تجاوز إلى المحتوى

من «البصائر والذخائر» لأبي حيان التوحيدي (ت نحو ٤٠٠هـ)

الجزء الثالث (٣)

سمع مخنث رجلاً يقول: دعا أبي أربعة أنفس أنفق عليهم أربعمائة

درهم، فقال: يا ابن البغيضة، ولعله ذبح لهم مغنيتين وزامر، وإلا فأيش أنفق أربعمائة درهم؟! شاعر:

هب لعيني رقادهاوآنف عنها سهادها
كن صلاحاً لها كماكنت دهراً فسادها
وأرحم المقلة التيصرت فيها سوادها

سمع مخنث رجلاً يؤذن بأعلى صوته في مسجد صغير فقال له: يا هذا أذن على قدر مسجدك، ولا تعد طورك.

قال شيخ لفرفر المخنث: أبو من؟ قال: أم أحمد فديتك نظرت امرأة إلى مخنث في قطيفة فقالت: ويلي، مخنث في قطيفة؟! فقال: يا بظراء، لو كان لي مثل الكانون الذي بين فخذيك جلست في غلالة.

لما أفلت عمر بن هبيرة من سجن خالد مر بالرقة السوداء، فإذا امرأة من بني سليم على سطح لها تحدث جاراتها ليلاً وهي تقول: لا والذي

أسأله أن يخلص عمر بن هبيرة مما هو فيه، فوقف عمر وقال لأصحابه: هل معكم شيء؟ فأتوه بمائة درهم، فصيرها في صرة فرمى بها كلها وقال لها: قد خلص الله ابن هبيرة مما كان فيه، فطيبي نفساً.

قيل لدغفل: من أشعر الناس؟ فقال: امرؤ القيس إذا ركب، والنابغة إذا رهب، والأعشى إذا طرب، وزهير إذا رغب.

من أمثال العرب: وليس القدر إلا بالأثافي.

شاعر:

خافت سلوي وآنقطاع وسائليفغدت بدمع سائل ومسائل
ورأت فتى كالسيف إلا أنهشخت الضلوع قليل لحم الكاهل
مثل الذبالة ضوءها لك معجبوالنار تأكل جسمها من داخل
فضحكت مما قد بكاني حاسديوبكيت مما قد رثى لي عاذلي

هبت ريح شديدة فقال الناس: قد قامت القيامة، فقال زبدة المخنث: هذه قيامة على الريق بلا خروج دجال ولا دابة الأرض ولا المهدي، نسأل الله بركة قدومه.

قيل لمخنث: ويلك، تناك في أستك؟! فقال: يا قوم فلي موضع غيرها؟!

كان العباس يقول: الناس لصاحب المال ألزم من الشعاع للشمس، ومن الذنب للمصر، ومن الحكم للمقر، وهو عندهم أرفع من السماء، وأعذب من الماء، وأحلى من الشهد، وأذكى من الورد، خطأه صواب، وسيئته حسنة، وقوله مقبول، يغشى مجلسه، ولا يمل حديثه؛ والمفلس عند الناس أكذب من لمعان السراب، ومن رؤيا الكظة، ومن مرآة اللقوة، ومن سحاب تموز، لا يسأل عنه إن غاب، ولا يسلم عليه إن قدم، إن غاب شتموه، وإن حضر حقروه، وإن غضب صفعوه، مصافحته تنقض الوضوء، وقرانه يقطع الصلاة، أثقل من الأمانة، وأبغض من الملحف الملزم.

قال أعرابي: أجمعوا الدراهم فإنها تلبس اليلمق، وتطعم الجردق.

قيل لأعرابي: ما السرور؟ قال: كثرة المال، وقلة العيال.

قيل لفيلسوف: فيم السرور؟ قال: في إيضاح حق قد ألتبس بباطل، وإزالة باطل قد جار على الحق.

قيل لصوفي: فيم السرور؟ قال في توحيد يقام شاهده، ومقام يصدق وارده.

أنشد ابن الأعرابي:

إني لألبسكم على علاتكملبس الشفيق على العتيق المخلق
ولقد أرى ما لو أشاء عتبتهفأصد عنه ببقيتي وترفقي
ليرى العدو قناتنا لم تنصدعويكون ذاك كأنه لم يخلق
وإذا تتبعت الذنوب فلم تدعذنباً قطعت قوى القرين المشفق
وسمعت أو نقلت إليك مقالةعوراء يطلقها صموت المنطق

نظر رجل إلى مخنث وهو ينتف لحيته فقال له: لم تنتف لحيتك وهي جمال وجهك؟ قال: يسرك أن يكون لأستك مثلها؟ قال: لا، قال: فشيء لا تحب أن يكون في أستك مثله أتركه أنا على وجهي؟! أدخل رجل علوي بيته قحبة، فلما أرادها قالت: الدراهم، قال: دعي عنك هذا ويحك مع قرابتي من رسول الله ﷺ قالت: دع هذا، عليك بقحاب قم، هذا لا ينفق على قحاب بغداد.

ما أقبح النقص بالشريف!! كان جحا نائماً إلى جنب أمه، فضرطت فتشورت فقالت: يا بني رأيت رؤيا فيها رعد وبرق ودوي، فقال: يا أمي، إن صدقت الرؤيا مطرنا خرا.

شاعرة من العرب:

ألم ترنا عزنا ماؤناسنين فظلنا نكد البئارا
فلما عدا الماء أطوارهوجف الثماد فصارت حرارا
وعجب عجيجاً إلى ربهارؤوس العضاه تنادي السرارا
وفتحت الأرض أفواههاعجيج الجمال وردن الجفارا
لبسنا لدى عطن ليلةعلى اليأس أثوابنا والخمارا
وقلنا: أعيروا الندى حقهوصبر الحفاظ وموتوا حرارا
فإن الندى لعسى مرةيرد إلى أهله ما أستعارا
فبينا نؤثل أحسابناأضاء لنا عارض فاستطارا
وأقبل يزحف زحف الكسيرسياق الرعاء البطاء العشارا
تغني وتضحك حافاتهخلال الغمام وتبكي مرار
كأنا تضيء لنا حرةتشد إزاراً وترخي إزارا
فلما رأينا بأن لا نجاءوألا يكون قرا قرارا
أشار له آمر فوقههلم فصار إلى ما أشارا

رئي جحا في جنازة أبي العباس النحوي وهو يقول: يا أبا العباس رحمك الله، في حر أمنا بعدك يا أبا العباس.

سرق رجل جملاً بالليل، فرفع إلى السلطان فقال له: لم سرقت؟ قال: كنت سكران، قال: فلم لم تأخذ كلباً؟ فقال: ما ميزت بين الجمل والكلب.

عطش جحا يوماً فقال لأمه: أسقيني ماء، فقالت: من أين أسقيك؟ اشرب من حافرك؛ وعطشت هي أيضاً يوماً فقالت: يا بني اسقني، فأراد أن يقول لها كما قالت له فقال: اشربي من حرك، يريد: من حافرك.

كان للشاعر المعروف بالدقيش أنف طويل وأسنان كبار، فقالت امرأته، أي شيء تشبه؟ قال: لا أدري والله، قالت: يشبه أنفك هذا الطويل وفمك وأسنانك كأنك والله ديك يطله في كوز في فمه قرطم، فقال لها: لعنك الله، أنا شاعر ولا أحسن هذا التشبيه.

دعا أبو سالم القاص يوماً على المنبر بنصيبين فقال: اللهم أمسخهم كلاباً، وأمسخنا ذئاباً حتى نقرض جلودهم.

زار رجل رئيسا، فقال الرئيس: يا جارية، هاتي لضيفنا المسكين السكر والشيرج وأصلحي الفالوذج، قالت: يا مولاي ليس عندنا سكر ولا عسل، قال لها: ويلك هاتي قطيفة إبريسم حتى ينام فيها، قالت: يا مولاي استعاروها، فقال الضيف: جعلت فداك، ما بين هذين رغيف وقطعة جبن.

نظر الفرزدق إلى جارية مليحة بالمدينة فقال لها: أيري في أستك، فقالت له: يا بغيض، ما يضرك أن تضعه في يدي فأضعه حيث

أشتهي، فقال: قد وضعته في يدك، قالت: فإني قد وضعته في حر أمك.

قيل لطفيلي: كل من قدامك، قال: يا قوم، ترى هو ذا آكل من خلفي؟! وقع نحوي مرة في كنيف، فجاؤوه بكناسين، فكلمه أحدهما لينظر أهو في الحياة، فقال له النحوي: أطلبا لي حبلاً دقيقاً، وشدا شداً وثيقاً، وأجذباني جذباً رفيقاً؛ فقال أحدهما لصلحبه: أما أنا والله لا أخرجته، هذا في الخرا إلى الحلق وليس يدع الفضول.

أخذ الحكم بن أيوب الثقفي عامل الحجاج إياس بن معاوية في ظنة الخوارج، فقال له الحكم بن أيوب: إنك لخارجي منافق، ائتني بكفيل، فقال: ما أجد أعرف بي منك، فقال: وما علمي بك وأنا رجل من الشام وأنت من أهل العراق؟ قال إياس: ففيم هذا الثناء منذ اليوم؟! فضحك وخلى سبيله.

قال سديف في خطبته: قد صار فيئنا دولة بعد القسمة، وإمامتنا غلبة بعد المشورة، وعهدنا ميراثاً بعد الأختيار للأمة، واشتريت

المعارف والملاهي بسهم اليتيم والأرملة، وحكم في أبشا المؤمنين أهل الذمة، وتولى القيام بأمورهم فاسق كل محلة؛ اللهم قد استجيد الباطل، وبلغ نهيته، وزخرف وليده، واستجمع طريده، وضرب بجرانه؛ اللهم فأتح له من الحق يداً حاصدة تبدد شمله، وتفرق أمره، ليظهر الحق في أحسن صورة، وأتم نورة.

قال إبراهيم بن أدهم: نظرت فلم أجد الخلق أتوا في أفعالهم إلا من ثلاثة أشياء: من الفرج بالموجود، والحزن على المفقود، والسرور بالمدح، لأن من فرج بالموجود حرص، والحريص محروم، ومن حزن على المفقود سخط، والساخط معذب، ومن سر بالمدح أعجب، والمعجب ممقوت.

قال رسول الله ﷺ فيما رواه أنس: لو لم تكونوا تذنبون خشيت عليكم ما هو أكبر من ذلك، قالوا: يا رسول الله، وأي شيء أكبر من ذلك؟ قال العجب.

مدح أبو مقاتل الضرير الحسن بن زيد بقصيدة أولها:

لا تقل بشرى ولكن بشريانغرة الداعي ويوم المهرجان

فكره الحسن ابتداءه ب لا تقل بشرى فقال: لو قلت:

غرة الداعي ويوم المهرجانلا تقل بشرى ولكن بشريان

لكان أحسن، لأن الأبتداء ب لا قبيح، فقال له أبو مقاتل: لا كلمة أشرف من التوحيد، وابتداؤه ب لا.

قيل لسقراط: متى أثرت فيك الحكمة؟ قال: مذ بدأت أحقر نفسي.

قال أبو بكر الدلال: رئي غزوان الضرير في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال:

حاسبونا فدققواثم منوا فأعتقوا

قيل لزيد بن علي: يا ابن رسول الله، أما ترى فقيراً يستغني، وغنياً يفتقر، وشيخاً يبقى، وطفلاً يخترم، وأحوالاً هذه سبيلها خارجة عن العادة، فكيف ذلك؟ قال: نؤخذ في كل حال حتى لا نأمن في حال.

سمعت علي بن الحسين العلوي يقول: الموت طريق تستوي فيه الأقدام، ويسلكه المقصر والمقدام.

قيل لأعرابي: ما يغنيك؟ قال: السلامة في الدنيا، والكرامة في الآخرة.

نظر رجل إلى سقراط في ثياب لا تواريه فقال: أهذا سقراط واضع النواميس؟ وأكثر التعجب منه، فقال له سقراط: ليس علة نواميس الحق الكساء الجديد، ولا علة ناموس الباطل الكساء الخلق.

قيل لصوفي: خذ حظك من الدنيا فإنك فان عنها، قال: الآن آخذ حظي منها.

شاعر:

تباً لذي أدب يرضى بمعجزةلم لا يكون كباز فوق قفاز
يطوي الدكادك والعقبان معترضاًحتى يموت عزيزاً فوق معجاز
أو يستريح من الدنيا وساكنهافقد بلينا بدهر خائن خاز
ما للأديب به حظ ولا خطروالحظ فيه لصفعان وطناز

وقال أبو الحسن العامري الفيلسوف، وشاهدته ببغداد سنة ستين، وقد حضر مجلس أبي حامد المروروذي وتكلم في مسألة فقهية وهي تحليل الخمر، فاستطرفت كلامه في الفقه بألفاظ الفلاسفة، ثم شاهدته بعد ذلك سنة أربع وستين وقد صحب ركاب ذي الكفايتين، وله حديث مع الفلاسفة

البغداديين، قال: القوة الشهوانية إذا أفرطت كانت شرهاً، وإذا نقصت كانت جموداً، وإذا توسطت كانت عفة؛ والقوة الغضبية إذا أفرطت كانت تهوراً، وإذا أستخذت كانت جبناً، وإذا اعتدلت كانت شجاعة؛ والقوة النطقية إذا أفرطت كانت جهرة، وإذا ضعفت كانت غباوة، وإذا توسطت كانت فطنة.

وسمعته يقول: الأسم والحد متطابقان أبداً، غير أن الأسم يدل دلالة مجملة، والحد يدل دلالة مفصلة.

وقال أيضاً: من عرف إنيته سلم من التعطيل، ومن عرف وحدانيته سلم من الشرك، ومن عرف نعوته سلم من التشبيه.

وسمعت صوفياً يقول: سيدي، علائقي منك تشوقي إليك، وعوائقي عنك تلهفي عليك.

وقال أعرابي لرجل: قربني إليك قطع مفازة وركوب أخرى، وملاطمة هواجر النهار ومراعاة نجوم الليل، ورميي بالنجب المناجي أثباج الليل الداجي.

الأثباج: جمع ثبج، والثبج وسط الشيء، والداجي: الساتر، ومنه دجا نور الإسلام أي حين سبغ وكثف، وكأنه عنى كثافة النظام.

قال عمر بن الخطاب ﵁: ما أدري كيف أعامل أهل الكوفة، إن أرسلت إليهم مؤمناً ضعفوه، وإن أرسلت إليهم قوياً فجروه، قال

المغيرة: يا أمير المؤمنين الضعيف إيمانه له وعليك ضعفه، والفاجر قوته لك وعليه فجوره، فولاه الكوفة.

أنشد لموسى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب وكان شاعراً:

إذا أنا لم أقبل من الدهر كل ماتكرهت منه طال عتبي على الدهر
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «إلى الله كل الأمر في الخلق كله»

وأنشد لمسلم بن حذافة:

من ذا يندد بين الناس معذرتيإن رد جار أبي وهو مقتول
ينازع الطير في البطحاء حسوتهفقال من جاز هذا غاله غول
فلست أسلم أوساً لامرىء أبداًحتى أرد وثغر النحر مبلول
أو أبلغ في أوس فيعذرنيفيه الرجال إذا ما ينشر القيل

لمسلمة بن عبد الملك بن مروان:

لا شيء أحسن في الدنيا وساكنهامن وامق قد خلا فرداً بموموق
كذاك ليس بها أشجى لذي نظرمن عاشق هاضع قدام معشوق
نفسي الفداء لظبي بات يسعدنيليلاً على قبض أرواح الأباريق

قال بعض السلف: ضربة الناصح خير من تحية الشانئ، ولا فضل للمرائي بالود على مظهر الشنآن، والتواضع زيادة في الشرف، والعجز مرده إلى الخمول. إن عجز مالك عن المشتكي، أو دواؤك عن المريض، فلا تعجزن عنه برحمتك وعيادتك، فإن أدنى منازل الخيرات نصائح القلوب. قرب الهرم من الموت كقرب الثمرة اليانعة من السقوط عند هبوب الريح.

قال سقراط: الحسن الحق هوالعدل لأنه على كل حسن، والحسن كل معتدل، وكذلك الجور هو القبح أنه علة كل قبيح كذلك، والقبيح خارج عن الاعتدال.

قال ابن الأعرابي، قال وهب: في الجاردة سبع خلق جبارة: رأسها راس فرس، وعنقها عنق ثور، وجناحها جناح نسر، ورجلاهان رجلا حمار، وذنبها ذنب حيةن وبطنهان بطن عقرب، وصدرها صدر سبع.

قيل للجرذ القراد: كيف أصبحت؟ قال: كيف يصبح من يرجو آخر هذا؟ وأشار إلى القرد.

كتب سهل بن هارون إلى ذي الرياستين: إن للأمنية فرحاً

يرجو من ولاة فرحها، ولأيامها دولاً فخذ حظك من دولتك فيها، ولدولها تصرفاً فتزود قبل أوان تسرفها، فإن تعاظمك ما أنبأتك عنه فانظر في جوانبها بأخذك الوعظة من جميع نواحيها، واعتبر بذلك الاعتبار على أنك مسلم مما سلم لك منها.

قال موسى بن قيس المازني، قلت لأبي فراس المجنون: أنت النهار كله ماش، أفنشكتي بدنك بالليل؟ فقال:

إذا الليل ألبسني ثوبهتقلب فيه فتى موجع
للشاعر أشجَع السَلمي، اقرأ القصيدة

فقلت: يا أحمق، أسألك عن حالك فتنشدني الشعر، قال: قد أجبتك يا ابن الزطية، فقلت: ألي تقول هذا وأنا سيد من صادات الأنصار؟! فقال:

وإن بقوم سودوك لفاقةإلى سيد لو يظفرون بسيد
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة

ثم ضرط في ديه ولطم عينيه وقالك هكذا يكون الجواب المقشر.

قال بعض الأوائل: اعتد الزهد واقتنه فإن فيه راحة للبدن من النصب، وإعتاق للنفس من العبودية، وقطعاً للحسرة، وإذهاباً للندامة، وتخفيفاً للسأم؛ أما التواضع فليكن من الشيم المحبوبة عندك، فإنه يقربك إلى ربك، ويذهب عنح حسد الناس، ويوجب محبتهم وعطفهم. ولتكن سيرتك فيمن دونك من الناس الرأفة بهم، والرحمة لهم، والسد لما قويت عليه من فائتهم، وحب السعة في معايشهم، والسلامة لهم في أبدانهم، فإنك إذا فعلت ذلك عمهم جودك وخيرك.

قال أبو هفان: فلان أثقل م الموت على المعصية.

قيل لابن سوار الكاتب: إن غلامك قد امتهنك هذا الأسود، قال: بلى أنا قد امتهنته، عمدت إلى أكرم علق فيه فاستعملته في أقذر مدخل في.

دخل زهر المخنث حماماً فرأى شيخاً قد أنعظ، قال: فديتك ما لهذا قائماً؟ قال: ذكر صديقاً له بالعراق، قالك أفتأذن في تقبيله فقد انقطع الوفاء إلا منه.

كتب الرشيد إلى الفضل بن يحيى: أطال الله يا أخي مدتك، وأدام نعمتك، والله ما منعني من إتيانك إلا التطير من عيادتك، فاعذر أخاك، فو الله ما قلاك ولا سلاك، ولا استبدل بك سواك.

وكتب أيوب بن غسان: الخير مرغوب فيه، والكريم مكثور عليه، ومن عود شيئاً طلبه، ومن فتح عليه باب قرعه، والأوائل بالأواخر، وكما قيل: الفواتح بالخواتم، والتعرض للمعروف أوجب من البر فيه، لأ، الحظ فيه أوفر، والنعمة أعظم، فاخترنا لك أعلى الدرجتين، وأحظى الحظين، ودعوناك إلى رب صنيعك، وتثمير نعمتك.

احفظ فصول الكتاب فإنها نافعة في الفهم مرة والبلاغة مرة.

لمنظور بن فروة:

إذا أنت أكثرت المجاهل كدرتعليك من الأخلاق ما كان صافيا
للشاعر منظور بن حبة الأسدي، اقرأ القصيدة
فلا تك حفاراً بظلفك إنماتصيب سهام الغي من كان راميا
للشاعر منظور بن حبة الأسدي، اقرأ القصيدة

كان سقراط يتشرق في الشمس على ظهر الحب الذي يأوي فيه، فوقف عليه الملك فقالك يا سقراط، ما الذي منعك من إتياننا؟ فقال له: الشغل أيها الملك بما يقيم الحياة، فقال الملك: لو أتيتنا كفيناك، فقال له سقراط: لو علمت أني أجد ذلك لزمتك ما لزمتني الحاجة إلى ذلك، فقال له الملك: فسل حاجتك، قال: حاجتي أن تزيل عني ظلك فقد منعتني المرفق بالشمس؛ فدعا له بكسى فاخرة من الديباج وغيره ويذهب، فقال له سقراط: وعدت بما يقيم الحياة، وبذلت نعيم الأموان، ليس لسقراط حاجة إلى حجارة الأرض وهشيم النبت ولعاب الدود؛ الذي يحتاج إليه سقراط معه حيث يتوجه. فقال مزاح كان مع الملك: لقد حرمت نفسك نعيم الدنيا أيها الرجل، قال سقراط: وما نعيم الدنيا يا هذا؟ قال المزاح: أكل اللحمان، وشرب الخمر، والمناكح والملابس، فقال سقراط: ليس بمستنكر أن يكون نعيم الدنيا هذا عند من رضي بمشابهة الدود من نفسه، وأن سجعل بظنه مقبرة للحيوان، ويؤثر عمارة الفانية على الباقية.

كاتب: أما بعد فإن خير الناس الواصل لمن قطعه، وشرهم القاطع لمنوصله، وقد وصلناك فقطعتنا، وقطعناك فلم تصلنا.

وقال الشاعر:

إذا ا، ت لم تشرب مراراً على القذىظمئت، وأي الناس تصفو مشاربه

قيل لرجل كان يسرف في الجماع: إنا نخاف عليك العمى، فقال: قد وهبت بصري لذكري.

شاعر:

وقد يقرض الشعر البكيء لسانهوتعيي القوافي المرء وهو خطيب

مطرود بن عرفطة، جاهلي:

إن سلولاً عراك الموت عادتهالولا سلول لمستنا أبابيلا
الضاربون إذا خفت نعامتناوالقائلون إذا لم نحسن القيلا
والضامنون لمولاهم غرامتهلا زال واديهم بالغيث مطلولا

سمع شاهك المهنث رجلاً يصف الكرفس فقال: لأيش يصلح؟

قال: لفتح لاسد، فقال: لا كان الله لك، أنا إلى سد الفتح أحوج.

أنشد ليحيى بن عروة بن الزبير:

أشرتم بلبس الخز لما لبستمومن قبل ما تدرون من فتح القرى
قعوداً بأبواب الفجاج وخيلناتسامي سمام الموت تكدس بالقنا
فلما أتاكم فيئنا برماحناتكلم مكفي لمن كانقد كفى

قيل لعبد الله بن يعقوب: ما تشتهي أ، تكون؟ قال: أشتهي أن أكون دابة تأكل الليل والنهار.

دعبل:

أما الهجاء فدق عرضك دونهوالمدح فيك كما علمت جليل

فاهذب فأنت طليق عرضك إنهعرض عززت به وأنت ذليل

كتب ابن المعتز إلى عبيد الله بن سليان: علم الوزير - أعزه الله - بذهائر الأجر يغنيني عن ترغيبه فيه، وسبقه إلى الصبر يكفيني تذكيره به، لكن لولي الوزير - أيده الله - مواضع إن أخلاها دخل في جملة المضيعين لحقه، اللاهين عما عناه.

أنشد:

وقلبي بك مسغولوعقلي بك قد زالا

لقد ألسني الدهر من الأحزان سروالا

ومذ فارقت من أهوىلقد لاقيت أهوالا
أرى ليلي قد طالويومي فيك قد حالا

قال عبد الله بن الزبير في وصف الدنيا: إن تقبل لا آخذها أهذ الأشر البطر، وإن تدبر لا أبك عليها بكاء الخرف المهتر.

قال رجللأحول: بلغني أنكم ترون الشيء شيئين، وكان بين يديه ديك، فقال: كيف لا أرى هذين الديكين أربعة؟! قال بعض السلف: صاحب المعروف لا يقع، فإن وقع وجد متكئاً.

أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇: لا تقتل السامري فإنه جواد.

قال الزيدي: النثيثة: ذكر الرجل بعد موته بما أتى من قبيح وحسن، وأنشد:

وما كنت مبتاع الحياة بسبةينثي بها عاراً علي بنو سعد

أنشد ثعلب:

وما وجد مغلول بصنعاء موثقبساقيه من ماء الحديد كبول
قليل الموالي مسلم بجريرةله بعد نوبات العشاء أليل
يقول له الحداد أنت معذبغداة غد أو مسلم فقتيل
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «فما وجد مغلوب بصنعاء موثق»
بأكثر مني لوعة يوم راعنيفراق حبيب ما إليه سبيل

وأنشد أيضاً:

حفرنا على أضغان بكر بن وائلببطن فليج والأسنة متح
وقد غضبوا حتى إذا ملأوا الثرىرأوا أن إقراراً على الضيم أروح

أنشد اليزيدي:

إن كنت تدري ما المخبآتفما لطاف الطي مدرجات
لهن منهن قلنسياتوهن للأثقال حاملات

يعني الأصابع.

يقالك إذا ألقي الزيتون أو خشب التين على النار وفي البيت آدر اشتدت القرقرة في خصيتيه.

قال أبو القاسم علي بن عيسى الوزير: حدثني أبو الفرج قدامة بن جعفر قال: كنت مروياً في أمر آيته أو أذره، فأنشدت في المنام إنشاداً:

فلا تكن النفس التي نيط أمرهابنفسين نفسي تائق وعزوف

كتب المختار بن أبي عبيد إلى الأحنف بن قيس ومن قبله: أما بعد، فإن الأحنف مورد قومه سقر، حيث لا يستطيع لهم الصدر، وإني لا أملك ما خط القدر؛ وقد بلغني أنكم تكذبونني، وقد كذبت الأنبياء من قبلي، ولست بخير من كثير.

الجوع والجود والنسناس والقسقاس والغرث والسغب واحد.

العرب تقول: نعوذ بالله من طئة الذليل.

وقال: يقولون بيني وبينهم شجنة، أي وصلة ورحم.

ابن الأعاربي: أتى النخط - هو بالخاء المعجمة - أي الناس؛ وزرم: إذا انقطع؛ ورزم: لم يبرح.

أنشد الشعبي:

وما زلت في ليلى لدن طر شاربيإل اليوم أبدي إحنة وأداجن
وأضمر في ليلى لقوم ضغينةوتضمر في ليلى علي الضغائن

سمعت السيرافي يقول: إياك أن تنشد: طر شاربي، لإن طر قطع، ومنه الطار والطرار، ومنه طرة الغلام وطرة الثوب، فأما طر - بالفتح - فمعناه نبت، يقال: طر وبر الناقة إذا بدا صغاره وناعمه.

وقال الشعبي: لا يكون الرجل سيداص حتى يستعمل بيتي الهذلي، قيل: وما هما؟ قالك قوله:

وإني للباس على المقت والقلىبني العم منها كاشح وحسود
للشاعر المزرد الغطفاني، اقرأ القصيدة
أذب وأرمي بالحصى من ورائهموأبدأ بالحسنى لهم وأعود
للشاعر المزرد الغطفاني، اقرأ القصيدة

قال ابن الأعرابي: يقال فلان قموص الحنجرة، أي كذوب.

وقال أبو عبيد في غريب الحديث: أول خلفك، أي آسكت.

سمعت نحوياً يقولك " وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقاً " طه لا يحوز جزم نسألك، وكذلك قوله تعالى " فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك " النساء:، فلو جزم بطل المعنى، وذلك أن الجزم يدل على أن من أمر اله بالصلاة لا يسأله رزقاً، والله تعالى يسأله رزقاً قبل ذلك وبعده، وكذلك في القتال.

قال خلف الأحمر: قلت لابن كبشة بنت القبثري: ما الهلباجة؟ قال: فتردد في نفسه من خبث الهلباجة ما لم يستطع أن يخرجه بحرف، فقال: الهلباجة الأحمق المائق القليل العقل الخبيث الذي لا خير فيه ولا عمل عنده، وبلى: يستعمل وعمله ضعيف، وضرره أشد من عمله، ولا يحاضرن القوم، وبلى: يحضر ولا يتلكم.

قال يعقوب: سمعت رجلاص من قيس وآخر من تميم يقولان: قعدت في الظل ألتمس الرائحة، يريد بها الراحة.

حط السعر وانحط إذا فترن ونزا إذا غلا.

قال ابن الأعرابي في النوادر: قال قوم من أهل الشام لعلي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - يثورون ما عنده في عثمان: إن عثمان نافق، قال: لا، ولكنه ولي فاستأثر، وجزعنا فأسأنا الجزع، وكل سيرجع إلى حكم عدل.

العرب تقولك أغضى فلان على أثارة غضب، أي بقية. يمتي يمدد، وكأن متى منه.

العرب تقول: هذا قرة لعي أي ثقيل، أهذ م الوقر، والوقر: الحمل، والوقر - بالفتح: ثقل في الأذن، والوقار: رزانة الجسم وسكون الأطراف ووقع الطائر.

أمر النبي ﷺ بقتل الجياف؛ كأنه يطلب الجيفة وهي الميت.

فرانق: هو البريد؛ رجل فرانس: يفرس كل شيء، النون زائدة.

شاعر:

ولست بقوال لمولاي إن حباهلكت ولا إن ضافك القوم أفرد
لست بقوال لذي الزاد أبقهفإنك إلا تبق زادك بنفد

لعبد الرحمن بن الحكم في أخيه مروان:

ألا من مبلغ مروان عنيرسولاً والرسول من البيان
فلو كنا على مهل سواءجريت وأنت مضطرب العنان
ولست بواجد طرداً لحركإلصاق به طرق الهوان

في الحديث أنه قيل للنبي ﷺ: أيضر الغبط؟ قال: نعم، كضر الشجر الخبط. الغبط شقيق الحسد، وقد فصل بينهما ما لا بيان من ظاهر اللفظ عليه، وذلك أنه قيل: الحسد هو أن تتمنى زوال نعمة صاحبك حسب، والغبط أن تحب مثل نعمته لنفسك من غير زوال مالصاحبك.

يقال: ما البغط، وما الخبط، وما العبط، وما الربط، وما السبط، وما اللبط، وما الزنط، وما الهبط.

أما الغبط فكأنه من غبط يغبط إذا فرح، ومنه الغبطة وهو مهاية الفرح، وفي الألفاظ المحفوظة أن السرور والحبور والغبطة والبجة الجذل والفرح والارتياح على معنى واحد.

وأما خبط الشجر فضربك إياه بالعصا لينتثر الورق، والخبط: المنتثر منه.

وأما العبط فأخذك الشيء طرياً، ومنه: اعتبط فلاهن إذا مانت على شبابه. والعبيط الدم اطري، ومنه الخبر: لو كانت الدنيا دماً عبيطاً لكان قوت المؤمن فيها حلالاً. ومنه اعتبط الناقة إذا نحرها من غير علة بها.

وأما الربط فالشد، والرباط مثله، والرباط: المكان الذي تربط فيه الخيل للغزو والسفر.

وأما السبط فيقال: شعر سبط إذا كان غير مفلفل، والكلام السبط:

المتلاحم الأجزاء، المتفق التأليف، الذي لا تنبو طباعك عنه، ولا تقشعر أذنك منه.

فأما اللبط فمن قولك: لبط به، إذا خبل به، كأنه صرع من الشيطان أو ضرب من الجنون.

وأما الزنط فتضعضع الحال، يقال: زنط أمر بني فلان.

وأما الهبط فالهبوط، وهو النزول، وهبط عليه الملك أي نزل.

شاعر:

والله لو أني اخاصم حيةإلى فقعس ما أنصفتني فقعس
إذا قلت مات الداء بيني وبينهاأتى حاطب منهم لآخر يقبس
للشاعر مضرس بن ربعي الأسدي، اقرأ القصيدة
فما لكم طلساً إلي كأنكمدئاب الغضا والذئب بالليل أطلس
للشاعر مغلس بن لقيط، اقرأ القصيدة
وقد جعلت بعد التمرس قامتيوحسن القري مما تقولون تمرس

القامة: البكرة، والقري: جمع الماء في الحوض؛ تمرس: ينشب الحبل بين الخطاف والبكرة؛ يقول: فسد ما كان بيني وبينكم.

شاعر:

ما بال من أسعى لأجبر عظمهحفاظاً وينوي من سفاهته كسري
أعود على ذي الذنب والجهل منهمبحلمي ولو عاقبت غرقهم بحري
أناة وحلماً وانتظاراً بهم غداًفما أنا بالواني ولا الضرع الغمر
أظن صروف الدهر والجهل منهمستحميلهم مني على مركب وعر
الم تعلموا أني تخاف عرامتيوأن قناتي لا تلين على الكسر
وإني وإياكم كمن نبه القطاولو لم تنبه باتت الطير لا تسري

سمعت السيرافي يقول: وتر قوس النداف هو الكسل، والقوس منفحة؛ وقال غيره: القوس مجراف والوتر مصب.

شاعر:

لعمر أبيك ماخلقي بوعروما أنا بالدني ولا المدني

قال زياد بن أبيه: إن تأخير جزاء المحسنين لؤم، وتعجيل

عقوبة المسيء دناءة، والتثبت في العقوبة ربما أدى إلى سلامة منها، وتأخير الإحسان ربما أدى إلى ندم لا يمكن صاحبه أن يتلافاه لما فرط منه.

قال عبيد الله بن زياد لحارثة بن بدر الغداني: مابك؟ قال: ركبت الأشقر فلجلج بي في مضيق، قال: لو ركب الأشهب لم يصبك هذا عنى حارثة شرب الخمر، وعنى عبيد الله اللبن.

يقال: الفيج: السذاب، والفيجن أيضاً.

رجل نومة: كثير النوم، فأما النومة فالخامل؛ في الخبر: خير الناس يومئذ النومة.

سمع ابن السكيت عند المتوكل جارية تغني:

أسليم إن مصابكم رجلاًأهدى السلام تحية ظلم

فلتحققه بالإعراب شغل عن تأمل عجز البيت وحكم على صدره، فقال: هذا خطأ، والصواب أن تقولي: رجل، وزعم أن خبر إن، فلم تلتفت الجارية

إليه وأقامت على قولها وما علمها أستاذها، ونصرها غيره من الندماء وحاكموها إلى أبي عثمان المازني، فأمر المتوكل بإشخاصه من البصرة على البريد، فأحضر وذكر له البيت، فأعلمهم أن الوصاب مع الجارية، وأن خبر إن في ظلم والتقدير: إن إصابتكم رجلاً أهدى السلام ظلم، والرجل منصوب بالمصدر وهو من صلته؛ فأجيز على ذلك ألفين، ووهبت له الجارية جملة اخرى. وبسبب هذا الخبر قال الكرماني في شخوص أبي عثمان المازني:

أقول لما جاءني حمله النحووالنحوي قد أشخصا
ألجأنا الدهر إلى جاهلبحذفنا من جهله بالحصى

العود يوناني، صنعه أصحاب الهندسة على هيئة طبائع الإنسان، فإن اعتدلت أو تاره على الأقدار الشريفة جانس الطباع فأطرب، والطرب رد النفس إلى الحال الطبيعية دفعة؛ هذا كله من كتاب أدب النديم لكشاجم.

وصف رجل رجلاً عند رئيس فقال: والله لقد نهض فما انفتل ولا انخزل، ولقد خطا فما ارمد ولا اعطوط، ولقد سلم فما جأر ولا نأم، ولقد جلس فما دنا ولا نأى.

قوله: ارمد: استع في الخطو، والجأر: الصوت في تضرع واستكانة، والنئيم: دون الرنين.

ودخل رجل على بعض العلماء، فأومأ إلى موضع يجلس فيه، فعدل عنه إلى جهة اخرى، وكانت العين تقع هناك على ما يجب ستره، فقال له: اجلس بحيث أجلستك فإني أعلم بعوار منزلي.

جميل:

لعمر ابنة الضمري بثنة إننيإذا الشيء ولى مدبراً لصبور
وإني عن الماء الذي يجمع القذىإذا كان طرقاً آجناً لصدور
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «لعمر ابنة العذري بثنة »

وقال كشاجم، قال رجل من الأدباء: إذا رافق السماع من الشارب ما ذكا عرفه، وعذب على اللهوات طعمه، وأخلص من شوائب العكر جرمه، وناب عن مرقص الآل شعاعه، وتحلى بزي العقبان لونه، وكان المنادمون عليه إخواناً ألباء، وخلاناً أدباء، مساميح الأخلاق، كرام الأعراق، قد أذكتهم المعرفة، وأدبتهم الحكمة وكان الغرض في الشرب غير الإفراط المؤدي بإكثاره إلى النوازل، لتعديل الطبائع، وإياثر المنافع، ونفي الخلاف، وغيجاب الائتلاف، وحسم السخائم، ونبذ النمائم، على وجه سماء، وصبو هواء، وصفو ماء، وخضرة كلأ، من كف بارع الظرف، ساحر الطرف، فائق الوصف، مصيب الخدمة، ذكي الفطنة، صادق الكمال، واصل الحبال، كأنه خوط بان، أو جدل عنان، كان نهاية الحبور، وغاية السرور.

وصف آخر السماع فقال: من فضيلته انه يبعث مع التنائي على الأشجان، ويحدو على التلهي في موضع الأحزان، ويؤنس الخلو الوحيد،

يسر العاشق الفريد، ويبرد غليل القلوب، ويثير من خواطر الفتيان خطرة ليست من الملاهي لغيره، يسري رقها في أجزاء الجسد فيهيج النفس، ويقوي الحس. وحق من أمتعك بسماعه، وأشركك في أخص لذاته، وسوى بينك وبينه في استماع نغمة من لعله يغار عليه من ظله، ويحسد قميصه على مماسة جلده، أن تجعل ثوابه على هذه التكرمة، وجزاءه على هذه المقة، والاتنامة غض طرفك عن الجهة التي تلي الستارة، والناحية التي تأتي منها النغمة، حتى لا يكون باطن الستارة بأخفى عنك من ظاهرها، وأن تعظم من حرمتها ما صغره غيرك.

هذا كلام كشاجم.

جميل:

وذكرت بثنة أن عرفت ديارهاإني لبثية واصل ذكار
زعمت بثينة أن حبي كاذبجهلاً وأني مازح غدار
لو تعلمين وقبل ما جربتنيفالعلم ينفع والعمى ضرار
لعلمت أني للمغيبة حافظللسر منك وأنني بصار
إلا أنلك فسوف يعذر طالبيا بثن فيك وقصره الإعذار
ولقد عملت على التكاليف التيتشقي القلوب ويغلب المقدار

كان البوشنجي في دعوة بخراسان مع أصحابه، فمد صوفي

من أصحابه يده إلى جام فيه الخبيص وهور الصومعة من السكر، فقال له البوشنجي: ارفق قليلاً حتى تبلغ من ناحيتك إليها، فقال الصوفي: أيها الشيخ، أملي أقصر من أن أحدث نفسي ببلوغ ذلك المكان، فبكى قوم من لفظه، وضحك قوم من ملحته.

تقول الفرس: مطرة في نيسان خير من ألف شان.

يقال: جزاك الله والرحمة خيراً، والرحم أيضاً؛ وغذا قلت: جزيت الرحم - بالنصب لا غير.

يقال: أقرد الرجل إذا سكت ذلاً، وأخرد إذا سكت حياء.

قال إسحاق بن حنين، قال سقراط: الجهل بالفضائل عدل الموت.

قيل لسقراط: إن الكلام الذي قلته لأهل مدينة كذا لم يقبل، فقال: ليس يكربني ألا يقبل، وإنما يكربني ألا يكون صواباً.

وقيل له: من الفاضل؟ قال: الفاضل في الطبقة العليا الذي يبتغي الفضائل من تلقاء نفسه، والفاضل في الطبقة الدنيا هو الذي يتحرك لها إذا

سمعها من غيره، ومن أخطأه الأمران فهو الساقط الدنيء.

قال فيلسوف لابنه: دع المزاح فإنه لقاح الضغائن.

ثيل لفيلسوف: لم كان الحياء في الصبي أحمد من الخوف؟ قال: لأن الحياء يدل على خوف، والخوف على جبن.

قال سيبويه: زعم الخليل أن الذين قالوا: الحسن والحارث والعباس إنما أرادوا أن يجعلوا هو الشيء بعينه، ولم سجعلوه مسمى، ولكنهم جعلوه كأنه وصف له غلب عليه، ومن قال: حارث وعباس فهو يجريه مجرى زيد.

قال أعرابي لابنه: اسكت يا ابن الأمة، فقال: والله إنها لأعذر منك لأنها لم ترض إلا حراً.

قال كشاجم: أما الرئيس ذو الملك والأمر النافذ فلو كان السكر أو ما قاربه حلالاً لا اختلاف فيه لكان عليه خاصاً حراماً، لأن البادرة منه إلى نفسه، وعثرته لا تستقال، وأمره لا يراجع، وأنه يقهر ولا يقهر ويحجر ولا يحجر عليه، وقلماسمعنا بحادثة فظيعة، وغدرة قبيحة، وسطوة عظيمة، استجازها ملك، وجناها على نفسه، أو على نديمة وحميمه وسائر من يخصه من لحمته وبطانته إلى على سكر، ثم يقع عليه بعد ذلك الندم والسدم، ويلحقه ما لا يتلافاه من العار والشنار.

وممن تهيأ ذلك عليه من ملوك الجاهلية جذيمة بن مالك الدوسي صاحب الحيرة الذي ذكره وندمانيه متمم بن نويرة في مرثيته أخاه، وذلك بقوله:

وكنا كندماني جذيمة حقبةمن الدهر حتى قيل لن سيتصدعا
للشاعر مُتَمِّم بن نويرة اليربوعي، اقرأ القصيدة
فلما تفرقنا كأنس ومالكاًلطول اجتماع لم نبت ليلة معا

وكان من خبره في السكر أنه كان ملكاً شديد الحمية، عظيم الأفنة والغيرة، فرغب عن النساء لهذه العلة، فلم يكن له زوجة يسكن إليها، ولا ولد تقر به عينه، فاتخذ جذيمة النديمين المضروب بهما المثل واصطفاهما وعاقرهما دهراً طويلاً، ولم يمللهما ولا آثر عليهما سواهما، حتى طرأ عليه رجل من لخم يقال له عدي، جميل الوجه، ظريف اللسان، حسن العبارة، كثير الما، فلما رأى هيئته وسمع منطقه أحب منادمته، فنادمه، وأشرف جذيمة على الشراب سروراً باللخمي، فلما تبين له ذلك خطب إليه أخته، وذكر أنه لم يقصده إلا لذلك، فزوجه إياها، وساق اللخمي المهر من وقته واستشهد ذينك النديمين على الترويج، ودخل عليهل فواقعها فعلقت منه عمراً الذي قيل له: شب عمرو على الطوق؛ وأصبح فخرج إلى شوارع الحيرة فلم تمر به ناقة ولا جمل إلا نحره، ودفع إلى أربابها أثمانها، وفرق على الصدار والوارد لحومها. وركب جذيمة يعقب ذلك، فلما رأى اللحام مقسمة والدماء مهراقة سأل عن السبب، فأخبربه، فصار إلى

أخته فوقف بالباب آخذاً بعضادتيه ثم قال:

حدثيني وأنت لا تكذبينيأبحر زنيت ام بهجين
أم بعيد فأنت أهل لعبدأم بدون فأنت أهل لدون

فقالت: بل زوجتني ونديماك شاهدان على ذلك، فسألهما فشهدا، فاضطغن ذلك عليهما. وتخوف عدي ان يحتال عليه فنجا ولحق بأهله. ثم أن جذيمة سكر أيضاً كسكرة ليلة التزويج فتل ندمانيه ودفنها بباب الكوفة، وبنى عليهما قبرين وسماهما الغربين؛ وكان له يوما بؤس ونعيم، فإذا خرج يوم البؤس فلقي بباب الكوفة غريباً قتله، وغرى قبريهما بدمه، فلذلك سميا الغريين، وما زالا على حالهما إلى ظهور الإسلام.

ومن ملوك بني أمية الوليد بن يزيد بن عبد الملك، فإنه لم يزل يهمل الأمر ويصبح سكران حتى انتشر أمره، واضطرب حبله، فقتل. وقد أجمعوا أن الرشيد لم يأمر في جعفر بن يحيى بما أمر إلا بعد أن أثمله الشراب.

قيل لفيلسوف: ما أسرع ما أجاب الناس إلى طاعة الإسكندر، قال: ذاك لما ظهر لهم بسرعة من حسن سيرته.

بايت المفضل الضبي المهدي، فلم يزل يحدثه وينشده حتى جرى

ذكر حماد الراوية، فقال المهدي: ما فعل عياله ومن أين يعيشون؟ قال: من ليلة مثل هذه كانت مع الوليد بن يزيد.

قيل لفيلسوف: أين مسكن الخير ولاجود؟ قالك أنفس الحكماء.

قال إسحاق بن حنين، قال سقراط: ما أصعب في الشهراني أن يكون فاضلاً.

وكان سقراط يقول: ما اخترت أن تحيا به فمت دونه.

دخل خالد بن صفوان على هشام بن عبد الملك في يوم شديد الحر وهو في بركة فيها مجالس من السرو كالكراسي، فجلس على بعضها مؤتزرا بمنديل ناوله إياه الغلام، فقال له هشام: يا خالد، رب خالد قد قعد مقعدك هذا، حديثه أحلى من جنى الشهد - قال خالد: يريد خالد بن عبد الله القسري - قلت: ما يمنع من إعادته إلى ما كان عليه؟ قال: هيهات، أدل فأمل، وأوجف فأعجف، ولم يدع لراجع مرجعاً، ولا لعودة موضعاً، ألا أخبرك يا ابن صفوان؟ قلت: إن شاء أمير المؤمنين، قال: ما بدأني بسؤال حاجة قط حتى أكون المبتدئ بها، قلت: فذاك أحرى أن تعيده إلى منزلته، فقال:

إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكدغليه بوجه آخر الدهر تقبل
للشاعر معن بن أوس المزني، اقرأ القصيدة

ثم قال: حاجتك؟ قلت: أزاد في عطائي عشرة دنانير، فأطرق ثم قال: فيم؟ وعلام؟ وبم؟ ألعبادة أحدثتها؟ أم لبلاء أبليته أمير المؤمنين حسن، أم لأي شيء يا ابن صفوان؟ إذن يكثر السؤال ولا يحتمل بيت المال، فقلت: وفقك الله يا أمير المؤمنين وسددك، فأنت كما قال أخو خزاعة:

إذا المال لم يوجب عليك عطاءهصنيعة قربى أو صديق توامقه
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «وقلنَ، وقدْ يكذبن، فيك تعيُّفٌ»
منعت وبعض المنع حزم وقوةفلم يفتلتك المال إلا حقائقه
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «وقلن وقد يكذبن فيك تعيف»

قال خالد: فلما صرت إلى البصرة قيل لي: ما حملك على تزيينك الإمساك لأمير المؤمنين؟ قلت: أحببت أن يمنع غيري فيكثر من يلومه.

لأبي دهبل:

سللن سيوفاً من عيون قواتلولم أر سيفاً تنتضيه المحاجر
وقفنا لتجديد العهود وبيننادموع وأنفاس وداء مخامر
أبت زفرات البين أن نكتم الهوىفتظهر ما تطوى عليه الضمائر
وما بحت لولا الدمع بالوجد كلهولكن يوم البين تبلى السرائر

وقال فيلسوف: العفو أصل حسن السياسة.

دخل ابن المعذل على عيسى بن جعفر بن المنصور وقد بنى قصره

على نهر ابن عمر بالبصرة على النيل، فاراد منه أن يصف بناءه فقال: أعز الله الأمير، بنيت أحسن بناء، بأوسع فضاء، وأخصب فناء، على أصفى ماء، وأغذى هواء، وبين صراري ورعاء، وحيتان وظباء؛ فقال: والله لكلامك أحسن من بنائي، ووصله وخلع عليه.

قال رجل لأعرابي بحضرة قوم يتخاصمون: أما ترى أجيج اليوم؟ قال: إن ضجيج القوم أشد من أجيج اليوم.

قيل لأعرابي: ما أعددت لحالي فقرك والغنى؟ قال: الذي أعددته لحفظ الغنى هو الذي أعددته لصرف الفقر.

كتب عبد الله بن عباس إلى عبد الملك بن مروان لما خرج محمد ابن الحنفية إلى الشام: إنه خرج إليك رجل منا، لا يبدأك بالشر ولا يمالئ على الظلم، يتحرى الحق ولا ينوي الباطل، فاحفظنا فيه. فأجابه عبد الملك: ما أسرني لصلة رحمك وحفظ توصيك، وكل ما سألت مفعول، وكل ما هويت متبع.

معنى قوله: يتحرى الشيء أي يطلب حراه أي مكانه وفناءه، يقال: نزلت بحراه وذراه وكنفه وعقوته؛ وأما ما مالأت فلاناً فإن السيرافي سأل أهل

المجلس يوماً عنه فقال بعضهم: ما ملأتهم نفسي ولاملأوني، فكأنه مفاعلة من المء، فقال: قاربت، ولكن معناه الصحيح: ما دخلت في ملإهم، وإنما قيل للمإ الملأ لأنهم يملأون العين جهارة والنفس جلالة.

لما مات قرد زبيدة ساءها ذلك، فكتب إليها ابو هارون المعلم: أيتها السيدة، إن موقع الخطب بذهاب الصغير المعجب كموقع السرور من نيل الكبير المفرح، ومن جهل قدر التعزية عن التافه الخفي عمي عن حال التهنئة بالجليل السني، فلا نقصك الله الزائد في سرورك، ولا حرمك قدر هذا الذاهب من صغيرك وكبيرك؛ قال: فأمرت له بمال؛ قال: فكان أبو هارون يقول: رحم الله كل قرد.

سمعت لغوياً يقول: الغضار: خشب مشهور، والنضار جمع نضر، وهو الذهب.

سمعت شيخاً من النحويين يقول: ليس في كلام العرب فعل يفعل من المضعف إلا في شده يشده، وعله يعله، وهره يهره، ونم الحديث ينمه.

يقال: حرى يحري أي نقص، وأحراه الله: نقصه.

شاعر:

فما ضاعني تعريضه واندراؤهعلي وإني بالعلا لجدير
ألم تر للنشوان يشتم أسرتيوإني به من واحد لخبير

أي ما حركني، والنشوان: الخفيف الجسم.

والنيطل: الداهية، والنيطل: الدلو، والناطل: مكيال الخمر، والضغيل: صوت مص الحجام؛ التياز: القصير العريض؛ والزردق: صف؛ ومعنى قول العرب: رابت الفرس أس سقيته اللبن، وفي الأمثال: إن من القرف التلف، أي في بعض ما تقارف يكون الحذر؛ الطاهي: الطابخ، يقال: طها يطهو طهوت وطهيت.

قال أحمد بن أبي خيثمة: أول من سمي في الإسلام أحمد، أبو الخليل، والخليل فرهودي، والفراهيد: صغار الغنم، وكان الخليل يحج سنة ويغزو سنة حتى جاءه الموت.

قال إراهيم بن سيار: ما أحسنن ما قال الخليل: بحسب امرئ من الشر أن يرى من نفسه فساداً لا يصلحه، ومن علم بفساد نفسه علم

بصلاحها، وأقبح التحول أن يتحول المرء من ذنب إلى ذنب من غير توبة منه وإقلاع عنه.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البصائر والذخائر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.