من «الرحلة الشامية» للأمير محمد علي باشا (ت ١٣٧٤هـ)
غريبة في بيروت
وبينما كنت أنقّب عن الخيل الأصيلة وأبحث عنها في المدينة وغيرها لأشتري ما يعجبني منها، إذ أخبرت أنّ شابّاً إنجليزي التبعة يدّعي أنّه يعرف البلاد ويتعشّق الخيل ويقتنيها يريد أن يقابلني فأذنت له. وكانت هيئته وحركاته في سلامه وكلامه تدلّ على أنّه رجل عاقل مهذّب ظريف. ثمّ إنّي اِفتتحت حديثي معه بشأن الخيل الّتي توجد في جهات الضواحي، وسألته أيّ الجهات الّتي تعرف فيها وجود الخيل الكريمة، وأيّ الناس أعظم شهرة باِقتنائها من العرب وغيرهم؟ فقال: إنّ لي أصحاباً كثيرين من دروز حوران وعرب رولة الّذين يقطنون بالقرب من مدينة دمشق، وهؤلاء أعرف الناس بالخيل وأبعدهم صيتاً في حيازتها. ثمّ دار بيني وبينه من الكلام والبحث ما عرفته منه أنّ هذا الشاب ملمّ حقيقة بموضوعنا وله معرفة تامّة بحَسَن الخيل وقبيحها وجيّدها ورديئها، فقلت في نفسي الآن وقعت على خير عارف وسأبلغ إن شاء الله بواسطة هذا الشاب النشيط مأربي من خيل الشام. ثمّ عدنا إلى الحديث مستطردين إلى ذكر بعض أمور عامّة تتناول الموضوع الّذي جاءنا بصدده وغيره، فكان منها أنّه غزا في وقائع كثيرة، وأنّه مرّة كان يكون مع الدروز وأخرى يكون في صفّ العرب، وأنّه يجيد النطق باللّغة العربية ويحسنها حتّى كأنّها لغته، إلى غير ذلك. ثمّ إنّي سألته عن غايته من مجيئه إلينا ومقابلتنا وأنّه لم يسبق لي به معرفة ولا كلام، فقال بكلّ رزانة وأدب: أنّه لم يبعثني على التشرّف بمقابلة دولتكم سوى أن أتشرّف بخدمتكم فيما عسى أن ترغبوا شراءه من خيل تلك البلاد أو غيرها، وأنّ لديّ خيلاً لبعض النّاس أريد أن أطلع دولتكم عليها، لعلّكم تجدون منها ما يطابق غرضكم ويوافق رغبتكم. فقلت له: وأين توجد هذه الخيل؟ وإنّنا بحثنا كثيراً فلم نجد ما كان يروق لنا شراؤه. فقال: إنّي أعرف من تلك الخيل حصانين في
حوران. فقلت كان بودّي أن
أراهما، ولكن مع الأسف ليس عندي الآن من الوقت ما يسع أن أنتظر ريثما تجيء الخيل من جهة بعيدة عن بيروت أو ضواحيها، لأنّي عازم على زيارة دمشق ولم يبق إلا ساعات قليلة. فقال: إذا كان لابدّ من السفر فإنّ أمامنا حصانين آخرين في بعض الجهات القريبة من دمشق، ومن السّهل جدّاً أن أسافر وأستحضرهما لدولتكم عندما تشرفون هذه المدينة؛ وإنّ هذين الحصانين لا يقلان حسناً وشهرة عن الحصانين الأوّلين. ولمّا لم يكن ثمّت مانع من ذلك تفاوضنا في ما ندفعه أجراً له على سعيه وتعبه، وانتهينا على أن يتقاضى منّا جنيهاً واحداً في كلّ يوم، حيث يكون منه أيضاً أكله وشربه ومصاريف سياحته سفراً وإقامة، حتّى تتمّ مأموريته الّتي أنطناه بها. وقد كان علم أنّ سفرنا من بيروت سيكون في صباح اليوم الثاني، فأراد أن يزجّ بنفسه في حاشيتنا ويسافر معنا. ومن أجل ذلك سألنا: هل ترون من اللازم أن أستبدل ملابسي بزيّ عربي أو لبوس عاديّ، لكي أحظى بشرف السفر في معيّة دولتكم في القطر الّذي تسافرون فيه؟ فأجبته بأنّ سفرنا في هذه السياحة ربّما لا يسمح لنا بمرافقة عدد أكثر ممّن سيسافرون معنا، وربّما لا تحبّ الحكومة العثمانية أن ترى في ضمن رفاقنا أحد رجال الإنجليز، على أنّنا لا نرى هناك من ضرورة لأن تكون في هذا السفر من جملة حاشيتنا، وأنت تعرف أنّ القطار غير خاصّ بنا، وأنّ في عرباته الكثيرة سعة لك ولغيرك من المسافرين، فاِنزل منه في أيّ عربة تريد. ثمّ إذا جئت دمشق فاِنزل منها أيضاً في أيّ فندق تحبّ وتختار. وعلى ذلك اِنصرف الرّجل ونحن لا نعرف من أمره سوى أنّه عاقلٌ نبيه ووادع مؤدّب. وسنذكر بقيّة قصّته في فندق دمشق، إن شاء الله.
النص من طبعة دار السويدي بأبوظبي (٢٠٠٢م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع