تجاوز إلى المحتوى

من «الرحلة الشامية» للأمير محمد علي باشا (ت ١٣٧٤هـ)

زيارة متصرّف جبل لبنان

بعدما انقضت زيارتنا لدولة الوالي توجّهنا مودّعين من دولته بكلّ حفاوة إلى دار صاحب الدولة يوسف باشا متصرّف لبنان. وهي مكان جميل المنظر قائم على مرتفع من الأرض في بقعة من بيروت تعرف بالروميلي. وهناك توجد أيضاً مساكن قناصل الدول وسراة المسيحيين وأعيانهم. فاستقبلنا عند مدخل السراي بفرقة من العساكر ومعها موسيقاها. وقد أعجبت كثيراً بارتداء هؤلاء الجند السلط

والسراويل وبأنّهم

رجال ضخام الأجسام طوال القامة، تبدو عليهم علائم القوّة والشجاعة حتّى لا يرتاب رائيهم في أنّهم من نخبة الشجعان وصفوة الفرسان. وكان أوّل من اِستقبلنا عند الدخول دولة المتصرّف وكاتب أسراره حيث دخلوا بنا في ردهة الاستقبال، وإذ ذاك عرّف إلينا قرينته على عادة الغربيّين في التعارف. أمّا هذه السيدة المصونة فكانت ذات جمال نادر وذكاء باهر، وبين جنبيها نفس مهذبة وأخلاق كريمة. وأمّا دولة الباشا فقد كان يزيد على اللّطف والوداعة محبّة وإخلاصاً لنا ولعائلتنا ممّا اِستوجب شكري لهما واِمتناني منهما. وكان دولته يودّ كثيراً أن تطول إقامتنا في جبل لبنان ليكرم وفادتنا ويحسن ضيافتنا هناك، فسررت منه جدّاً خصوصاً عندما عرفت منه رجلاً فاضلاًَ محنّكاً، قد اِكتسب بالتجارب الكثيرة والتقلّب في خدمات الحكومة خبرة تامّة وسياسة رشيدة. كما أنّه قد اِستفاد من التربية الصحيحة والتعليم العالي لطفاً وأدبا، غير أنّ الظروف كانت لا تسمح لي بأكثر من إجابته إلى تناول طعام الغداء عند دولته في ظهر اليوم الثاني. ثمّ بارحنا دارهم حيث كانت تحيّينا الجنود في الوداع بمثل ما كانت حيّتنا به عند الاستقبال مودّعين من لدن دولة المتصرّف وجميع من كان معه بغاية الحفاوة والاحترام.

النص من طبعة دار السويدي بأبوظبي (٢٠٠٢م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من بيروت

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.