تجاوز إلى المحتوى

من «الرحلة الشامية» للأمير محمد علي باشا (ت ١٣٧٤هـ)

المدرسة الملكية

ومن هناك ذهبنا إلى المدرسة الملكيّة حيث كانت الساعة ١١ إفرنجية، فاستقبلنا على مدخلها جناب ناظر المدرسة وأساتذتها وبعض متخرّجيها وفريق من علية القوم، وإذ ذاك صدحت الموسيقى المدرسيّة بالسلام والنشيد الوطني. أمّا نحن فدخلنا ردهة الاستقبال، بينما كانت التلاميذ يحيّوننا ويهتفون لنا بالدعاء. وما كدنا نستقر في مجالسنا حتّى قام أحد التلاميذ ورحّب بنا بخطاب تركي. ثمّ نهض بعده الأستاذ

يوسف أفندي حرفوش فتكلّم بالنيابة عن الأساتذة والمعلّمين بما لم يخرج عن تهنئتنا بالسلامة عقب السفر، والترحيب بزيارتنا لتلك المدرسة، غير أنّ خطابه كان باللغة الفرنسية. ثمّ أعقبه على الفور جناب بشير أفندي قصار وألقى مقالة بليغة اِستهلها بقصيدة غرّاء قال في مطلعها:

تِهْ فخاراً يا مَعهد العلمِ واِسمُبِأميرِ الأَخلاقِ خير الوفودِ
بِأميرِ الصّفاتِ وابنِ أميرٍبِكَريمِ الآباءِ بعدَ الجدودِ

ومنها:

قَد أَتى معهداً يَزورُ بنيهِفَتبدّوا منهُ بِعزمٍ جَديدِ
معهداً قَد مَضت عليهِ سنينسائِراً في سبيلِهِ المحمودِ
مَعهَداً أشربت قُلوبُ بنيهأَن تُنادي في العلمِ هَل من مَزيدِ

ومنها وهو ختامها:

إنّ يوماً قَد زرت ذا الربع فيهِهوَ لا شكّ عِندنا خير عيدِ

وقد تكلّم في خطابه عن المدرسة ومسيرها مدّة ستة عشر عاماً منذ اِفتتاحها، وهي متّبعة سنّة النمو والارتقاء التدريجي. وما أوشك أن ينتهي من ذلك حتّى نهض أحد التلاميذ بالنيابة عن الجمعية العلمية، فأهّل بنا ورحّب، وذكر خطّة الجمعية وبيّن غاية ما تسعى إليه، ثمّ قدّم لنا رسمها تذكاراً لزيارتنا لها. وحينئذٍ قمنا فصافحنا حضرات الخطباء، وشكرنا لجناب الدكتور صاحب القصيدة معروفه وأدبه وحسن خطابه وقلت له: لست أشكرك لمدحك إياي ولكن لذلك الفكر الصائب الّذي أبديته من وجوب تنشيط المعاهد العلمية. ثمّ أخذنا ندور على دوائر المدرسة ونتعهّد فصولها. وقد زرنا القسم الاستعدادي واختبرنا بعض صغار التلاميذ فيه

فسررنا جدّاً من نجابتهم واِستعدادهم. ثمّ عدنا ثانية إلى قاعة الاستقبال حيث كانوا ينتظروننا بالمرطّبات. وهنالك أثنينا على رقيّ هذا المعهد العلمي، وقلنا لرئيس المدرسة الأستاذ الشيخ أحمد أفندي عبّاس: إن الواجب الأوّل في التعليم هو الاعتناء بتربية الأخلاق الكريمة في نفوس التلاميذ، وحضهم دائماً على الاشتغال بالعلم للعلم نفسه، حتّى لا يتجهوا في طريق التعليم إلى غاية أخرى. وقد أجابنا حضرته بما معناه أن هذه الرغبة الحميدة هي عين الغاية الّتي تسعى إليها المدرسة منذ نشأتها. ثمّ بارحناهم شاكرين لهم ما لاقيناه من عنايتهم ومعروفهم.

النص من طبعة دار السويدي بأبوظبي (٢٠٠٢م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من بيروت

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.