من «الرحلة الشامية» للأمير محمد علي باشا (ت ١٣٧٤هـ)
حديث مع بعض التلاميذ
وكان بين أولئك الوافدين بعض طلبة المصريين في كلية الأمريكان ومدرسة اليسوعيّين، فاستقبلناهم بما يليق بهم من الحفاوة والإكرام. وقد مكثوا في مجلسنا زمناً غير قليل كان حديثنا في أثنائه يدور غالباً على نظام التدريس والتعليم في المدارس والكليّات النظامية، وكنت أشجّعهم على طلب العلم، وأحثّهم على المثابرة والجدّ في تحصيل الواجبات المدرسيّة على شريطة أن يقرنوا خطاهم في سبيل تلك الغاية الشريفة بالنيّة الصحيحة والفكرة الصالحة. وهنا قلت لهم: إنّ طلب العلم، وإن كان في حدّ ذاته، هو أسنى مطالب الإنسان وأسمى رغائبه في تلك الحياة بل العلم هو وحده الأساس الّذي لا اعتماد للسعادة إلا عليه والأصل الّذي لا
اِستناد للفضيلة إلا إليه. غير أنّه لمّا كانت منافعه متعدّدة وفوائده متفاوتة كانت نوايا الناس إليه مختلفة ومقاصدهم نحوه متباينة. فمن فريق يطمح إلى تحصيل الأعراض الزائلة والأغراض السافلة، ومن فريق آخر يطمع في تكميل عقله وتثقيف فكره إلى
غير ذلك من المطالب الكثيرة. فمثل العلم كمثل الشجرة العظيمة إذ يقصد إليها جماعة من الناس، وكلّ له منها مقصد معين. فواحد يريد ظلّها، وآخر يبتغي أغصانها، وآخر يطلب ثمرها. ولقد يصدق على الجميع أنّهم يطلبون الشجرة، ولكن شتان ما بين طالب الظلّّ منها وبين طالب الثمرة. فأنا أنصح لكم، معشر التلاميذ النجباء، أن تصرفوا كلّ همّتكم الآن في تحصيل المعارف والعلوم الّتي حبستم عليها شبابكم، والّتي من أجلها هجرتم أوطانكم وتركتم أهلكم وإخوانكم، وأن لا يبرح عن فكركم أبداً أنّ لأمّتكم عليكم حقوقاً يجب أن تجعلوها دائماً نصب أعينكم، وأن تجتهدوا ما اِستطعتم لأدائها عندما تطلب منكم، وأن لا تجعلوا لزخارف الدنيا وأعراضها سلطاناً على أنفسكم فتملككم وتغلبكم على أمركم، وأن تشتغلوا بالعلم قصداً إليه نفسه وحبّاً له ذاته، لا لأن يكون وسيلة إلى غاية منحطّة ولا مقدّمة إلى نتيجة فاسدة، فإنّكم أفطن من أن ألفتكم إلى أنّ العلم ليس مفيداً حيثما كان، بل قد يكون مضرّاً في بعض الأحيان، وكثيراً ما يتجاوز ضرره صاحبه على غيره. وأنتم أيضاً فوق أن تنبهوا إلى ما كان من علماء الغرب الّذين ظهرت فوائد علمهم الغزيرة وثمراته الكثيرة في الاقتراحات العديدة، والاختراعات المفيدة الّتي نحن الآن متمتّعون بها في كثير من أمور حياتنا الفردية والاجتماعية، ممّا جعل هؤلاء العلماء تفتخر بهم بلادهم وتشتهر بأسمائهم جهاتهم حتّى استحقّوا أن يحمدوا ويشكروا من كلّ من عرف قيمة الحياة وأدرك سرّ الاستعمار. ثمّ قلت لهم إنّه يسوؤني كثيراً أن أرى أناساً يضيعون زهرة شبابهم في التعليم على قصد أن يكونوا يوماً ما مستخدمين في الحكومة، أو من أهل الثروة واليسار في البلاد،
أو ممّن يطمعون في الامتيازات العرضية كالرتب والنياشين والألقاب. نعم يسوؤني ذلك لأنّي أجد القسم الأوّل لم يستعمل فكره ومواهبه إلا فيما تقتضيه منه شؤون الحكومة، فتتضاءل مداركه وتتعطّل مواهبه ثمّ لا يلبث أن تنحصر معلوماته الواسعة في دائرة أضيق من صدر الأحمق. وأمّا القسم الثاني والثالث فقد أرادوا غاية دون ما كان ينبغي أن يطلب بالعلم ويذهب إليه من طريقه، إذ أن الرتبة مثلاً إذا لم تكن عنوان ما في نفس صاحبها وشعاراً للتربية النافعة والتعليم الصحيح، فلا قيمة لها حتّى ولا بين قومه وعشيرته. أمّا الّذي يضمن للمرء عزّه في كلّ مكان ويستوجب اِحترامه من كلّ
إنسان ويجعله دائماً في الصفّ الأوّل، ومن العزّ في المحلّ الأرفع والمكان الّذي لا يتحوّل، فإنّما هو العلم الصحيح. أقول الصحيح لأنّ كثيراً من العلماء لم ينفعهم علمهم في تحصيل ما قد أرادوه من سبيله، فاتّخذوا منه مطيّة إلى الشقاء وسبيلاًَ إلى الضلال. ومن أمثال هؤلاء تستنبط الحيل وتدبّر المكائد الّتي بها تفشو المضار وتكثر المفاسد. وإنّه لا غرابة أن يكون العلم سبباً من أسباب الشقاء، وهو بعينه أصل السعادة وطريقها، ما دامت تختلف عليه نوايا العاملين وتتفاوت في طلبه مقاصد العالمين. وإنّي لاأحدثكم بألذّ من عيش العالم العاشق للعلم فلقد تمرّ عليه الحوادث والعاديات فيطّلع عليها وهي لا تنال منه إلا ريثما تنال الصور المتحركة والخيالات العادية عن الحقائق. فمثل هذا يعيش ما قدر له أن يعيشه في هذه الدنيا مرتاح القلب مطمئن النفس، لا يفرح بشيء يأتيه كما لا يأسف على شيء يفوته، لأنّ ثروته كلّها في العلم، فهو به في غناء عن كلّ ما عداه. وهكذا كنت أبث نصائحي للتلاميذ كلّما دخلت مدرسة من مدارس الشام. وقد كنت أُلفتهم إلى ما كان للشرق في التاريخ الأوّل من المجد والعزّ وسعة نطاق المعارف وكثرة الصنائع والحرف، مبيّناً لهم أنّ بناء الشرق الشامخ وشرفه الباذخ لم يكن قائماً إلا على أساطين الحكمة وعماد
الفضيلة. فإذا كنّا نحسّ الآن بنقص عظيم في علومنا الحيوية وحاجاتنا الضرورية، فإنّما ذلك لأنّ الشرق ما زال لم يعوّض ما كان فقده من علمائه وحكمائه الّذين أخلصوا في خدمته وتفانوا في العمل على سعادته، إلى أن قلت لهم: إذاً، يجب عليكم بوصف أنّكم رجال المستقبل أن تستصحبوا دائماً في عملكم نيّة أن تكونوا أوّل العاملين على رقيّ البلاد وإعلاء شأنها وأن تسدّوا منها الفراغ العظيم وتكملوا فيها ذلك النقص الكبير وما ذلك على همّتكم ونشاطكم بعزيز.
هذا خلاصة ما دار بيننا وبين الطلبة من الحديث. وقد سرّني منهم كثيراً أنّي كنت أجدهم مصغين غاية الإصغاء لما أقول، وأنّ نصائحي نالت من نفوسهم غاية الاستحسان والقبول. وقد زادني إعجاباً بهذه النشأة الطيّبة ما أظهروه لنا من المبالغة في حبّ عزيزهم أمير البلاد وتعلّقهم الشديد بعرشه السامي وإخلاصهم الكبير لذاته الكريمة كما هو الواجب على كلّ شعب لأميره وحاكمه. نعم، وكما هو الواجب الّذي ينبغي أن تتربّى عليه النفوس من صغرها حتّى ينتقش فيها ذلك، فلا تحتّه
الدسائس ولا تنحته الوساوس. ثمّ إنّهم عندما همّوا بالانصراف قدّموا إلينا قانون جمعيّتهم معنوناً بقانون جمعية التلاميذ المصريّين في كلية الأمريكان، ومصدّراً بصورة سمو الجناب العالي الخديوي. وسنذكر إن شاء الله هذا القانون بنصّه في خاتمة الرحلة، ليعرف منه حضرات القراء أسماء أعضاء الجمعية وما اشتمل عليه من المواد. وقد قابلت منهم ذلك الإهداء الجميل بالثناء العاطر والشكر الجزيل، ودعوت لهم الله أن يكلّل مشروعهم بالنجاح ويتوّج عملهم بالفلاح. وبعد ذلك خرجوا من عندنا جذلين مسرورين، على أنّ سرورنا إذ رأينا أدبهم ونشاطهم كان في وزن فرحهم أو هو يزيد. كيف لا، وإن أقل ما كان يقتضيني أن أسرّ حينئذ أنّي قابلت شبيبة بلادي تجاهد في سبيل العلم مجاهدة الأبطال، وأنّها لقد تركت وراءها من أجل استحصاله كلّ مرتخص وغال. ورجوت أن يكون ما
تظاهر به أولئك الطلبة النبهاء من محبّة مولاهم ومحبّتنا غير مشوبة بشائبة النّفاق والرياء، وأن يكون ليس من نوع المحبّة العارضة بسبب البعد والاغتراب، ولا من قبيل ذلك النسب الذي اِنتحله اِمرؤ القيس في قوله وقد أناخ بعسيب:
أَجارتنا إنّ الخطوبَ تَنوبُوَإِنّي مقيمٌ ما أقامَ عَسيبُ
أَجارتنا إِنّا مُقيمانِ ها هُناوَكلّ غَريبٍ لِلغريبِ نسيبُ
النص من طبعة دار السويدي بأبوظبي (٢٠٠٢م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع