تجاوز إلى المحتوى

من «الرحلة الشامية» للأمير محمد علي باشا (ت ١٣٧٤هـ)

زيارة المدرسة الحربية

توجّهنا في شباب يوم الأحد ٢٣ ربيع الأول سنة ١٣٢٨ إلى زيارة المدرسة العسكرية الابتدائية وكان موقعها من المدينة في قسم الباشورة وهي تحتوي على سبعين تلميذاً تقريباً يبلغ سنّ الواحد منهم من سبع سنين إلى أربع عشرة سنة، وقد طفت على كلّ فصول هذه المدرسة ودوائرها وكان المعلّمون يختبرون التلاميذ أمامنا

فيما يتدارسونه من العلوم الجغرافية والهندسية والتاريخية وغيرها جرياً على العادة فسررنا من نجابة التلاميذ واستحضارهم، ثمّ تعهّدنا غرف النوم ومواضع الأكل والطبخ أيضاً فسرّنا اِختيارها ونظافتها سروراً بليغاً ولذلك أثنيت حميد الثناء على القائمين بشؤون هذه المدرسة عموماً، خصوصاً الأساتذة الّذين ظهر لي حسن عنايتهم بتربية الطلبة وتعليمهم ممّا كنت أراه من إجاباتهم السارّة على أسئلة أولئك المعلّمين، غير أنّي لاحظت شيئاً واحداً هناك وهو عدم تمرين التلاميذ على حمل السلاح وتعويدهم عليه في صغرهم وشباب عمرهم مع أنّ المدرسة حربيّة وكان يجب أن يوجد ذلك فيها بل أن يكون من أوّل دروسها وأهم حصصها، وقد سألتهم عن سبب هذا النّقص المحسوس فأجابوني بما كان لا يلاقي اِعتراضي عليهم، قالوا: إنّ المدرسة اِبتدائية وإن التلاميذ أحداث صغار، وقلت إن المدارس الحربيّة الإعدادية في الجهات الأخرى تعطي أبناءها السلاح في ضمن ما يتعاطونه وهم صغار لينشؤوا على حبّه ويتمرّنوا على حمله ولكي تتربّى فيهم من

حال الصغر ملكة الشجاعة وتغرز في سجاياهم القوّة والجراءة ومن ذلك يستشعر التلميذ من نفسه الشهامة والإقدام، نعم لا ننكر أنّ الجيش العثماني من أقوى الجيوش وأشجعهم قلباً وأشدّهم بأساً اشتهر ذلك عن هذا الجيش حتّى إنه لا يوجد على ظهر المسكونة أحد يجهله أو يرتاب فيه، غير أن الواجب إنّما هو البلوغ بالإنسان إلى الحدّ الأكمل من كلّ فضيلة، وبدل ما أن يقال الجندي العثماني شجاع والجندي الفلاني أشجع منه يقال على العكس من ذلك، وما العمل لتحصيل هذا بالأمر المستحيل ولا هو بالصعب أيضاً.

النص من طبعة دار السويدي بأبوظبي (٢٠٠٢م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من بيروت

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.