الخمول نابهة وبعد الذبول ناضرة، وهي تتقلّب مرّات كثيرة على أبهج المناظر وألطف الأشكال. ثمّ هي لا تلبث أن تستقر في جهة تظن أن عندها منتهى الحسن وإليها قد اِستتمت ضروب الجمال والظرف، حتّى تفاجئها جهة أخرى فتأخذها منها روعة جديدة وهزّة شديدة، وترى أنّه كان قليلا في غيرها ما استكثر وصغيراً في نظرها ما استعظم واستكبر. ومن تلك المحطّة سافرنا على محطّة الزبداني، وهي مركز قضاء تابع لحكومة لبنان وعدد سكانها يقدّر بنحو ٦٥٠٠ نسمة، نصفهم من المسيحيّين والنصف الآخر من طوائف شتّى. ومركز هذه البلدة الطبيعي غاية في البهاء والحسن، إذ تحيط بها المزارع اليانعة والحدائق الواسعة من جميع جهاتها إحاطة الأكمام بالثمر والهالة بالقمر. وممّا قد اِمتازت به عن غيرها من البلاد، زيادة عن طيب مناخها، أنّ جميع الفواكه المشهورة توجد فيها. وأشهر ما فيها من أنواع تلك الفاكهة العنب والتفّاح حتّى قيل إن التفاح الزبداني لا يماثله أي تفاح كان في بلاد الدنيا. وفي

ذلك الوادي، الزبداني، يمرّ نهر بردى، ذلك النّهر الجميل المشهور في هذه الجهات بجمال موقعه وصفاء مائه وبرودته وعذوبته. وبعد اِجتياز النهر المذكور والمرور من محطّة التكيّة، يخترق الخط الحديدي نفقاً صغيراً فيصل إلى سوق وادي بردى. والمسافة من مدينة بيروت حتّى هذا الوادي تبلغ نحو

١١٥ كيلومتراً. وكان في الطريق، بين سوق بردى ومحطّة التكيّة، قرية اِشتهرت بكثرة الفاكهة وجودتها. ويقال إن جميع الفواكه المشهورة في بلاد الشام من أوّلها إلى آخرها توجد في حدائق هذه القرية. أمّا سوق بردى ففيه عدّة مغائر وكهوف، يذكر أنّها كانت تسكنها الناس قديماً، حتّى زعم بعض المؤرّخين أنّ هذه البلدة هي الّتي كانت فيها حادثة قتل هابيل لأخيه قابيل. ولعلّ هذا الزعم نشأ للمؤرّخ من أن هذا البلد واقع على مكان المدينة القديمة الّتي كانت تسمّى في عهد البطالسة أبيلة. ثمّ تمرّ السكّة الحديديّة من بعد هذه المحطة على دير قانون حتّى تصل إلى عين الفيجة، وهي ذات مجرى جميل يصبّ في نهر بردى ومركزها الطبيعي بين المزارع والأشجار، ممّا يسرّ الأفئدة ويبهج الأنظار. وهناك يسير القطار على شاطئ نهر بردى، تكتنفه الزروع وتحيط به من الجانبين بساتين نضيرة وأشجار غزيرة حتّى يصل إلى محطّة الجديدة. وهذه الجهة لا تبلغ في العلو عن سطح البحر مبلغ الجهات قبلها. ثمّ يبارحها القطار متّجهاً إلى محطّة الحامي، وعندئذٍ تتّصل السكّة الحديديّة بطريق دمشق القديم الّذي أسلفنا أنّه كان لمرور العربات، قبل وضع الخطوط الحديدية على أرض تلك البلاد. ثمّ يرسو عند محطّة دمّر، وهي واقعة على مسافة ١٣٧ كيلومتراً من بيروت. ثمّ هي بلدة صغيرة ولكنّها من المنتزّهات الصيفيّة وتعمر كثيراً في مدّة الحرّ، حيث أن أعيان الشام وأسره الكبيرة يقصدون إليها ليقضوا فيها فصل الصيف، ولهم فيها من أجل ذلك عدّة مساكن وبساتين جميلة. ومن هناك تظهر مآذن دمشق وتبدو طلائعها مبشّرة بقربها، ويرى

المسافر على يمينها جبل قسيون وعلى يسارها تلول كلبات المزّة. وإلى هنا ينتهي طريق السير من بيروت إلى مدينة دمشق، ويفارق المسافر جبال لبنان ومناظرها الّتي كانت على طول هذا الطريق تختلف طرباً وتتفاوت حسناً وعجباً. وينبغي أنّنا لا نودّع هذا الجبل حتّى نذكر بعض معلوماتنا فيه تتميماً للرحلة وقد كانت في طريقه طويلة جميلة.

النص من طبعة دار السويدي بأبوظبي (٢٠٠٢م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من بيروت

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.