تجاوز إلى المحتوى

من «الرحلة الشامية» للأمير محمد علي باشا (ت ١٣٧٤هـ)

زيارة القومندان

ومن هناك ذهبنا إلى القشلاق حيث فيه مركز جناب قومندان الموقع العسكري في حكومة بيروت. وهو بناء فخم جميل واقع على ربوة وحينما وصلنا على هذه الثكنة حيّتنا الجنود عند مدخلها وأدّت لنا مراسم التعظيم كالعادة. وقد أخذنا مجالسنا في البهو الكبير منها، وهناك رأينا ساعة كبيرة تدقّ للساعات العربيّة والإفرنكية، ووجدنا أيضاً صورة إمبراطور الألمانيين ملوّنة بالزيت على جرمها الطبيعي، يحيط بها إطار يقرب طوله من ثلاثة أمتار وعرضه من مترين

ونصف.

فاستغربت جدّاً أن أرى في هذه المكان صورة إمبراطور ألمانيا ولا أرى صورة ملك البلاد وسلطانها. وليس موضع الغرابة من هذا إلا أنّ القوم مسلمون من حكومة سلطانها مسلم، وهم مع ذلك يحتفلون بصورة غير سلطانهم ويعلّقونها على جدار ذلك القشلاق، فلم يسعني حينئذٍ غير أن أسأل جناب القومندان لماذا وجدت هنا هذه الصورة دون صورة السلطان. فقال إنّ جلالة الإمبراطور، حينما ساح سياحته في البلاد الشامية وجاء إلى بيروت، تخيّر منزله في تلك الثكنة حيث أعدّ له مكان خاص أقام فيه مدّة وجوده في هذه المدينة. وقد منح جلالته المكان هذه الصورة لتكون تذكاراً له في ذلك القشقلاق. هذا وأقول لعلّ جلالة الإمبراطور قد راق لعينيه ضخامة المحل وفخامة شأنه فلم يشأ أن يبارحه بذاته ويفارقه بجسمه حتّى يحلّ فيه بصورته ورسمه. ثمّ بارحنا جناب القومندان بعد أن ودّعنا منه ومن رجاله بمثل ما قوبلنا به حيث قصدنا إلى الفندق. وقد كان جاء ميعاد الغداء الّذي ما كدنا نستريح بعده حتّى وفد إلينا جمهور كبير من المسافرين بقصد زيارتنا.

النص من طبعة دار السويدي بأبوظبي (٢٠٠٢م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من بيروت

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.