تجاوز إلى المحتوى

من «البصائر والذخائر» لأبي حيان التوحيدي (ت نحو ٤٠٠هـ)

الجزء الرابع (٤)

لبعض إياد:

وأي فتى صبر الأين والظماإذا اعتصروا للوح ماء فظاظلها
إذا ضرجوها ساعة بدمائهاوحل عن الكوماء عق شظاظها
فإنك ضحاك غلى كل صاحبوأنطق من قس غداة عكاظها
إذا استغب المولى مساغب معشرفعذره فيها آخذ بكظاظها

قال بزرجمهر: مثل العقل بلا أدب مثل الأرض الطيبة الخراب.

قال أبرويز لابنه شيرويه: لا توسعن على جندك فيستغنوا عنك، لا تضيق عليهم في العطاء فيضجوا منك، أعطهم عطاء قصداً، وامنعهم منعاً جميلاً، ووسع عليهم في الرخاء، ولا توسع عليهم في العطاء.

قال فيلسوف: الدنيا دار فجائع، من عجل فيها فجع بنفسه، ومن أجل فيها فجع بأحبته.

كان من دعاء يونس عليه السلامك فيالظلمات: أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، وأنت أرحم الراحمين، إلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين، مسني الضر وأنت أرحم الراحمين.

عرضت جارية على فتى للبيع، فكشفت الجارية عن حرها وقالت: انظر كم مساحة هذا؟ فخجل الفتى، فقالت: لو كنت ظريفاً لقلت: حتى أخرج قصب المساحة.

شاعر:

ما أنزل الموت حق منزلهمن عد يوماً لم يأت من أجله
عليك حفظ اللسان مجتهداًفإن بعض الهلاك في زلله
والصبر والصدق يبلغان بمنكانا قرينيه منتهى أمله

وقال آخر:

إذا ما بدأت امرءاً جاهلاًببر فقصر عن حمله
وم تره مائلاً للجميلولا عرف الفضل من أهله
فسمه الهوان فإن الهواندواء لذي الجهل من جهله

كتب ابن الزيات إلى إبراهيم بن العباس الصولي: قد فهمت كتابك، وإغراقك وإطنابك، وإضافة ما أضفت بتزوير الكتب بالأقلام، وفي كفاية الله غنى عنك يا إبراهيم وعوض، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

وكتب إبراهيم بن العباس الصولي إلى محمد بن عبد الملك الزيات يستطفه:

أخ كنت آوي منه عند ادكارهإلى ظل فينان من العز باذخ
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة
سعت نوب الأيام بيني وبينهفأقلعن منا عن ظلوم وصارخ
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة
وإني وإعدادي لدهري محمداًكملتمس إطفاء نار بنافخ
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة

وله إليه أيضاً:

وكنت أخي بإخار الزمانفلما نبا صرت حرباً عوانا
وكنت إليك أذم الزمانفأصبحت فيك أذم الزمانا
وكنت أعدك للنائاتفها أنا أطلب منك الأمانا

فلم يثن ذلك محمداً، فكتب إليه إبراهيم:

أبا جعفر خف نبوة بعد دولةوعرج قليلاً عن مدى غلوائكا
فإن يك هذا الدهر يوماً حويتهفإن رجائي في غد كرجائكا

فما مرت الأيام حتى كان من أمر محمد ما كان. وولي إبراهيم ديوان الرسائل، فأمر أن ينشيء فيه رسالة بقلة طاعته ففعل.

قال فيلسوف: مهما عري الإنسان منه فإنه لا يعرىن من ثلاث: من الحسد والطيرة والظن؛ فمخلصه من الحسد ما لم يسبع باللسان ويبطش باليد، ومخلصه من الطيرة ما لم يرجع، ومخلصه من الظن ما لم يحقق.

قال بعض السلف: دعوتان أرجو إحداهما كما أخشى الأخرى: دعوة مظلوم أعنته، ودعوة ضعيف ظلمته.

دخل أبو العميثل على عبد الله بن طاهر مهنئاً بقدوم قدمه من سفر، فصافحه عبد الله فقبل يده، فقال له عبد الله: خدش شاربك كفي، فقال أبو العميثل: شوك القنفذ لا يضر بجلد الأسد، فتبسم عبد الله وقال: كيف كنت بعدي؟ قال: إليك مشتاقاً، وعلى الزمان عاتباً، ومن الناس مستوحشاً؛ فأما الشوق إليك فلفضلك، وأما العتب على الزمان فلمنعه منك، وأما الاستحياش من الناس فإني لم أرهم بعد، فاحتبسه، فأحضر الشراب فسقاه بيده فقال:

نادمت حراً كأ، البدر عرتهمعظماً سيداً قد أحرز المهلا
فعلني برحيق الراح راحتهفملت سكراً وشكراً للذي فعلا
للشاعر أبو العميثل الأعرابي، اقرأ القصيدة

الإيغار في اللغة: أن النصارى تغلي الماء وتلقي الخنازير فيه لتنضج.

قال المثل: أحناؤها أبناؤها، جمع حان وبان.

سبقت درته غراره، قلة اللبن.

يقال: لا يجمع سيران في خرزة، كما يقال: لا يجمع سيفان في غمد.

ضغث على إبالة؛ إبالة حزمة الحطب، والضغث جرزة فوقها.

ويقال في المثل إذا أريد القصد: بين الممحة والعجفاء يقال: عند النطاح يغلب الكبش الأجم.

ويقال: دمث لجنبك قبل النوم مضطجعاً ويقال: عاط بغير نواط، أي متناول بغير شيء يتناول.

إنباض بغير توتير، يقال: ينبض القوس من غير أن يوتر.

يقال: كل ذات ذبل تحتال.

شاعر:

أعن الشمس عشاءرفعت تلك السجوف
أم عن البدر تسرىموهناً ذاك النصيف
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «أعن الشمس عشاء»
أم على ليتي غزالعلقت تلك الشنوف
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «أعن الشمس عشاء»
أم أراك الحين ما لميره القوم الوقوف
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «أعن الشمس عشاء»
إن حكم الأعين النجل على الخلق يحيف
يا ابنة القيل اليماني وللدهر صروف
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «أعن الشمس عشاء»
ربما أردى الجليد السهم والرامي ضعيف
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «أعن الشمس عشاء»

قال أعرابي في دعائه: اللهم إني أعوذ بك من حاجة إلا إليك، ومن خوف إلا منك، ومن طمع إلا فيما عندك.

التقى أخوان في الله فقال أحدهما لصاحبه: والله يا أخي إني لأحبك في الله تعالى، فقال: لو علمت مني ما أعلم من نفسي لأبغضتني في الله، فقال: والله يا أخي لو علمت منك ما تعلمه من نفسك لمنعني من بغضك ما أعلم من نفسي.

كتب ابن دريد إلى علي بن عيسى:

أبا حسن والمرء يخلق صورةتخبر عما ضمنته الغرائز
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «أبا حسن والمرء يخلق صورة»
إذا كنت لا ترجى لنفع معجلوأمرك بين الشرق والغرب جائز
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «أبا حسن والمرء يخلق صورة»
ولم تك يوم الحشر فيناً مشفعاًقرأي الذي يرجوك للنفع عاجز
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «أبا حسن والمرء يخلق صورة»
علي بن عيسى خير يوميك أن ترىوفضلك مأمول ووعدك ناجز
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «أبا حسن والمرء يخلق صورة»
وإني لأخشى بعد هذا بأن ترىوبين الذي تهوى وبينك حاجز
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «أبا حسن والمرء يخلق صورة»

كان علي بن عيسى بخيلاً جعد البنان، هكذا قال لنا أبو القاسم الواسطي الكاتب، وكان شيخ أصحاب الخراج، وزعم أن علي بن عيسى كان شديد النفاق كثير الحيل، وليت زماننا يسمح بمثله.

قال ابن أبي طاهر، حدثني حبيب - يعني أبا تمام الشاعر - قال: حدثني بعض المفسرين قال: كان خالد بن عبد الله يكثر الجلوس ثم يدعو بالبدر ويقول: هذه الأموال ودائع لا بد من تفريقها، فقال ذلك مرة وقد وفد عليه أسد بن عبد الله من خراسان، فقال: مهلاً أيها الأمير إن الودائع إنما تجمع لا تفرق، قال: ويحك، إنها ودائع للمكارم، وأيدينا وكلاؤها، فإذا أتانا المملق وأغنيناه والظمآن فأرويناه فقد أدينا فيها الأمانة.

قال ابن أبي طاهر: وحدثني حبيب قال: أخبرني شيخ من أصحابنا قال: كان طلحة الطلحات يقول: من كان جواداً فلعط ما له أخول أخول؛ إن المال إذا كثر زين وأحب صاحبه صحبته.

وقال ابن أبي طاهر، حدثني حبيب قال، حدثني كرامة عن الهيثم ابن صالح عن رجل عن حكم بن سعد قال: رأيت الجراح بن عبد الله وقد لبس درعين في بعض حروبه، فأكثرت إليه النظر فقال: يا هذا، ما أقي والله بدني وإنما أقي صبري، فأخبرت بذلك سعيد بن عمرو الحرشي، وكان من فرسان أهل الشام فقال: صدق الجراح، لأن لأمة الفارس حظيرة نفسه.

نظر رجل إلى جارية واقفة في دهليز فأعجبته، فوقف ينظر إليها، فقالت: يا سيدي أتشتهي النيك؟ قال: أي والله، قالت: فاقعد حتى يجيء مولاي الساعة فينيكك كما ناكني، فخجل الرجل وذهب خزيان لا يعقل.

قال الجماز: قلت لظريفة من الظرائف: أرى شفتيك متشققة، فقالت: التين إذا حلا تشقق.

العرب تقول: انظروا أنساءكم، يعني الشيء اليسير مثل العصا والقدح والشظاظ، ومنه قولع تعالى " نسياً منسياً " مريم:؛ هكذا قال ثقات العلماء.

العرب تقول: التقى الثريان، يعني ندى السماء وندى الأرض.

يقال: رجل ألوك إذا كان يلوك الكلام ولا يقتصه لسانه؛ هكذا السماع بالصاد غير معجمة.

قال ابن الأعرابي: أبعلني الأمر وأزغلني وأوهلني وأمضني وجهدني وهادني بمعنى واحد.

وقال: واحد أفناء الناس فنا مثل قفا، وواحد آناء الليل: إني وأنى والأنى - الرفق - والأناة واحد؛ ويقال امرأة أناة، وواحد الآلاء من النعم إلي وألى، وواحد الأمعاء: معى ومعى، وواحد الأحشاء: حشا وحشى.

سمعت الثقة يقول: الثم الإصلاح، يقال ثممته وأصلحته، وثمامة: نبت معروف، وإذا سميت به رجلاً لم ينصرف، أي لم ينون.

العرب تقول: فلانة رطبة المغابن، وهي الأرفاغ، وهي المرافق، وهي ما انثنى من الخلق.

قال الثقة: يقال للإنسان إذا حك رأسه فالتذه، أو غمز جسده فالتذه هو يتسار إلى ذلك، وإني لأتسار إلى ما تكره؛ هكذا قال حمزة المصنف، وكان شيخ أصفهان، وشاهدته سنة خمس وخمسين وثلاثمائة أبلغ الملازمين لباب الطبراني مع الرحالة من الآفاق.

قال بعض العلماء: العنجهية الكبر، ويقال: هي الفجاجة والجفاء والغلظ، ويقال: الفطرة.

شاعر:

الله يعلم أنني ما سرنيشيء كطارقة الضيوف النزل
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «الله يعلم أنني ما سرني»
ما زلت بالترحيب حتى خلتنيضيفاً له والضيف رب المنزل
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «الله يعلم أنني ما سرني»

قصد ابن السماك الواعظ رجلاً في حاجة لرجل فتعبس، فقال ابن السماك: اعلم أني أتيتك في حاجة، وأن الطالب والمطلوب إليه عزيزان إن قضيت وذليلان إن لم تقض، فاختر لنفسك عو البذل على ذل المنع، واختر لي عز النجح على ذل الرد، فقضاها له.

قصد ابن السماك الواعظ رجلاً في حاجة لرجل فتعبس، فقال ابن السماك: اعلم أني أتيتك في حاجة، وأن الطالب والمطلوب إليه عزيزان إن قضيت وذليلان إن لم تقض، فاختر لنفسك عز البذل على ذل المنع، واختر لي عز النجح على ذل الرد، فقضاها له.

وقصد آخر مرة أخرى في حاجة فتلوى وكاد ينكل عن الكلام، ثم سبق إلى معنى تخيره فقال للمسؤول: أخبرني حين غدوت إليك في حاجتي أحسن بك الظن، وأصوغ فيك الثناء، وأحبر لك الشكر، وأمشي إليك بقدم

الإجلال، فأكلمك بلسان التواضع، أصبت أم أخطأت؟ قال: فأفحم الرجل، فقال: بل أصبت، وقضى له حاجته، وسأله المعاودة.

لما أقطع المعتصم ضياع الحسن بن سهل أشناس وجه الحسن بقبالاته إلى أشناس، وكتب معها إليه: قد عرفت رأي أمير المؤمنين في إقطاعك الضياع، فرأيت أن لا يعترض على عقبك عقبي وأنفذت إليك بقبالاتها، معتمداً على قبولها بإسباغ النعمة علي، وادخار الشكر لدي، فرأيك - أيدك الله - في الأمتنان بقبولها مسؤولاً إن شاء الله. فلما قرأ أشناس ذلك أنفذه إلى المعتصم، فوقع فيه: ضيم فصبر، وسلب فعذر، فليقابل بالشكر على صبره، وبالإحسان لعذره، ولترد عليه ضياعه، وليرفع عنها خراجه، ولا أؤامر في ذلك.

شاعر:

إني لأكني عن أجبال بأجبلهاوباسم أودية عن إسم واديها
عمداً ليحسبها الواشون غانيةأخرى وتحسب أني لست أعنيها

كاتب: والله تعالى مسؤول بفضله من فضله، وبما هو أهله مما هو أهله.

كاتب: الشعب ملؤوم، والشعث مرموم، والصدع مشعوب، والثأى مرؤوب.

آخر: ومثلك رعى الحقوق، وصدق الظنون، وشفع الوسيلة، وعاذ بالفضيلة، وصان النعمة، وحفظ الحرمة.

قال أعرابي: بالساعد يبطش الكف.

كتب الحسن بن سهل: فأعطاك الله من الخير أغنى ما يفي بأنعمك علي، وبلغني في كل صغير وكبير رضاك، وأعانني على بادية حقك، حتى ينقلني من الدنيا على طاعتك.

كتب المهلب: أما بعد، فإنه لا يوهن الإسلام خروج من خرج منه، ولا يعيبه إلحاد من الحد فيه، ومدعوه كثير ومصيبوه قليل، وليس كل من يقاتل عنه من أهله، ولا هو لكل من يقاتل به. وقد كان هذا العدو أصاب في إخوانكم مصائب أطمعتم فيكم، فلما استوقد الحرب بنا وبهم، جاءنا القضاء بأمر جاوزت النعمة فيه الأمل، فأصبح ذلك العدو بعد ذلك دريئة رماحنا، وضرائب سيوفنا، ونحن نرجو أن يكون أجر هذه النعمة كافلها، فاحمدوا الله فإن حمده يتم النعم، وأشكروه فإن شكره يوجب المزيد.

وكتب يزيد بن المهلب: الحمد لله الذي كفى بالإسلام فقد ما سواه، وجعل الحمد متصلاً بنعمه، وقضى ألا ينقطع المزيد من فضله حتى ينقطع الشكر؛ ثم إنا وعدونا كنا على حالين مختلفين، نرى فيهم ما يسرنا أكثر مما يسوؤنا، ويرون فينا ما يسوءهم أكثر مما يسرهم، فلم يزل الله سبحانه يكثرنا ويمحقهم، وينصرنا ويخذلهم، حتى بلغ بنا وبهم الكتاب أجله، فقطع دابر القوم الذين ظلموا، والحمد الله رب العالمين.

قال الباقر لابنه جعفر ﵉: يا بني إن الله ﷿ خبأ ثلاثة أشياء في ثلاثة أشياء: خبأ رضاه في طاعته، فلا تحقرن من الطاعة شيئاً فلعل رضاه فيه؛ وخبأ سخطه في معصيته، فلا تحقرن من المعصية شيئاً فلعل سخطه فيه؛ وخبأ أولياءه في خلقه، فلا تحقرن أحداً فلعله ذاك الولي.

كاتب: إن كان غمر معروفك نابياً عني فإني راض من وابل نائلك بطله، ومن غمر إحسانك بأقله.

قال أعرابي لآخر: حاجتي إليك حاجة الضال إلى المرشد، والمضل إلى المنشد.

قال خطيب: الناس رجلان: رجل باع نفسه فأوبقها، أو ابتاعها فأعتقها.

قال بعض النحويين: الألف واللام يدخلان في الكلام على خمسة أوجه: لتعريف الجنس، نحو قولك: أهلك الناس الدرهم والدينار، ولم ترد درهماً بعينه ولا ديناراً وإنما أردت الجنس، ومنه قوله " إن الإنسان لفي خسر " العصر: يعني الجنس، والدليل عليه قوله ﷿ " إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات " العصر: لأن الأستثناء وقع في الجميع؛ ويدخلان للعهد نحو قولك: مررت بالرجل، وأخذت الكتاب، فتريد بهما ما سلف العهد به؛ ويدخلان للخصوص نحو قولك: وجدت الشمس طالعة والقمر قد غاب، والنجم قد ارتفع - بالألف واللام - قد دخلتا للخصوص لأنك تعرف واحداً من أمة، لأنك إذا قلت: قد طلع النجم علم أنه الثريا وألزم الألف واللام للتخصيص؛ ويدخلان للإشاعة والإفهام كقولك: الذي في الدار زيد، والتي قامت هند، ألا ترى أن هذا الاسم شائع في بابه غير مخصوص يدخل تحته كل ذكر وأنثى من الآدميين وغيرهم، وإنما يتبين معناه للأسم الذي يجيء بعده فيكون خبراً له وهو قولك: الذي في الدار زيد، لو قلت: الذي في الدار، لم يكن كلاماً، ولا دل هذا على شخص بعينه، فحين قلت زيد وقعت الفائدة في الجملة؛ ويدخلان في الأسماء المنقولة من باب الأوصاف إلى باب الأسماء الأعلام، وهو قولك: العباس والحكم والحارث والفضل، فالألف واللام في هذه الأسماء لم يدخلا لتعريفها وإنما دخلتا عليها حين كانت أوصافاً كقولك: مررت بالرجل الحكم، وبالرجل العباس، فلما قصدوا أن يسموا بها نقلوها مع الألف واللام إلى باب: زيد وعمرو، ومن العرب من يقول: حارث وعباس وحكم، فكأنه نقلها إلى باب الأعلام على تنكيرها حين قيل: مررت برجل حكم؛ فأما الأسماء التي لزمت حذف الألف واللام فإنها

كانت في الأصل مصادر وأجريت مجرى المصادر، فلما نقلوها إلى باب الأعلام لزموا فيها طريقة واحدة، كما لزموا في زيد وعمرو.

نظروا إلى مزبد المديني وبين يديه نبيذ أسود، فقالوا له: ما لون نبيذك هذا؟ قال: أو ما ترون ظلمة الحلال فيه؟ كاتب: ولما أسلمتني إلى انتصارك، وسطت علي عتابك، التجأت إلى نعمتك السالفة عندي لتهب جرمي لحرمتي بها، وإساءتي لحسن شكري عنها، فإنها معقلي الذي يمنعك من الإخلال بي بعد الإفصال علي.

قال أعرابي لرجل: اعدل لمعضلة تلم ولمضلعة تهم.

يقال: الدالاة الرفق واللين، ويقال: هذا الأمر لا يلتاط بصفري، أي لا يلصق بفؤادي.

قال أعرابي: العاقل متصفح والجاهل متسمح.

سئل أعرابي عن أخ له فقال: اعتورته الهموم، وأستلحمته الفكر، وتضيفته الأحزان، وتخللته البلابل.

قال أعرابي: حسن النزاهة مؤد إلى الرفاهة.

قال أعرابي: بالفحول تدرك الذحول.

قال عبد الصمد بن المعذل في نخل باعه:

فارقتني ذخيرة من عقارذكرتني تفرق الأحباب
للشاعر عبد الصمد بن المعذل، اقرأ القصيدة
وسواء بيع الرقاب من المال إذا بعتها وضرب الرقاب
للشاعر عبد الصمد بن المعذل، من قصيدة «فارَقَتني ذخيرة ٌ من عَقارٍ»

كاتب: حق هذا اليوم فوق أن يلتقى بالتعذير، ويوكل إلى التقصير، وحظك من الواجب فيه حظ الفائت غاية، وسبق الفائز قرعة وقدحاً، فأفضل ما يهديه إليك المتقرب إليك فيه ما يشبه موقعك من شرف الحسب ونباهة النسب، وهو محمود من الثناء ومسموع من الدعاء، ويحتمل التقصير في هديته على صدق نيته، فلا أخلاك الله من ثناء صادق، ومن دعاء صالح واق.

كاتب: عناية تفوق الوصف وإن تراخى، وتفوت النعت وإن تناهى. عند مد الغاية، ومدى النهاية، ونصب الراية، يحمد السابق، ويذم الساقط، ويتبين فضل المبر النامي على المقصر الواني، وشأو الفائت الفائز على المتخلف المبهور.

قال أعرابي: من كان ابن بلدك فهو كولدك.

ويقال: الصدق ينبي عنك لا الوعيد؛ من نبا ينبو نبواً؛ هكذا سمعت الموثوق به.

أعرابي:

لقد حسوت الموت قبل ذوقهإن الجبان حتفه من فوقه

آخر:

تخبط أحياناً وحيناً تزحلوالقصد في سير المطي أمثل

لا يبلغ المنزل من لا ينزل العرب تقول: ينبغي للمشتري أن يستري، أي يطلب السراء.

قال أعرابي: أنا أستنجدك إذا كنت مضافاً، وأسترفدك إذا كنت مضيفاً.

ونظروا إلى فيلسوف في الحرب، وكان أعرج، فضحكوا به فقال: إنما يحتاج في الحرب إلى الشجاعة وآلة الحرب، والذي فقدته فهو آلة الهرب. يقال إن هذا الحكيم قد قصر في هذا الجواب، لأن الكر والفر من

خلائق الشجعان، وإنما دل بكلامه على الثبات، وإلا فالمجاولة غير ذلك.

قال أعرابي وقد كان الحران تمادى به: الوافر فآل به الحران إلى المران قال أعرابي: كثرة العتاب إلحاف، وتركه استخفاف.

قال أبو حامد: من أحوجك إلى العتب فقد وطن نفسه على العجز.

قال سيبويه: كل اثنين من اثنين فجمعهما أجود تقول: ضربت رءوسهما، لأن رأس كل واحد منه، وتقول: أخذت ثوبيهما لأنهما ليسا منهما؛ قال الله تعالى " فقد صغت قلوبكما " التحريم: " فاقطعوا أيديهما " المائدة:.

وقال العتابي: أقارب بالكتاب ثمناً للمودة، وأبين بالأستراحة دليلاً على المساحة؛ وقد استقدمنا عهد كتبك، واستبطأنا وصول خبرك، ونحن نستبدلك من الإغفال تعهداً، ومن تقادم العهد إحداثاً.

عبد الحميد الكاتب: نظرت في الأمر الذي أعاتبك عليه، وألتمسه عندك، إذا هو خفيف المحمل، يسير المؤونة، سواد أنفاس في بيا قرطاس، تحية تهديها، وسلامة تخبر عنها، فما أولاك بالتعهد لمؤونة خفيفة تؤدي بها حقاً، وتصل بها وداً.

قال داود بن عمر الحائك للأعمش: ما تقول في الصلاة خلف

الحائك؟ قال: لا بأس بها على غير وضوء، قال: فما تقول في شهادة الحائك؟ قال: تقبل شهادته مع شاهدين عدلين، فالتفت الحائك وقال: هذا ولا شيء واحد.

وتنبأ حائك بالكوفة، فقيل له: ما رأينا نبياً حائكاً، فقال: وهل رأيتم نبياً صيرفياً؟! قيل لحائك: لو كنت خليفة أي شيء كنت تشتهي؟ قال: تمر وكسب، ثم التفت إلى ابنه وقال: لو كنت ابن خليفة أي شيء كنت تشتهي؟ قال: يا أبة، وتركت لي من اللذات شيئاً؟! قال عثمان الصيدلاني: شهدت إبراهيم الحربي وقد أتاه حائك في يوم عيد فقال: يا إبراهيم، ما تقول في رجل صلى صلاة العيد ولم يشتر ناطفاً، ما الذي يجب عليه؟ فتبسم إبراهيم ثم قال: يتصدق بدرحمين خبزاً، فلما مضى قال: ما علينا أن نفرح المساكين من مال هذا الأحمق.

دخل ابن المعتز يوماً حمام داره، فسمع حركة فوق باب الحمام، فقال لغلامه: ما هذا؟ قال: الحمامي ورفقاؤه، قال: تلطف حتى أراهم من غير أن يروني، ففعل، فرآهم عراة وبينهم غلام أمرد في حجره طنبور

وهو يغني:

أنا أهواك بنور الله فافعل ما بدا لك
إن تكن تمنعني شخصك فابذل لي خيالك
قد أخذت الدف والطنبور والكت فما لك
قل لمن جنبك القمعوث من دسك والك

فضحك ابن المعتز وانصرف.

جلس رجل بين يدي حجام، فلما وضع المحاجم فسا الرجل فسوة منكرة صبر لها الحجام، فلما مصها فسا أخرى أنكر منها، فلما أراد أن يشرط قال للرجل: يا حبيبي، أريد أن أشرط، فإن كان بك حاجة إلى دخول الخلاء فقم قبل أن تخرى.

خرج سوار القاضي يوماً من داره يريد المسجد حافياً، فلقيه سكران فعرفه، فقال: القاضي - أعزه الله - يمشي؟! امرأتي طالق إن حملتك إلا على عاتقي، فكره سوار ذلك فقال: ادن يا خبيث، فدنا، فحمله على عاتقه ثم رفع رأسه فقال: أهملج أو أعنق؟ فقال يا خبيث، مشياً بين مشيين وآحذر العثار والزلق، والصق بأصول الحيطان، فقال السكران: كأنك أردت المران في الفروسية يا أبا عبد الله؛ فلما أوصله إلى المسجد أمر سوار بحبسه فقال: أيها القاضي هذا جزائي منك؟ فتبسم وتركه.

رأوا أبا نواس بقطربل وفي يده شراب وعن يمينه عنقود وعن يساره زبيب، فقيل له: ما هذا؟ قال: ابن وأب وروح القدس.

قال أبو العيناء: تذاكرنا النبيذ فقال الجماز: نبيذ الزبيب نمكسود الخمر.

قال بعض الأدباء: إنما اشتق لها من الروح - يعني الراح - هذا الاسم لأنها تزيد في الحياة؛ وقال أيضاً: دما لأنها تزيد في الدم؛ وقال صريع الغواني:

خلطنا دماً من كومة بدمائنافأظهر في الألوان منا الدم الدم
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «أأعلن ما بي أم أسر فأكتم»

قيل لأعرابي: كم تشرب من النبيذ؟ قال: على قدر النبيذ.

قال فيلسوف: بنيت الدنيا على أربعة أركان تستصلح بأمور أربعة: بنيت على الرغبة والشهوة والعداء ومنع البيضة؛ فتستصلح الرغبة بالقصد، والشهوة بالعفة، والعداء بالمسالمة، ومنع البيضة بالنجدة.

أنشد لسلم الخاسر:

هاديه مثل الشطر من خلقهإذا بدا والبطن مقبوب
تخاله مستقبلاً مقعياًوهو إذا استدبرت مكبوب
يشرف أو ينحط كلا معاًفالخلق تصعيد وتصويب
كالريح إلا أنه صورةيسمو بها شد وتقريب

قال سهل بن هارون: ينبغي للنديم أن يكون كأنما خلق من قلب الملك: يتصرف بشهواته، ويتقلب بإرادته، إذا جد جد وإذا انطلق تطلق، لا يمل المعاشرة ولا يسأم المسامرة، إذا انتشى تحفظ وإذا صحا تيقظ، ويكون كاتماً لسره، ناشراً لبره، ويكون للملك دون العبد، لأن العبد يخدم نوائب، والنديم يحضر دائباً.

أنشد لابن المبارك:

إني امرؤ ليس في ديني لغامزهلين ولست على الأسلاف طعانا
للشاعر عبد الله بن المبارك، اقرأ القصيدة
وفي ذنوبي إذا فكرت مشتغلوفي معادي لئن لم ألق غفرانا
للشاعر عبد الله بن المبارك، اقرأ القصيدة
عن ذكر قوم مضوا كانوا لنا سلفاًوللنبي على الإسلام أعوانا
للشاعر عبد الله بن المبارك، اقرأ القصيدة
ولا أزال لهم مستغفراً أبداًكما أمرت به سراً وإعلانا
للشاعر عبد الله بن المبارك، اقرأ القصيدة

ولا أسب أبا بكر ولا عمراًولا أسب معاذ الله عثمانا

ولا أقول لأم المؤمنين كماقال الغواة لها زوراً وبهتانا
للشاعر عبد الله بن المبارك، اقرأ القصيدة
ولا أقول علي في السحاب لقدوالله قلت إذن جوراً وعدوانا
للشاعر عبد الله بن المبارك، اقرأ القصيدة
لو كان في المزن ألقته وما حملتمزن السحاب من الأحياء إنسانا
للشاعر عبد الله بن المبارك، اقرأ القصيدة
إني أحب علياً حب مقتصدولا أرى دونه في الفضل عثمانا
للشاعر عبد الله بن المبارك، اقرأ القصيدة

سمعت أبا تميم الكاتب الجرجاني يقول: كلف المأمون يحيى بن أكثم أن يخطب في بعض أيام العيد، فأسرع إلى طاعته وغدا إلى المصلى، وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه واندفع يقول؛ فبينا هو كذلك إذ اعتراه ضحك واشتد به وغلب عليه، فستر وجهه وجلس هنيهة، ثم نهض وعاد إلى قوله. فرفع ذلك إلى المأمون فاستفظع ذلك ودعا به وسأله عن السبب فقال: يا أمير المؤمنين، كنت واقفاً على المنبر، وعمود المنبر بيدي فذكرت قول الخبيث جحشويه:

أنعظت أيراً كعمود المنبرموتراً، كمثل طعم السكر

لو مسه القاضي بكفيه خري وأنشد:

وزعمت أنك لا تلوط فقل لناهذا المقرطق قائماً ما يصنع
شهدت ملاحته عليك بريبةوعلى المريب شواهد لا تدفع

كتب الحجاج بن يوسف إلى عبد الملك بن مروان كتاباً يقول فيه: أما بعد فإنه ينزغ بي شيطان في المنام يقول لي: أضعت دينك ودنياك بإصلاح دنيا عبد الملك، قتلت له الرجال، وأخذت له الأموال، وفعلت وفعلت؛ وأعلمته أنه من نزغه في على باطل، وأني من ديني على يقين، وأحببت أن لا يخفى على أمير المؤمنين شيء من سري، كما لا يخفى عليه شيء من علانيتي.

فلما ورد كتابه على عبد الملك كتب جوابه بيده: أما بعد فإن الله ﷿ وله الحمد قد وكل بي ملكاً يقول لي في النوم واليقظة: أضعت دينك ودنياك بإصلاح دنيا الحجاج فسلطته بسلطان الله ﷿ لك على الأموال فأخذها من غير حلها، وعلى النفوس فقتلها بغير حقها، فإذا قرأت هذه الأحرف فصر إلي والسلام.

فلما ورد كتاب عبد الملك على الحجاج قال لمحمد بن يونس كاتبه: إن عاقبة التكلف مذمومة، أبر لي قلمين لم يكتب بأغلظ من أحدهما ولا بأدق من الآخر، ففعل محمد، فأخذ ذلك القلم الغليظ وكتب به: بسم الله الرحمن الرحيم، لأمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، وكتب بالدقيق: من الحجاج بن يوسف، أما بعد فإن كان قتلي الرجال طاعة لله تعالى ولك سرفاً، وأخذي الأموال طاعة لله ولك تبذيراً، فمرني بأمر آتيه إليه إن شاء الله تعالى.

فلما ورد الكتاب على عبد الملك قال: من يلومني على الحجاج؟ اكتبوا إليه وأقروه على عمله.

قال المدائني: أتي علي بن أبي طالب رضوان الله عليه برجل ذي

مروءة قد وجب عليه الحد، فقال لخصمائه: ألكم شهود؟ قالوا نعم، قال: فأتوني بهم إذا أمسيتم ولا تأتوني بهم إلا معتمين، فلما أمسوا اجتمعوا فأتوه، فقال لهم علي ﵁: نشدت الله تعالى رجلاً لله تعالى عنده مثل هذا الحد إلا انصرف، فما بقي أحد، فدرأ الحد.

قيل لأعرابي: ما الذي يعجبك من الدنيا؟ قال: سيف كبرق ثاقب، ولسان كمخراق لاعب.

قال الزهري: سمعت رجلاً يقول لهشام بن عبد الملك: لا تعدن يا أمير المؤمنين عدة لا تثق من نفسك بإنجازها، ولا يغرنك المرتقى السهل إذا كان المنحدر وعراً، وأعلم أن للأعمال جزاء فاتق العواقب، وأن للأمور تعاقباً فكن على حذر.

قال ابن دأب: فحدثت بهذا الحديث الهادي وفي يده لقمة قد رفعها إلى فيه، فأمسك يده ولم يولجها فاه حتى سمع الحديث مرات.

قال سلام بن أبي مطيع: اللهم ارزقني رزقاً لا أشخص له، وإن حضرته لم أتعب فيه، وإن أتاني عن غير مسألة لم أرغب عنه؛ اللهم إن كنت بلغت أحداً من عبادك الصالحين درجة ببلاء فبلغنيها بالعافية.

أنشد لمحمد بن إبراهيم:

وأنت جناحي إن أطر أستعن بهوسهمي الذي أرمي به من يناضل
فليت المنايا إذ أتتك لقيتهافعاجلني يومي ويومك آجل

وقال آخر:

إن بني حجية بن كابيهخير معد حاضراً وباديه
رب غلام فيهم ذي فاشيهمحتضر القدر كثير الغاشية
يقدح في المجد بزند واريهمحله من مازن في الناصيه

في ذروة المجد الثبيت الآخيه ضرب حارس أمه فعوتب فقال: قد قلت لها عشرين مرة وهذه الثالثة إذا كنت سكران فلا تكلميني فإن السلطان نار ترتعد.

آخر:

سألبس للصبر ثوباً جميلاوأفتل للهجر حبلاً طويلا
لعلي بالرغم لا بالرضاأخلص نفسي قليلاً قليلا

قال الجماز: رأيت شاطراً وقف على جماعة وقال: من يكلم منكم حمدان الغلام؟ فقال أحدهم: أنا، قال: فلا حسن ولا جميل، قال: فاجهد جهدك، قال: خذلني الله لو كان غيرك، قال: أنا غيري، قال: والله لو كان غير هذا الموضع، قال: فنحن بفرغانة، فرد صاحبه السكين في قرابه وقال: ويحك أنت طالب سحر، فتهاب ألباب الشام كلهم سعائر مالك كداروش أي حديد؟.

وقع بين مزبد ورجل كلام فقال الرجل: تكلمني وأنا قد نكت أمك؟ فرجع إلى أمه فقال لها: أتعرفين نائكاً؟ قالت: أبو علية؟ قال: ناكك والله! أنا أسألك عن اسمه وتجيبيني بكنيته؟! قال أبو هفان: سمعت امرأة تقول لرجل: قد والله استحيت من الله تعالى مما أساحقك.

قالت امرأة لشيخ قد عهدته شاباً: أين شبابك؟ قال: من طال أمده، وكبر ولده، ورق أوده، ذهب جلده.

قال ابن المعتز: الخضاب من شهود الزور.

قال أعرابي لأخر: خضاب الله أبطأ نصولاً من خضابك، وأعلم أنك إن سترته عن العيون فلن تستره عن المنون.

قال ابن محفض المازني:

إما تسألي عني فإنيخزاعي أبي منهم وخالي
للشاعر حريث بن محَفّض المازني، اقرأ القصيدة
فما لك يا يزيد كأن شخصيطلاه إليك بالقطران طالي
أأن كنا لكم لجأ وكهفاًإذا خرجت مخبأة الحجال
للشاعر حريث بن محَفّض المازني، اقرأ القصيدة
وكنا المدركين بكل وترشآكم في دهوركم الخوالي
للشاعر حريث بن محَفّض المازني، اقرأ القصيدة
وكنا فخر فاخرهم إذا مانبا بالفخر طلاب المعالي
أبحتم حرمة الأعراض مناوأظهرتم لنا خنع المقال
للشاعر حريث بن محَفّض المازني، اقرأ القصيدة
وأضمرتم لنا الشنآن لمافرعناكم إلى السور العوالي
للشاعر حريث بن محَفّض المازني، اقرأ القصيدة
فأعفونا من الأموال فيناوسامونا إلى شرف الفعال
للشاعر حريث بن محَفّض المازني، اقرأ القصيدة
فما ذنب الجواد إلى أخيهإذا جريا وكل غير آل
للشاعر حريث بن محَفّض المازني، اقرأ القصيدة
فبرز سبقه، إلا كذنب اليمين من اليدين إلى الشمال

نقلت هذه الأبيات من ديوان بني مازن.

قال ابن أبي طاهر: كتب عمرو بن مسعدة إلى حمزة الشاري كتاباً فقلله، فوقع جعفر على ظهر الكتاب: إذا كان الإكثار أبلغ كان الإيجاز تقصيراً، وإذا كان الإيجاز كافياً كان الإكثار عياً.

قال أحمد بن أبي طاهر، قال نافع بن جبير لأبي الحارث بن عبد الله بن السائب: ألا تخرج بنا إلى الحرة حتى نتمخر الريح؟ قال: إنما تتمخر الحمير، قال: فنستنشىء، قال: إنما تستنشىء الكلاب، قال: فأي شيء أقول؟ قال: نتنسم، فقال له نافع: صه، أنا ابن عبد مناف، قال أبو

الحارث: ألصقتك والله عبد مناف بالدكادك، وذهبت عليك هاشم بالنبوة، وأمية بالخلافة، وبقيت بين فرقها والحنة، وأنت في السماء وشرفك في الماء. فقال ابن أبي عتيق: يا نافع، قد كنت فينا مرجوا قبل هذا، قال نافع: وما أصنع بمن صح نسبه وبذؤ لسانه؟ قال أبو عمرو بن العلاء: رأيت أعرابية فلم أر أمجن منها، ورأيتها تبول شيخاً، فلما رأتني قالت: ما تصنع نساؤكم بأحدكم إذا بلغ غاية هذا الشيخ؟ قلت: ترفقته وتلطفته، فقالت: وإن ضعفت قواه وكف بصره؟ قلت: وإن كان ذلك، فضربت بيدها إلى ذكره فقالت: وإن استرخى ذكره وخسفت أنثياه وقل فعله؟ قلت: ما لك ويحك ولهذا الشيخ؟ فقالت:

لا خير في الشيخ إذا ما أجلخاواطلخ ماء عينه ولخا
وأحدودب الظهر فكان فخاونام منه أيره وأسترخى

قال ابن الأعرابي: نظر أعرابي إلى امرأة فأعجبته فقال: وددت

أنك محل مقيلي، فقالت: وأن زوجتك محل مقيل زوجي، إذن والله تجده شديد الوتر، قليل الفقر، بعيد الفطر؛ فأفحمته.

قال أحمد بن أبي طاهر صاحب كتاب بغداد وكتاب المنظوم والمنثور، حدثني علي بن عبيدة الريحاني قال: التقى أخوان يتوادان فقال أحدهما: كيف ودك لي؟ قال: حبك توشج بفؤادي، وفكرك سمير سهادي، فقال الآخر: أما أنا فأوجز في وصفي: ما أحب أن يقع على سواك طرفي.

قال ابن أبي طاهر، وحدثني علي بن عبيدة قال: تزاورت أختان من أهل القصر فأرهقهما الظهر، فبادرت إحداهما هكذا، قال: فصلت صلاة خفيفة، فقال لها بعض النساء: كنت حرية أن تطولي الصلاة في هذا اليوم شكراً لله تعالى حين التقيتما، قالت: لا، ولكن أخفف صلاتي اليوم فأتمتع بها وأشكر لله تعالى في صلاتي غداً.

قال ابن أبي طاهر: سمعت علي بن عبيدة يقول لامرأة من أهل القصر: إن قلبي قد فرغ من الهوى وخلا، حتى كاد يخرب من الخوى، وأنا ألتمس له ساكناً فهل لك أن تكوني من سكانه؟ وقال ابن أبي طاهر أيضاً: كنت مع علي بن عبيدة يوماً ونحن عند قيان، وحان وقت الظهر فبادر الناس الصلاة، والجارية قاعدة، وهما في حديث فأطالا حتى كادت الصلاة أن تفوت، هكذا قال، قال فقلت: يا أبا الحسن، الصلاة، ونصبت على الإغراء، فقال علي: حتى تزول الشمس، أي حتى تقوم الجارية.

وقال ابن أبي طاهر: وكنت عند علي بن عبيدة يوماً، فورد عليه كتاب أم محمد ابنة المأمون، وكتب جواب الكتابثم أعطاني القرطاس فقال: اقطعه، فقلت: وما لك لا تقطعه أنت؟ قال: ما قطعت شيئاً قط.

علي بن عبيدة هذا هو صاحب كتاب المصون ويقال: كان بصرياً ويعرف باللطفي، ولست أعرف كنه مذهبه وحقيقة شأنه لكنه يقال: إنه أقلع في شيخوخته عن عادته في شبيبته، وسلك طريق الزهاد، وكلامه في المصون كلام يدل على عقل رزين وأدب ظاهر، وليس فيه من العلم إلا قليل، وأهل خراسان يعجبون بهذا الكتاب جداً، حتى بلغني أن بعض الدهرية من الرؤساء وأصحاب السيف قال مرة لقوم: مصونكم خير من قرآنكم. وهذا جهل بالله العظيم، وجرأة على حلمه الكريم " ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة " فاطر:.

وقال لي بعض مشايخ خراسان: إن هذا القول إنما قاله بعض الأعراب بباديتنا فشاع على وجه الأستبشاع، وزعم أن بخراسان بادية كبيرة وأعراباً مجتمعة، فسألته عن اللغة والهيئة فقال: قد دخلهم النقص من كل شيء ووجهه فصاروا بيضاً وشقراً بعد أن كانوا سوداً وسمراً، وصاروا ضخاماً عظاماً بعد أن كانوا نحافاً شختاً، فأما اللغة فباقية عليهم لم ينتقلوا عنها إلى الفارسية، لكنها فاسدة بينهم زائدة الفساد على لغة البادية، بادية طريق مكة؛ فهذا مما حدثني هذا الشيخ، وكان شديد التحصيل، من أولئك الناس بذلك الماء والشق.

لما هجا محمد بن حازم الباهلي محمد بن حميد الطاهري فأفرط، اتفقت على ابن حازم محنة انتقل بسببها إلى غير محلته مخفياً شخصه، فوجه إليه المهجو بعشرين ألف درهم ومنديل فيه عشرة أثواب وبرذون بسرجه ولجامه وغلام رومي، وكتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم. أكرمك الله وأبقاك، ذو الأدب تبعثه قدرته على نعت الشيء بخلاف هيئته، ويحمله الظرف على هجاء إخوانه في حال دعابته، وليس ما شاع من هجائك لنا يجري سوى هذا المجرى؛ وقد بلغني من خبرك ما لا غضاضة عليك فيه، مع كبر سنك وأدبك، إلا عند العامة من الجهال الذين لا يكرمون ذوي الأخطار إلا على الأموال دون الآداب، ونحن شركاء فيما ملكنا، وقد وجهت إليك ما استفتحت به انبساطك، وإن قل، ليكون سبباً إلى غيره وإن جل.

فرد ابن حازم ما وجه به إليه وكتب الجواب:

وفعلت فعل ابن المهلب إذفعمم الفرزدق بالندى الغمر
فبعثت بالأموال ترغبنيكلا ورب الشفع والوتر
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة
لا ألبس النعماء من رجلألبسته عاراً على الدهر
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة

هذا والله خبر طريف، وما أدري ممن أعجب، من ابن حميد في كرمه، أم من ابن حازم في بأوائه، ولله ﷿ في هذا الخلق ألوان لا يحصيها إلا هو، فسبحان من جمعهم على ما فرق فيهم، وسبحان من فرقهم على ما جمع فيهم، جل الإله وعز.

قال بزرجمهر: الإخوان كالسلاح: فمنهم من تحب أن يكون كالرمح تطعن به من بعيد، ومنهم كالسهم الذي ترمي به ولا يعود إليك، ومنهم كالسيف الذي لا يفارقك.

قالت الفرس: وجدنا في مهارقنا القديمة: إذا لم يساعد الجد فالحركة خذلان.

أيضاً: رب لازم لعرصته قد فاز ببغيته.

وأيضاً: من استعان بالنظر راح بالحيرة.

أيضاً: بمفتاح عزيمة الصبر تعالج مغاليق الأمور.

وقالوا أيضاً: من امتطى العز أربع بمحل الظفر.

أيضاً: رب صفو في إناء مشوب بكدر البلاء.

أيضاً: لا يغرنك المرتقى السهل إذا كان المنحدر وعراً.

أيضاً: تأمل مواقع قدمك تقلل فواحش زللك.

تواثب اثنان من المعربدين في مجلس وتواجأا بالسكين، فأصاب السكين طرف أنف أحدهما وكمرة أير الآخر، فسقط من أنف هذا ما أشرف، وكذلك من كمرة هذا، فطلب كل واحد منهما في الظلمة ما انقطع منه، فوقعت كمرة هذا في يد هذا فألزقه على أنفه بحرارة وشده، ووقع طرف أنف هذا في يد صاحبه فألزقه على أيره بحرارة وشده فالتحم الجرحان وبرأا، فصار هذا يتنفس من كمرة صاحبه، وصار هذا يبول وينيك بأنفه ما عاشا.

قال أحمد بن الطيب: كان جالينوس يقدم في الأخلاق ثلاث قوى: الرحمة والحياء والسخاء.

يقال في النوادر: إذا رأيت الرجل يخرج من صلاة الغداة وهو يقول " وما عند الله خير وأبقى " القصص: فأعلم أن في جواره وليمة لم يدع إليها.

وإذا رأيت قوماً يخرجون من عند قاض وهم يقولون: " وما شهدنا إلا بما علمنا " يوسف: فأعلم أن شهادتهم لم تقبل.

وإذا قيل للزوج صبيحة البناء على أهله: كيف ما قدمت عليه؟ فقال: الصلاح خير من كل شيء، فاعلم أن امرأته قبيحة.

وإذا رأيت إنساناً يمشي ويلتفت فاعلم أنه يريد أن يضرط.

وإذا رأيت الغلام في إصبعه خاتم فأعلم أن مولاه ينيكه.

وإذا رأيت فقيراً يعدو فأعلم أنه في حاجة غني.

وإذا رأيت رجلاً خرج من عند الوالي وهو يقول: " يد الله فوق أيديهم " الفتح: فأعلم أنه قد صفع.

وقفت ماجنة على ابن مضاء الرازي فقال له: أنت ابن مضاء؟ قال: نعم، قالت: لي مسألة، قال: وما هي؟ قالت: ما بال الشعرة لا تبيض، واللحية تبيض؟ قال: لأنها بقرب الفقحة، فرائحة السماد تمنعها من أن تبيض، قالت: فلم لا تأخذ منه كفاً في يدك فتجعله على عنفقتك حتى لا تحتاج إلى الخضاب؟ فانقطع ابن مضاء وخجل.

وجازت ماجنة بابن مضاء وهو يأكل فقالت له: في بطنك عرس حتى ترقص لحيتك؟ فقال لها: ففي بطنك مأتم حتى علقت على باب حرك مسحاً أسود، فخجلت.

أحضرت ماجنة حجاماً وتجردت له وأقعدته قدامها وبالت على يدها فبلت به كسها، وقالت للحجام: خذ منه شوابير، فقال لها: كرائي، قالت: خذ منه، فلما فرغ قالت: بارك الله في هذا المتاع الذي حوائجه كلها منه.

اصطحب اثنان من الحمقى في طريق فقال أحدهما لصاحبه: تعال حتى نتمنى فإن الطريق يقطع بالحديث والتمني، قال: نعم، أنا أتمنى قطائع غنم حتى أنتفع برسلها ولحمها وصوفها، ويخصب معها رحلي، ويستغني بها أهلي. قال الآخر: أما أنا فأتمنى قطاع ذئاب أرسلها على غنمك حتى تأتي عليها، قال: ويحك، هل هذا من حق الصحبة وحرمة العشيرة؟ وتلاحيا

واشتدت الملاحاة بينهما، ثم قالا: نرضى بأول من يطلع علينا ونعرض عليه أمرنا؛ قال: فبينما هما كذلك إذ طلع شيخ على حمار عليه زقان من عسل، فاستوقفاه وحدثاه فقال لهما: قد عرفت وفهمت ما قلتما، ثم نزل عن الحمار وفتح الزقين حتى سال العسل في التراب وقال: صب الله دمي مثل هذا العسل إن كنتما إلا أحمقين.

حضر بعض المجان مجلساً فيه شراب فلم يسقوه، فصبر ساعة يكيد بنفسه والقوم يستقون منه، ثم قال: يا سادة، هبوني طستاً أو مغسلاً وصبوا في قليل نبيذ! فضحكوا منه وسقوه.

مر مزبد بقبر عليه أثواب فاخرة فقال: موتاهم - يشهد الله - أحسن حالاً من أحيائنا.

قيل لمديني: أيسرك أن يكون أيرك كبيراً؟ قال: لا، قيل: ولم؟ قال: يثقلني ويلتذ غيري به.

اشترى مزبد جارية فسئل عنها فقال: فيها خلتان من خلال الجنة: برد وسعة.

قالت ماجنة لرجل: وجهك خلق، قال: يا ستي، ولكن أيري علق، فخجلت.

وقال ماجن لآخر: خبزك شعير وضراطك حوارى.

قال أحمد بن الطيب: الإسراف في الرحمة يميت النفس، ويضيع الحدود، ويهدم السنن، قال الله تعالى: " ولا تأخذكم بهما رأفة " النور:؛ وإسراف السخاء يورث الفقر، والغنى من العافية، والفقر ذل، والرحمة تلحق غني قوم افتقر، والمرحوم شقي، والإسراف في الحياء يورث الفتور والونى.

اجتمع أربعة من الشطار يقال لأحدهم صحناة وللآخر حرملة وللثالث غزوان وللرابع طفشة، ومعهم غلام أمرد يريد أن ينقطع إلى واحد منهم، وكل واحد يطلبه لنفسه، فتحاكموا إلى شيخ منهم فقال الشيخ: ليذكر كل واحد منكم ما فعله وما يقدر عليه حتى أخبر هذا الغلام فيصير إلى من أحب. فقام صحناة فقال: وال أمك، لو تراني ضيعوني في عينك يا ابن الغلابة، أنا هامان، أنا فرعون، أنا عاد، أنا الشيطان الأقلف، أنا الدب الأكلف، أنا البغل الحرون، أنا الحرب الزبون، أنا الجمل الهائج، أنا الكركدن المعالج، أنا الفيل المغتلم، أنا الدهر المصطلم، أنا البعير الشارد، أنا السبع الوارد، أنا سرادق التضريب، أنا بوق الحروب، أنا طبل الشعب،

محبوس شرقي غربي مضرب، قايم نايم، مبطوط الأليتين، معطل الدفتين، أبلع أسنة، أخرا جواشن، لو ضرب ربكم عنقي ما مت بعد سنة، وهذا حمدان فروخ في حجري بالأمس حتى جنى جناية رزق الصلب وحملان ديتيه صرف ألف، فما غلس حتى ينطق أحد.

وقام حرملة فقال: يا ابن الصفعانة، أنا حبست في أجمة أكلت ما فيها من السباع، وجعلت الحشيش نقلي، أنا طوق الله الهائج في بحر قلزم، لو كلمني رجل بغير مسألة لعقدت شعر أنفه إلى شعر أستهوأديره حتى يشم فساياته القنفذ، لو كلمني رجل لكمته لكمة فأبدد عظامه فلا تجمع في شهر، أو كلمني رجل لم أخزم أنفه وأخرزه في قرنه وأصفعه فأقلع رأسه مع رطلين من خراه؛ يا أبا الجرادة املأ عينك مني والله وأنت زريق الخف، طعامي الصبر، ريحاني الدم، نقلي أدمغة الأفاعي، أنا أسست الشطارة، أنا بوبت العبارة؛ يا ابن الزراعة الهراشة الفراشة، الفلاشة النعاشة، من يتكلم قولوا.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البصائر والذخائر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.