تجاوز إلى المحتوى

من «الرحلة الشامية» للأمير محمد علي باشا (ت ١٣٧٤هـ)

عود إلى بدء

هذا وقد كنت أرى قطرات من الخيل تمرّ في طرق المدينة مثقلة بالأحمال، كما تسير قُطُرات الإبل في بلاد العرب فأستأنس بهذا المنظر الشرقيّ وأرتاح له ارتياح الظمآن عند رؤية الماء، حتّى إذا نحن وصلنا إلى سراي الولاية الّتي كانت واقعة في وسط المدينة (وقد ألفيناها من الخارج كبيرة الحجم ضخمة البناء إلا أنّها كانت بسيطة المنظر لا يرى عليها من الوشي والزخرف ولا من جمال الزينة ما تتحلّى به عادة قصور الحكّام والأمراء) أشرنا إلى مَن كان معنا من الجند باِنتظارنا لدى الباب الّذي دخلنا منه، حيث هناك كان (القراه قول) يؤدّي لنا مراسم التحيّة والإجلال. وما أوشكنا أن نصعد على سلّم السراي حتّى كان قد اِستشعر دولة الوالي بقدومنا

فخرج لاِستقبالنا في الحال، وسار بنا إلى البهو الكبير حيث جلسنا هناك وقتاً نتحدّث بعد أن قدّم لنا دولة الباشا الوالي جملة من كبار الموظّفين في دائرة الحكومة. وقد تناول حديثنا مع دولته عدّة مواضع أذكر أنّي

سألته في خلالها عمّا إذا كان يحسن بمثلي أن يطوف على بعض جهات المدينة ليرى آثارها وعجائبها، وأن يختلط في هذه البلاد ببعض القوم إذا هو أراد أن يجاملهم بردّ زيارة أو إجابة دعوة أو ما يشبه ذلك ممّا قد يحصل عادة بين الضيف والمحلي. على أنّي ما قصدت من رحلتي إلى بلاد سوريا سوى تبديل الهواء والتنزّه طلباً للصحّة والوقوف على آثار الشام وغرائبها لكي أضمّ ما أعرفه منها إلى ما سبق لي أن عرفته من البلاد الأخرى، وأنّي أخشى إذا أنا فعلت شيئاً ممّا ذكرته أن تتشوّش الحكومة العثمانية منه أو أن ينالنا من قبلها شيء. وقد بادرني دولته بأنّي أكون مطلق السبيل في سياحتي وأن ليس عليّ حرج أن أزور من النّاس من أحب وأن أتجوّل من جهات المدينة وضواحيها فيما أريد. وحينئذٍ تبادلنا عبارات الشكر والثناء. أمّا دولة ناظم باشا فقد رأينا منه في ذلك المجلس الصغير رجلاً رشيد السياسة سديد الرأي غاية في الذكاء والفطنة وديع النفس ليّن العريكة، لا يشكّ محدّثه في أنّه تربّى في حجر الفضيلة تربية صحيحة، واِستفاد من اِحتكاكه بسياسة الشعوب وتقلّبه الكثير في أرقى مناصب الحكومة خبرة واسعة وعلماً غزيراً. وبالجملة فإنّه من أعظم رجال الحكومة العثمانية كفاءة واِستعداداً لإدارة شؤون البلاد وسياسة الرعيّة. ثمّ إنّنا وجدنا في تلك السراي من كثرة المستخدمين والزائرين ما كان يدلّ على شدّة الحركة وتواصل العمل.

النص من طبعة دار السويدي بأبوظبي (٢٠٠٢م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من بيروت

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.