من «الرحلة الشامية» للأمير محمد علي باشا (ت ١٣٧٤هـ)
استطراد في الطريق إلى بحث أخلاقي
إن ما صادفناه من عوائد أولئك الشاميّين في محافلهم ومجالسهم ليس في الغالب ممّا يختص بالشاميّين دون سواهم، بل هو يكاد يكون عامّاً يشاهده الإنسان في جهات كثيرة ويعرفه في عوائد أكثر الآدميّين الشهيرة. غير أنّ الناقد الّذي يتبيّن فاضل الأشياء من مفضولها، ويميّز أجناسها من فصولها ويرجع بفروعها إلى أصولها، عندما يعنى بالتنسيب ويقايس بين أخلاق أهل الشام وبين أخلاق أهل مصر لا يجد
من مسافة الفرق بينهما بعد ما يجده من غيرهما. ولا نستغرب أن نجد أنّ مجموعة العوائد والأخلاق في الشام تشبه من معظم الوجوه مجموعتها في مصر، إذ كان الشرق أبا القبيلتين ومربّيهما معاً، على أنّ علّة اِكتساب الأخلاق والصّفات لا بدّ أن ترجع إلى اِختلاط الناس وامتزاجهم بعضهم ببعض مهما اختلفت مطالع الشموس وتباينت منازع النفوس، وأنه كما قد تتقوّى العلائق
وتتوثّق الروابط بين الناس وتتضاءل وتضعف على نسبة ما يكون من المعاشرة، ويقع من الاختلاط قوّة وضعفاً وكثرة وقلّة، كذلك يكون الحال في تشابه أخلاق الناس وعاداتهم سواء في ذلك ما كان من التشابه بين الآحادِ والأفراد وما كان منه بين الأمم والجماعات. ومن أجل هذا نشاهد أنّ كثيراً من الغربيّين قد أكسبهم طول العشرة لأهل الشرق خلقاً غير خلقهم وعادة خلاف عادتهم حتّى تراهم فلا تكاد تفرّق بينهم وبين الشرقيّين إلا في قليل ممّا قويت فيه ملكاتهم وفطرت عليه غرائزهم. كما أنّا نرى مثل ذلك في كثير من أبناء الشرق وما كان يكون هذا أصلاً لولا شدّة الاختلاط وطول المعاشرة، وإن كنّا لا ننسى أيضاً أنّ من المراجع القويّة والأسباب المهمّة في ذلك عشق العادة والميل إلى تقليدها في الغير كما يشاهد في كثير من المقلّدين الّذين بالغوا في تقليد الأجنبي إلى حدّ أنّهم عادَوا عوائدهم وكرهوا تقاليدهم. على أنّه كثيراً ما ينطبع في بعض الناس خلق غيره ويقوى فيه إلى درجة أن يصير منه بمنزلة طبعه وسجيّته وعدوى الطبائع معروفة، كعدوى الأدواء سريعة الانتقال صعبة الزوال. ومن ثمّ كان ينبغي أن يحتاط الإنسان ما أمكنه من مجالسة ذوي النفوس الخبيثة والأخلاق الرديئة وأن يتخيّر أصحابه وذوي مجلسه دائماً من الحكماء والأدباء وأرباب النظر البعيد والرأي السديد، فإنه ما أخلق صاحب هؤلاء أن يستفيد دون أن يخسر، وأجدر جليس الجهّال والسفهاء أن يخسر دون أن يستفيد، وفي هذا المعنى يقول الشاعر العربي:
مجالسةُ السفيهِ سفاهُ رأيٍوَمِن عقلٍ مُجالسةُ الحَكيمِ
فَإنّكَ وَالقرين معاً سَواءكَما قُدّ الأديمُ منَ الأديمِ
ويقول آخر:
لا تَصحبِ الكسلانَ في حالاتهِكَم صالِحٍ بِفساد آخرَ يفسدُ
عَدوى البليد إلى الجليدِ سَريعة ٌوَالجَمرُ يوضعُ في الرمادِ فيخمدُ
وبالجملة فإن الإنسان من حيث هو إنسان له من أصل فطرته استعداد تام لقبول كلّ ما يدخل عليه من خير أو شر، كمثل المرآة تنطبع فيها صورة ما يعرض عليها من حسن أو قبيح. لذلك هو يستطيع أن يتحوّل كيف شاء متى شاء. فالشرقيّ الّذي نبت في صميم الشرق وتربّى على مبادئه يمكنه أن يكون وقتاً ما مضاهياً لأبناء الغرب حتّى كأنّه رضع مع اِبن الغربية من ثديٍ واحد. وما كنّا لنستغرب أن نرى أبناء الشام يشبهون أبناء مصر في تقاليدهم وعوائدهم ونحن ندرك ما بين الشعبين من كثرة الاجتماع وشدّة الاختلاط لأسباب ووجوه متعدّدة منها تبادل التجارات الشرقية واتحاد اللّغة وقرب الحوار، ذلك فضلاً عن كونهما من الحكومة العثمانية بمثابة عضوين من جسم واحد.
النص من طبعة دار السويدي بأبوظبي (٢٠٠٢م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع