من «الرحلة الشامية» للأمير محمد علي باشا (ت ١٣٧٤هـ)
ردّ الزيارة
وقد كنّا طوينا العزم على ردّ بعض الزيارات في هذا اليوم لمن كانوا قد خفّوا لاستقبالنا وزيارتنا مرّة بعد أخرى، ورأينا أن نبادر بذلك حتّى لا يفوتنا أداء ما استحقه علينا أولئك القوم تلقاء ما لاقيناه من حفاوتهم وكرمهم وحتّى نتفرّغ
لمشاهدة ما يهمّنا أن نطّلع عليه في تلك المدينة إذ ليست مدّة إقامتنا فيها إلا ساعات. لذلك أوعزنا إلى الفندق أن يشعر بعزمنا هذا دولة الوالي الّذي اِستحسنّا أن نردّ زيارته في دار الحكومة ودولة متصرّف جبل لبنان الّذي كان في هذا الحين مقيماً في مدينة بيروت وجناب قومندان العسكر الشاهانية وقد رأينا أيضاً أن نزور هذا الأخير في مقرّ سلطته، وإنّما أشعرناهم بذلك لكي يستعدّوا لمقابلتنا في المواضع الّتي تخيّرنا زيارتهم فيها، ثمّ إني طلبت إلى بعض خدمي إحضار الملابس المعتادة في الزيارات الرسمية فلبستها وكنت قد اِستوفيت اِستعدادي كلّه لهذا الغرض في مسافة لا تزيد عن ربع الساعة.
نزلنا من الفندق وكنّا نحسب أنّنا سنذهب على تلك المركبات العامة الّتي يستأجرها النزل لمعامليه في ضمن ما يلزمهم، ولكنّا وجدنا جملة عربات خاصّة قد أرسل بها إلينا بعض أعيان المدينة الكرام فركبت إحداها، وكان معي حضرة الفاضل أحمد بك العريس. وركب عربة ثانية البكباشي خيري أفندي وذلك الضابط الّذي أسلفنا أنّه مندوب الحكومة لخدمتنا. وكانت لنا الكفاية من هاتين العربتين. ولعلّ السبب في إرسال تلك العربات أنّهم لم يجدوا من مركبات الإيجار ما كان يوافق
ركابنا في حفلة حافلة، تشخص إليها أبصار المحتشدين على طول الطريق وعرضه. أمّا الموكب فكان رسميّاً منتظما، ً حيث كان يسير خلفنا وأمامنا بعض الجند السواري على الهيئة الّتي وصفناها حال حضورنا من الميناء حتّى الفندق. وكان طريق مرورنا من وسط شوارع المدينة الّتي كانت غاصّة من الجانبين بالأهالي على اِختلاف أعمارهم وتفاوت أقدارهم. وكان سروري يتجدّد كلّما كنت أرى أولئك النّاس متشبثين بالعوائد الشرقيّة ومتمسّكين بالملابس القديمة والأزياء الفطريّة. ثمّ كنت أشاهد كثيراً من العامّة يتّخذون مجالسهم من المحال العمومية كالقهاوي والحوانيت التجاريّة ويتعاطون من المكيّفات المباحة ما جرت به عوائد
معظم الناس في جميع الجهات تقريباً. فمنهم من كان يدخن بالأنابيب الّتي تصنع عادة من أغصان الياسمين وتتحلّى مباسمها غالباً بالكارم الأصفر الجميل، وهي عين ما كان يستعمله المصريّون للتدخين من عهد غير بعيد، ويسمّى في متعارف أصحاب الكيوف بالشبك. ومنهم من كان يدخّن بالنارجيل على نحو ما يشاهد في القهاوي في مصر غير أنّ اِستعمال هذا النوع في بلاد الشام أكثر منه في البلاد المصريّة. وبعضهم كان يتعاطى القهوة وآخر يشرب الشاي إلى غير ذلك ممّا يشبه أن يكون نسخة طبق الأصل من عوائد المصريين في بلادهم. ولهذه المناسبة نذكر هنا كلمة عن الأخلاق ممّا تعرّفناه في تلك الرحلة، لعلّ القارئ يدرك منها نسبة ما بين العناصر الشرقية بعضها إلى بعض على ما بينها من تباعد المواطن وشتات الأماكن وتباين الأسباب والعلل واِختلاف الملل والنّحل، ثمّ نعود فنذهب في طريقنا إن شاء الله.
النص من طبعة دار السويدي بأبوظبي (٢٠٠٢م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع