من «الكشكول» لبهاء الدين العاملي (ت ١٠٣١هـ)
وجوه في إياك نعبد (٦)
سانحة
لو لم يأت والدي قدس الله روحه من بلاد العرب إلى ديار العجم، ولم يختلط بالملوك لكنت من أتقى الناس وأعبدهم وأزهدهم، لكنه طاب ثراه أخرجني من تلك البلاد وأقام في هذه الديار فاختلط بأهل الدنيا واكتسبت أخلاقهم الردية واتصفت بصفاتهم الدنية.
ثم لم يحصل لي في الاختلاط بأهل الدنيا إلا القيل والقال والنزاع والجدال وآل الأمر إلى أن تصدى لمعارضتي كل جاهر وجسر على مباراتي كل خامل.
سانحة
إن ذرات الكيانات تنصحك ليلاً ونهاراً بأفصح لسان، وتعظك سراً وجهاراً بأبلغ بيان، لكن لا يفهم نصائحها الغبي البليد، ولا يعقل مواعظها إلا من ألقى السمع وهو شهيد.
سانحة
إلى كم تكون في طلب اللذات الفانية الدنيوية؟ وأنت معرض عما يثمر السعادات الباقية الأخروية فإن كنت من أرباب المعقول، فاقنع من الدنيا كل يوم بخبزين واكتف منها كل سنة بثوبين لئلا تسقط من البين وتجييء يوم القيامة بخفي حنين.
سانحة
إذا غارت جنود الضعف على مملكة القوى بالعزلة عن الخلق والإنزواء فاسأل الرب التوفيق ولا تبال إذا عدم الرفيق الشفيق.
سانحة
من أعرض عن مطالعة العلوم الدينية، وصرف أوقاته في إفادة الفنون الفلسفية، فعن قريب لسان حاله يقول عند شروع شمس عمره في الأفول.
سانحة العزلة عن الخلق هي الطيق الأقوم الأسد كما ورد في الحديث: فر من الخلق فرارك من الأسد فطوبى لمن لا يعرفونه بشيء من الفضايل والمزايا، لأنه سالم عن الآلام والرزايا، فالفرار الفرار عنهم، والبدار البدار؛ إلى الخلاص منهم، وبهذا يظهر أن الاشتهار بالفضايل من جملة الآفات، وأن خمول الاسم من المحافات، فاحبس نفسك في زاوية العزلة فإن عزلة المرء عزله، وقد قلت في ذلك، وإن كنت غير هالك في تلك المسالك.
الشيخ الجليل أبو الحسن الخرقاني اسمه علي بن جعفر كان من أعاظم أصحاب الحال توفي ليلة عاشوراء سنة ومن كلامه في ذم العلماء الذين صرفوا في تصنيف الكتب عمرهم قال: إن وارث النبي ﷺ من اقتدى به في الأفعال والأخلاق لا من لا يزال يسود بأقلامه وجوه الأوراق، وقيل له: ما الصدق؟ فقال: ما يكاد يقوله القلب قبل اللسان.
علي بن القاسم السجستاني
خليلي قوما واحملا لي رسالةوقولا لدنيا ما التي تتصنع
عرفناك يا خداعة الخلق فاغربيألسنا نرى ما تصنعين ونسمع
فلا تتجلى للعيون بزينةفإنا متى ما تسفري نتقنع
نغطي بثوب اليأس منك عيونناإذا لاح يوماً من مخازيك مطمع
رتعنا وجلنا في مراعيك كلهافلم يهننا مما رعيناه مرتع
سانحة: إن ذرات الكائنات ليلا ونهارا بأفصح لسان، وتعظك سرا وجهرا بأبلغ بيان، لكن لا يفهم نصائحها الغبي البليد، ولا يعقل مواعظها إلا من ألقى السمع وهو شهيد.
سانحة: إلى كم تكون في طلب اللذات الفانية الدنيوية، وأنت معرض عما يثمر السعادات الباقية الأخروية، فإن كنت من أصحاب العقول وأرباب المعقول، فاقنع من الدنيا كل يوم برغيفين، وأكتف منها كل سنة بثوبين، لئلا تسقط من البين، وتجئ يوم القيامة بخفي حنين.
لجامعه من سوانح سفر الحجاز.
يا نديمي ضاع عمري وانقضىقم لاستدراك وقت قد مضى
واغسل الأدناس عني بالمدامواملأ الأقداح منها يا غلام
واسقني كاساً فقد لاح الصباحوالثريا غربت والديك صاح
زوج الصهباء بالماء الزلالواجعلن عقلي لها مهراً حلال
هاتها من غير مهل يا نديمخمرة تحيي بها العظم الرميم
بنت كرم تجعلن الشيخ شابمن يذق منها عن الكونين غاب
خمرة من نار موسى نورهادنها قلبي وصدري طورها
قم فلا تمهل فما في العمر مهللا تصعب شربها والأمر سهل
قل لشيخ قلبه منها نفورلا تخف فالله تواب غفور
يا مغني إن عندي كل غمقم وألق الناي فيها بالنغم
غن لي دوراً فقد دار القدحوالصبا قد فاح والقمري صدح
واذكرن عندي أحادي الحبيبإن عيشي من سواها لا يطيب
واحذرن ذكرى أحاديث الفراقإن ذكر البعد مما لا يطاق
روحن روحي بأشعار العربكي يتم الحظ فينا والطرب
وافتتح منها بنظم مستطابقلته في بعض أيام الشباب
قد صرفنا العمر في قيل وقاليا نديمي قم فقد ضاق المجال
ثم أطربني بأشعار العجمواطردن هماً على قلبي هجم
وابتدىء منها ببيت المثنويللحكيم المولوي المعنوي
قم وخاطبني بكل الألسنةعل قلبي ينتبه من ذي السنة
إنه في غفلة عن حالهخابط في قيله مع قاله
كل آن فهو في قيد جديدقائلاً من جهله هل من مزيد
تايه في الغي قد ضل الطريققط من سكر الهوى لا يستفيق
عاكف دهراً على أصنامهتنفر الكفار من إسلامه
كم أنادي وهو لا يصغي التنادوافؤادي وافؤادي وافؤاد
يا بهائي اتخذ قلباً سواهفهو ما معبوده إلا هواه
مما أنشده عمرو بن معدي كرب في وصف الحرب.
الحرب أول ما يكون فتيةتسعى لزينتها لكل جهول
حتى إذا استعرت وشب ضرامهاعادت عجوزاً غير ذات حليل
شمطاء جزت رأسها وتنكرتمكروهة للشم والتقبيل
الشيخ محيي الدين ابن عربي قدس الله روحه.
بان العزاء وبان الصبر إذ بانوابانو وهم في سواد القلب سكان
سألتهم عن مقيل الركب قيل لنا ... مقيلهم حيث فاح الشيح والبان فقلت للريح سيري والحقي بهم ... فإنهم عند ظل الأيك قطان
وبلغيهم سلاماً من أخي شجنفي قلبه من فراق الألف أشجان
ابن عربي
مرضي من مريضة الأجفانعللاني بذكرها عللاني
هفت الورق في الرياض وناحتشجو هذا الحمام مما شجاني
يا طلولاً برامة دارساتكم حوت من كواعب وحسان
بأبي طفلة لعوب تهاديمن بنات الخدور بين الغواني
طلعت في العيان شمس فلماأفلت أشرقت بأفق جنان
يا خليلي عرجا بعنانيلأرى رسم دارها بعياني
وإذا ما بلغتما الدار حطاوبها صاحباي فلتبكيان
وقفا بي على الطلول قليلاًأتباكى أو أبك مما دهاني
واذكرا لي حديث هند ولبنىوسليما وزينب وعنان
ثم زيداً عن حاجر وزرودخبراً من مراتع الغزلان
طال شوقي لطفلة ذات نثرونظام ومنبر وبيان
من بنات الملوك من دار فرسمن أجل البلاد من إصفهان
هي بنت العراق بنت إماميوأنا ضدها سليل يماني
هل رأيتم يا سادتي أو سمعتمأن ضدين قد يجتمعان
لو ترانا برامة نتعاطىأكؤساً للهوى بغير بنان
والهوى بيننا يسوق حديثاًطيباً مطرباً بغير لسان
لرأيتم ما يذهل العقل فيهيمن والعراق يعتنقان
كذب الشاعر الذي قال قبليوبأحجار عقله قد رماني
أيها المنكح الثريا سهيلاًعمرك الله كيف يلتقيان
هي شامية إذا ما استهلتوسهيل إذ استهل يماني
البختري
متى تستزد فضلاً من العمر تغترفبسجليك من شهد الخطوب وصابها
تشد بنا الدنيا بأخفض سعيهاوسم الأفاعي بلة من لعابها
يسر بعمران الديار مضللوعمرانها مستأنف من خرابها
ولم أرتضي الدنيا أوان مجيئهافكيف أرتضيها في أوان ذهابها
لبعض القدماء في تذكر الأوطان
ألا قل لداربين أكثبة الحمىوذات الهوى جادت عليك الهواضب
أجدك لا آتيك إلا تفلتتدموع أضاعت ما حفظت سواكب
ديار تناسمت الهواء بحبوهاوطاوعني فيها الهوى والحبائب
ليالي لا الهجران محتكم بهاعلى وصل من أهوى ولا الظن كاذب
ما أحسن ظنه ولا قول كاذب
لكاتبه من سوانح سفر الحجاز وفيه رمز فحله إن كنت من أهله. هو الحق يقول الفقير محمد المشتهر ببهاء الدين العاملي عفى الله عنه: مما استدل به أصحابنا قدس الله أسرارهم وأعلى في الفردوس قرارهم على أن شكر المنعم واجب عقلاً وإن لم يرد به. نقل أصلاً أن من نظر بعين عقله إلى ما وهب له من القوى والحواس الباطنة والظاهرة، وتأمل بنور فطرته فيما ركب في بدنه من دقايق الحكم الباهرة وصرف بصر بصيرته نحو ما هو مغمور فيه من أنواع النعماء وأصناف الآلاء التي لا يحصر مقدارها ولا يقدر انحصارها، فإن عقله يحكم حكماً لازماً بأن من أنعم عليه بتلك النعم العظيمة والمنن الجسيمة، حقيق بأن يشكر وخليق بأن لا يكفر ويقضي قضاء جازماً بأن من أعرض من شكر تلك الألطاف العظام وتغافل عن حمد هاتيك الأيادي الجسام مع تواترها ليلاً ونهاراً وترادفها سراً وجهاراً فهو مستوجب للذم والعقاب، بل مستحق لأليم النكال وعظيم العتاب، ثم إن الأشاعرة بعد ما لفقوا دلائل سقيمة ظنوها حججاً قاطعة على إبطال الحسن والقبح العقليين ورتبوا قضايا عقيمة حسبوا أنها براهين ساطعة على حصرهما في الشرعيين أرادوا تبكيت أصحابنا بإظهار الغلبة عليهم على تقدير موافقتهم في القول المنسوب إليهم فقالوا: إننا لو تنزلنا إليكم وسلمنا أن الحسن والقبح عقليان وأنا وأنتم في الإذعان بذلك سيان، فإن عندنا ما يوجب تزييف قولكم لوجوب شكر المنعم بقضية العقل ولدينا ما يقتضي تسخيف اعتقادكم بثبوت ذلك من دون ورود النقل فإن ما جعلتموه دليلاً من خوف العقاب ومظنة العتاب مردود إليكم ومقلوب عليكم إذ الخوف المذكور قائم عند قيام العبد بوظائف الشكر ولطايف الحمد فإن كل من له أدنى مسكة يحكم حكماً لا ريب فيه ولا شك يعتريه بأن الملك الكريم الذي ملك الأكناف شرقاً وغرباً وسخر الأطراف بعداً وقرباً إذا أمد لأهل مملكته من الخاص والعام مائدة عظيمة لا مقطوعة ولا ممنوعة على توالي الأيام مشتملة على أنواع المطاعم الشهية مشحونة بأصناف المشارب السنية يجلس عليها الداني والقاصي ويتمتع بطيباتها المطيع والعاصي فحضرها في بعض الأيام مسكين لم يحضرها قبل ذلك قط، فدفع إليه الملك لقمة واحدة فتناولها ذلك المسكين ثم شرع المسكين في الثناء على ذلك الملك يمدحه بجليل الإنعام والإحسان ويحمده على جزيل الكرم والامتنان ولم يزل يصف تلك اللقمة ويذكرها ويعظم شأنها ويشكرها، فلا شك في أن ذلك الشكر والثناء يكون منتظماً عند ساير العقلاء في سلك
السخرية والاستهزاء فكيف؟ ! ونعم الله سبحانه علينا بالنسبة إلى عظيم سلطانه جل شأنه وبهر برهانه أحقر من تلك اللقمة بالنسبة إلى ذلك الملك بمراتب لا يحويها الإحصاء ولا يحوم حولها الاستقصاء فقد ظهر أن تقاعدنا عن شكر نعمائه تعالى مما يقتضيه العقل السليم والكف عن حمد آلائه عز وعلا مما يحكم بوجوبه الرأي القويم والطبع المستقيم هذا ولا يخفى على من سلك مسالك السداد ولم ينهج مناهج اللجاج والعناد أن لأصحابنا ﵃ وأرضاهم وجعل الجنة مأواهم أن يقولوا: إن ما أوردتموه من الدليل وتكلفتموه من التمثيل كلام مخيل عليل لا يروي الغليل ولا يصلح للتعويل فإن تلك اللقمة لما كانت حقيرة المقدار في جميع الأنظار عديمة الاعتبار في كل الأصقاع والأقطار، لا جرم صار الحمد والثناء على ذلك العطاء منخرطاً في سلك السخرية والاستهزاء، فالمثال المناسب لما نحن فيه أن يقال: إذا كان في زاوية الخمول وهاوية الذهول مسكين أخرس اللسان مؤف الأركان مشلول اليدين معدوم الرجلين مبتلى بالأسقام والأمراض محروم من جميع المطالب والأغراض فاقد للسمع والأبصار لا يفرق بين السر والجهار ولا يميز بين الليل والنهار، بل عادم الحواس الظاهرة بأسرها عار من المشاعر الباطنة عن آخرها فأخرجه الملك من متاعب تلك الزاوية ومصاعب هاتيك الهاوية ومن عليه بإطلاق لسانه وتقوية أركانه وإزالة خلله وإماطة شلله وتلطف بإعطائه السمع والبصر وتعطف بهديته إلى جلب النفع ودفع الضرر وتكرم بإعزازه وإكرامه وفضله على كثير من أتباعه وخدامه. ثم أنه بعد تخليص الملك له من تلك الآفات العظيمة والبليات العميمة وإنقاذه من الأمراض المتفاقمة والأسقام المتراكمة وإعطائه أنواع النعم الغامرة وأصناف التكريمات الفاخرة طوى عن شكره كشحاً وضرب عن حمده صفحاً، ولم يظهر منه ما يدل على الاعتناء بتلك النعماء التي ساقها ذلك الملك إليه والآلاء التي أفاضها عليه، بل كان حاله بعد وصولها كحاله قبل حصولها فلا ريب أنه مذموم بكل لسان مستوجب للإهانة والخذلان، فدليلكم حقيق بأن تستروه ولا تسطروه وتمثيلكم خليق بأن ترفضوه ولا تحفظوه، فإن الطبع السليم يأباهما والذهن القويم لا يرضاهما والسلام على من اتبع الهدى وصلى الله على محمد وآله الطاهرين. الملك إليه والآلاء التي أفاضها عليه، بل كان حاله بعد وصولها كحاله قبل حصولها فلا ريب أنه مذموم بكل لسان مستوجب للإهانة والخذلان، فدليلكم حقيق بأن تستروه ولا تسطروه وتمثيلكم خليق بأن ترفضوه ولا تحفظوه، فإن الطبع السليم يأباهما والذهن القويم لا يرضاهما والسلام على من اتبع الهدى وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
البختري
أخي متى خاصمت نفسك فاحتشدلها ومتى حدثت نفسك فاصدق
أرى علل الأشياء شتى ولا أرىالتجمع إلا علة للتفرق
أرى الدهر غولاً للنفوس وإنمابنى الله في بعض المواطن من بقي
فلا تتبع الماضي سؤالك لم مضىوعرج على الباقي وسائله لم بقي
ولم أر كالدنيا حليلة صاحبمحب متى تحسن بعينيه تطلق
تراها عياناً وهي صنعة واحدةفتحسبها صنعي لطيف وأخرق
قال الشريف المرتضى ﵁: قد قيل: إن السبب في خروج البختري عن بغداد هذه الأبيات، فإن بعض أعدائه شنع عليه بأنه ثنوي حيث قال: فتحسبها صنعي لطيف وأخرق؛ وكانت العامة غالبة على البلد فخاف على نفسه وقال لابنه أبي الغوث: قم يا بني حتى نطفي عنا هذه النائرة بخروج نلم بها شعثنا ونعود فخرج ولم يعد. انتهى.
من كلام أوميرس: إتهم أخلاقك السيئة فإنها إذا وصلت إلى حاجاتها من الدنيا كانت كالحطب للنار والماء للسمك وإذا عزلتها عن مآربها وحلت بينها وبين ما تهوى انطفأت كانطفاء النار عند فقدان الحطب وهلكت كهلاك السمك عند فقد الماء، وكما أن الحاسة الجليدية إذا كانت مؤفة برمد ونحوه، فهي محروقة من الأشعة الفائضة عن الشمس كذلك البصيرة إذا كانت مؤفة بالهوى واتباع الشهوات والاختلاط بأبناء الدنيا، فهي محرومة من إدراك الأنوار القدسية محجوبة عن ذوق اللذات الأنسية.
من كتاب رياض الأرواح وهو مما نظمه الفقير بهاء الدين محمد العاملي عفى الله عنه
ألا يا خايضاً بحر الأمانيهداك الله ما هذا التواني؟ !
أضعت العمر عصياناً وجهلاًفمهلاً أيها المغرور مهلا
مضى عمر الشباب وأنت غافلوفي ثوب العمى والغي رافل
إلى كم كالبهائم أنت هايموفي وقت الغنايم أنت نائم
وطرفك لا يرى إلا طموحاًونفسك لم تزل أبداً جموحاً
وقلبك لا يفيق من المعاصيفويلك يوم يؤخذ بالنواصي
بلال الشيب نادى في المفارقبحي على الذهاب وأنت غارق
ببحر الإثم لا تصغي لواعظولو أطرى وأطنب في المواعظ
وقلبك هائم في كل وادوجهلك كل يوم في ازدياد
على تحصيل دنياك الدنيةمجداً في الصباح وفي العشية
وجهد المرء في الدنيا شديدوليس ينال منها ما يريد
وكيف ينال في الأخرى مرامهولم يجهد لمطلبها قلامه
إشارة إلى حال من صرف العمر في جمع الكتب وادخارها.
على كتب العلوم صرفت مالكوفي تصحيحها أتعبت بالك
وأنفقت البياض مع السوادعلى ما ليس ينفع في المعاد
تظل من المساء إلى الصباحتطالعها وقلبك غير صاح
وتصبح مولعاً من غير طائللتحرير المقاصد والدلائل
وتوضيح الخفا في كل بابوتوجيه السؤال مع الجواب
لعمري قد أضلتك الهدايةضلالاً ما له أبداً نهاية
وبالمحصول حاصلك الندامةوحرمان إلى يوم القيمة
وتذكرة المواقف والمراصد ... تسد عليك أبواب المقاصد فلا تنجي النجاة من الضلالة ... ولا يشفي الشفاء من الجهالة
وبالإرشاد لم يحصل رشادوبالتبيان ما بان السداد
وبالإيضاح أشكلت المداركوبالمصباح أظلمت المسالك
وبالتلويح ما لاح الدليلوبالتوضيح ما اتضح السبيل
صرفت خلاصة العمر العزيزعلى تنقيح أبحاث الوجيز
بهذا النحو صرف العمر جهلفقم واجهد فما في الوقت مهل
ودع عنك الشروح مع الحواشيفهن على البصاير كالغواشي
إشارة إلى نبذة من حال من تصدى للتدريس في زماننا هذا.
مرادك أن ترى في كل يوموبين يديك قوم أي قوم
كلاب عاديات بل ذئابولكن فوق أظهرهم ثياب
إذا ما قلت أصغوا للمقالوإن حدثت بالأمر المحال
فليس لهم جميعاً من بضاعةسوى سمعاً لمولانا وطاعة
وإن شمرت عن ساق الإفادةجلست لهم على عالي الرفادة
وأسست السؤال لمن تكلمودلست الجواب لكي يسلم
وقررت المسائل والمطالبولست بذا لوجه الله طالب
وسقت لهم كلاماً في كلاموقلبك من ظلام في ظلام
وإن ناظرت ذا نظر دقيقوفي فكر مطالبه عميق
عدلت به عن النهج القويموزغت عن الصراط المستقيم
تكابره على الحق الصريحوإن ما جاء في نقل الصحيح
طفقت تروغ عن نهج السبيلوتقدح في الكلام بلا دليل
وأولت المراد من العبارةبتأويل كثلج في حياره
وعبت أئمة قالوا بذاكاوفي تجهيلهم فغرت فاكا
وأزعجت العظام الدارساتوبعثرت القبور الطامسات
لئن لم ترتدع عن ذي الظلامةفبئس الحال حالك في القيمة
قيل للربيع بن خيثم: ما نراك تغتاب أحداً؟ فقال: لست عن نفسي راضياً فأتفرغ لذم الناس ثم أنشد:
لنفسي أبكي لست أبكي لغيرهالنفسي عن نفسي عن الناس شاغل
وله من سوانح سفر الحجاز:
كان في الأكراد شخص ذو سدادأمه ذات اشتهار بالفساد
لم تخيب من نوال راغباًلم تكفن عن وصال طالباً
بابها مفتوحة للداخلينرجلها مرفوعة للفاعلين
فهي مفعول بها في كل حالفعلها تمييز أفعال الرجال
كان ظرفاً مستقراً وكرهاجاء زيد قام عمرو ذكرها
جاءها بعض الليال ذو أملفاعتراها الابن في ذاك العمل
شق بالسكين فوراً صدرهافي محاق الموت أخفى بدرها
مكن الغيلان في أحشائهاخلص الجيران من فحشائها
قال بعض القوم من أهل الملاملم قتلت الأم يا هذا الغلام
كان قتل المرء أولى يا فتىإن قتل الأم شيء ما أتى
قال يا قوم اتركوا هذا العتابإن قتل الأم أدنى للصواب
كنت لو أبقيتها فيما تريدكل يوم قاتلاً شخصاً جديد
إنها لو لم تذق حد الحسامكان شغلي دائماً قتل الأنام
أيها المأسور في قيد الذنوبأيها المحروم من سر الغيوب
أنت في أسر الكلاب العاوية العاديةمن غوى النفس الكفور الجانية
كل صبح مع مساء لا تزالمع دواعي النفس في قيل وقال
كل داع حية ذات التقامقل مع الحيات كم هذا المقام؟
إن تكن مع لسع ذي تبغي الخلاصأو ترم من عض هاتيك المناص
أيها الساقي أدر كأس المدام ... اجعلن في دورها عيش المدام خلص الأرواح من قيد الهموم ... أطلق الأشباح من أسر الغموم
فالبهائي الحزين الممتحنمن دواعي النفس في أسر المجن
قال ابن العباس: أقرب ما يكون العبد إلى الله إذا سأله، وأبعد ما يكون عن الناس إذا سألهم.
ومن كلام بعض الأعلام: من ازداد ف العلم رشداً ولم يزدد لم تنفرخ في الدنيا زهداً فقد ازداد من الله بعداً.
قال الجنيد: دخلت على بعض أكابر الطريقة، فوجدته يكتب فقلت له إلى متى هذه الكتابة؟ فمتى العمل؟ ! فقال: يا أبا القاسم، أو ليس هذا عمل؟ فسكت ولم أدر بماذا أجيبه، قيل لعبد الله بن المبارك: إلى متى تكتب كل ما تسمع؟ فقال: لعل الكلمة التي تنفعني لم أكتبها بعد.
من كلام بعض الأكابر إذا لم يكن العالم زاهدا في الدنيا فهو عقوبة لأهل زمانه.
من كلامهم: من لم يكن مستعدا لموته، فموته موت الفجأة، وإن كان صاحب فراش سنةأه
لعضد الدولة
وقالوا أفق من لذة اللهو والصبىفقد لاح شيب في القذال العذار عجيب
فقلت أخلائي ذروني ولذتيفإن الكرى عند الصباح تطيب
ينسب إلى المجنون
إذا رمت من ليلى عن البعد نظرةلاطفي جوى بين الحشا والأضالع
تقول رجال الحي تطمع أن ترىبعينيك ليلى مت بداء المطامع
فكيف ترى ليلى بعين ترى بها؟سواها وما طهرتها بالمدامع
وتلتذ منها بالحديث وقد جرىحديث سواها في خروق المسامع
من كلام بعض الأكابر إذا لم يكن العالم زاهداً في الدنيا فهو عقوبة لأهل زمانه، ومن كلامهم: من لم يكن مستعداً لموته فموته فجائة وإن كان صاحب فراش سنة ومن كلامهم: من طلب في هذا الزمان عالماً عاملاً بعلمه بقي بلا عالم ومن طلب طعاماً من غير شبهة بقي بلا طعام، ومن طلب صديقاً بغير عيب بقي بلا صديق، قال رجل لحكيم: ما بال الرجل الثقيل أثقل على الطبع من الحمل الثقيل؟ فقال: لأن الحمل الثقيل يشارك الروح الجسد في حمله، والرجل الثقيل تنفرد الروح بحمله.
الآيات الثلث التي أوصى والدي قدس سره بتأملها والتدبر في مضمونها، والتفكر في مدلولها: الأولى إن أكرمكم عند الله أتقاكم الثانية تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين الثالثة: أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجائكم النذير.
في كلام القدماء: شر العلماء من لازم الملوك؛ وخير الملوك من لازم العلماء. من الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين ﵁.
ءأنعم عيشاً بعد ما حل عارضيطلايع شيب ليس يغني خضابها
أيا بومة قد عششت فوق هامتيعلى الرغم مني حين طار غرابها
رأيت خراب العمر مني فزرتنيومأواك من كل الديار خرابها
إذا اصفر لون المرء وابيض رأسهتنغص من أيامه مستطابها
فدع عنك فضلات الأمور فإنهاحرام على نفس التقي ارتكابها
وما هي إلا جيفة مستحيلةعليها كلاب همهن اجتذابها
فإن تجتنبها كنت سلماً لأهلهاوإن تجتذبها نازعتك كلابها
فطوبى لنفس أوطنت قعر دارهامغلقة الأبواب مرخى حجابها
رأى حكمة قدسية لا يشوبهاشوائب أنظار وأدناس أفكار
بإشراقها كل العوالم أشرقتلما لاح في الكونين من نورها الساري
إمام الورى طود النهى منبع الهدىوصاحب سر الله في هذه الدار
به العالم السفلي يسمو ويعتليعلى العالم العلوي من دون إنكار
ومنه العقول العشر تبغي كما لهاوليس عليها في التعلم من عار
همام لو السبع الطباق تطابقتعلى نقض ما يقضيه من حكمه الجاري
لنكس من أبراجها كل شامخوسكن من أفلاكها كل دوار
ولا انتثرت منها الثوابت خيفة ... وعاف السرى في سورها كل سيار أيا حجة الله الذي ليس جارياً ... بغير الذي يرضاه سابق أقدار
ويا من مقاليد الزمان بكفهوناهيك من مجدبه خصه الباري
أغث حوزة الايمان واعمر ربوعهفلم يبق فيها غير دارس آثار
وأنقذ كتاب الله من يد عصبةعصوا وتمادوا في عتو وإضرار
يحيدون عن آياته لروايةرواها أبو شعيون عن كعب أحبار
وفي الدين قد قاسوا وعاثوا وحبطوابآرائهم تحبيط عشواء معشار
وأنعش قلوباً في انتظارك قرحتوأضجرها الأعداء أية إضجار
وخلص عباد الله من كل غاشموطهر بلاد الله من كل كفار
وعجل فداك العالمون بأسرهموبادر على اسم الله من غير إنظار
تجد من جنود الله خير كتائبوأكرم أعوان وأشرف أنصار
بهم من بني همدان أخلص فتيةيخوضون أغمار الوغى غير فكار
بكل شديد البأس عبل شمردلإلى الحتف مقدام على الهول مصبار
تحاذره الأبطال في كل موقفوترهبه الفرسان في كل مضمار
أيا صفوة الرحمن دونك مدحةكدر عقود في ترايب أبكار
يهني ابن هاني إن أتى بنظيرهاويعنو لها الطائي من بعد بشار
إليك البهائي الحقير يزفهاكغانية مياسة القد معطار
تغار إذا قيست لطافة نظمهابنفحة أزهار ونسمة أسحار
إذا رددت زادت قبولاً كأنهاأحاديث نجد لا تمل بتكرار
تمت القصيدة الموسومة بوسيلة الفوز والأمان في مدح صاحب الزمان سلام الله عليه وآبائه الطاهرين.
وله عفى عنه
مضى في غفلة عمريكذلك يذهب الباقي
أدر كأساً وناولهاألا يا أيها الساقي
لكاتبه في مدح صاحب الزمان ﵁ وعلى آبائه الطاهرين
سرى البرق من نجد فجدد تذكاريعهوداً بحزوى والعذيب وذي قار
وهيج من أشواقنا كل كامنوأجج في أحشائنا لاهب النار
الايا لييلات الغوير وحاجرسقيت بهام من بني المزن مدرار
ويا جيرة بالمازمين خيامهمعليكم سلام الله من نازح الدار
خليلي مالي والزمان كأنمايطالبني في كل آن بأوتار
فأبعد أحبابي وأخلي مرابعيوأبدلني من كل صفو بأكدار
وعادل بي من كان أقصى مرامهمن المجد أن يسمو إلى عشر معشاري
ألم يدر أني لا أزال لخطبهوإن سامني خسفاً وأرخص أسعاري
مقامي بفرق الفرقدين فما الذييؤثره مسعاه في خفض مقداري
وإني امرؤ لا يدرك الدهر غايتيولا تصل الأيدي إلى سر أغواري
أخالط أبناء الزمان بمقتضىعقولهم كيلا يفوهوا بإنكاري
واظهر أني مثلهم تستفزنيصروف الليالي باختلاء وإمرار
وإني ضاري القلب مستوفر النهىأسر بيسر أو أساء بإعسار
ويضجرني الخطب المهول لقاؤهويطربني الشادي بعود ومزمار
وتصمي فؤادي ناهد الثدي كاعببأسمر خطار وأحور سحار
وإني أسخى بالدموع لوقفةعلى طلل بال ودارس أحجار
وما علموا أني امرؤ لا يروعنيتوالي الرزايا في عشي وإبكار
إذا دك طور الصبر من وقع حادثفطود اصطباري شامخ غير منهار
وخطب يزيل الروع أيسر وقعهكؤود كوخز بالأسنة شعار
تلقيته والحتف دون لقائهبقلب وقور في الهزاهز صبار
ووجه طليق لا يمل لقاؤهوصدر رحيب في ورود وإصدار
ولم أبده كي لا يساء لوقعهصديقي ويأسي من تعسره جاري
ومعضلة دهماء لا يهتدي لهاطريق ولا يهدي إلى ضوئها الساري
تشيب النواصي دون حل رموزهاوبحجم عن أغوارها كل مغوار
أجلت جياد الفكر في حلباتهاووجهت تلقاهات صوائب أنظاري
فأبرزت من مستورها كل عامضوثقفت منها كل أصور موار
أأضرع للبلوى وأغضى على القذىوأرضى بما به كل خوار؟
وأفرح من دهري بلذة ساعةوأقنع من عيشي بقرض وأطمار
إذن لا ورى زندي ولا عز جانبيولا بزعت فيقمة المجد أقماري
ولا بل كفي بالسماح ولا سرتبطيب أحاديثي الركاب وأخباري
زلا اتشرت في الخافقين فضائليولا كان في النهدي راشق أشعاري
خليفة رب العالمين وظلهعغلى ساكن الغبراء من ديار
هو العروةالوثقى الذي من بذيلهتمسك لا يخشى عظائم أوزار
إمام هدى لاذ الزمان بظلهوألقى إليه الدهر مقود خوار
ومقتدر لو كلف الصم نطقهابأجدارها فاهت إليه بأجدار
علوم الورىفي جنب أبحر علمهكغرفة كف أو كغمسة منقار
فلو زار أفلاطون أعتاب قدسهولم يعشه عنها سواطع أنوار
رأي حكمة قدسية لا يشوبهاشوائب أنظار وأدناس أفكار
بإشرافها كل العوالم أشرقتلما لاح في الكونين من نورها الساري
إمام الورى طود النهى منبع الهدىوصاحب سر الله في هذه الدار
به العالم السفلي يسمو ويعتليعلى العالمخ العلوي من دون إنكار
ومنه العقول العشر تبغي كمالها.. وليس عليها في التعلم من عار.
همام لو السبع الطباق تطابقتعلى نقض ما يقتضيه من حكمه الجاري
لنكسى من أبراجها كل شامخوسكن من أفلاكها كل دوار
ولا نتثرت منها الثوابت خيفةوعاف السرى في سورها كل سيار
أيا حجة الله الذي ليس جاريابغير الذي يرضاه سابق أقدار
ويا من مقاليد الزمان بكفهووناهيك من مجد به خصه الباري
أغث حوزة الإيمان واعمر ربوعهفلم يبق منها غير دارس آثار
وأنقذ كتاب الله من يد عصبةعصوا وتمادوا في عتو وإصرار
يحيدون عن آياته لروايةرواها أبو شعيون عن كعب الأحبار
وفي الدين قد قاسوا وعاثوا وخبطوابآرائهم تخبيط الأعداء أية إضجار
وخلص عباد الله من كل غاشموطهر بلاد الله من كل كفار
وعجل فداك العالمون بأسرهموبادر على اسم الله من غير إنظار
تجد من جنود الله خير كتائبوأكرم أعوان وأشرف أنصار
بهم من بني همدان أخلص فتيةيخوضون أغمار الوغى غير نكالر
بكل شديد الباس عبل شمردلإلى الحتف مقدام على الهول مصبار
تحاذره الأبطال في كل موقفوترهبه الفرسان في كل مضمار
أيا صفوة الرحمن دونك مدحةكدر عقود في ترائب أبكار
يهني ابن هاني إن تأتي بنظيرهاويعنو لها الطائي من بعد بشار
إليك البهائي الحقير يزفهاكغانية مياسة القد معطار
تغار إذا قيست لطافة نظمهابنفخة أزهار ونسمة أسحار
إذا رددت زادت قبولا كأنهاأحاديث نجد لا تمل بتكرار
تمت القصيدة الموسومة بوسيلة بوسيلة الفوز والأمان، في مدح صاحب اغلزمان.
وله عفى الله عنه:
مضى في غفلة عمريكذلك يذهب الباقي
أدر كأسا وناولهاألا يا أيها الساقي
لا يا ريح إن تمرربأهل الحي من حرزي
فبلغهم تحياتيونبئهم بأشواقي
وقل أنتم نقضتم عهدكمظلما بلا سبب
وإني ثابت أبداعلى عهدي وميثاقي
من كلامهم:
إذا رأيت العالم يلازم السلطان فاعلم أنه لص وإياك أن تخدع بما يقال: إنه يرد مظلمة أو يدفع عن مظلوم، فإن هذه خدعة إبليس اتخذها فجار العلماء سلما.
قال بعض الحكماء: إذا أوتيت علماً فلا تطفىء نور العلم بظلمة الذنوب فتبقى في الظلمة يوم يسعى أهل العلم بنور علمهم، وعن النبي ﷺ: أنه قال خيانة الرجل في العلم أشد من خيانته في المال.
ذكر عند مولانا جعفر بن محمد الصادق قول النبي ﷺ النظر إلى وجه العالم عبادة، فقال: هو العالم الذي إذا نظرت إليه ذكرك بالآخرة، ومن كان على خلاف ذلك فالنظر إليه فتنة، عن النبي ﷺ أنه قال: العلماء أمناء الرسل على عباد الله ما لم يخالطوا السلطان، فإذا خالطوه وداخلوا الدنيا فقد خانوا الرسل فاحذروهم، وعن النبي ﷺ أنه قال لأصحابه: تعلموا العلم وتعملوا له السكينة والحلم ولا تكونوا من جبابرة العلماء فلا يقوم علمكم بجهلكم، وعن عيسى ﵇ أنه قال: مثل العالم السوء مثل صخرة وقعت في فم النهر لا هي تشرب الماءولا هي تترك الماء ليخلص إلى الزرع. من الكلام المرموز للحكماء: إن زمن الربيع لا يعدم من العالم، معناه: إن تحصيل الكمالات ميسر في كل وقت سواء كان وقت الشباب أو وقت الكهولة أو وقت الشيخوخة، فلا ينبغي التقاعد عن اكتساب الفضايل في وقت من الأوقات وما أحسن ما قال ومن قال:
هذا زمن الربيع عالج كبدييا صاح فلا تخل من الراح يدي
فالبلبل يتلو ويقول انتبهواالعمر مضى وما مضى لم يعد
قال رجل: أصعب الأشياء أن ينال المرء ما لا يشتهيه فسمع كلامه بعض الحكماء فقال: أصعب من ذلك: أن يشتهي ما لا يناله،، كتب رجل من أبناء النعمة وقد أساء إليه زمانه إلى بعض الأمراء:
هذا كتاب فتى له هممألقت إليك رجاءه هممه
قل الزمان يدي عزيمتهوطواه عن أكفائه عدمه
وتواكلته ذو قرابتهوهوت به من حالق قدمه
أفضى إليك بسره قلملو كان يعقله بكا قلمه
لكاتبه وهو مما كتبه إلى السيد الأجل قدوة السادات العظام السيد رحمة الله قدس الله روحه وذلك في دار السلطنة بقزوين سنة ألف وواحدة.
أحبتنا إن البعاد لقتالفهل حيلة للقرب منكم فيحتال؟
أفي كل آن للتنائي نوائبوفي كل حين للتهاجر أهوال
أيا دارنا بالأيك لازال هامياًيريعك مسكي الغلالة هطال
ويا جيرتي طال البعاد فهل أرى ... يساعدني في القرب حظ وإقبال وهل يسعف الدهر الخؤون بزورة ... على رغم أيامي بها يسعد البال
خليلي قد طال المقام على القذىوحال على ذي الحال يا قوم أحوال
يمر زماني بالأماني وينقضيعلى غير ما أبغي ربيع وشوال
إلى كم أرى في مربع الذل ثاوياًوفي الحال إخلال وفي المال إقلال؟
ونجمي منحوس وذكري خاملوقدري مبخوس وجدي بطال
فلا ينعشن قلبي قريض أصوغهولا يشرحن صدري فعول وفعال
ولا ينعمن بالي بعلم أفيدهومعضلة فيها غموض وإشكال
أميط جلابيب الخفا عن رموزهالترفع أستار وتذهب أعضال
ويلمع نور الحق بعد خفائهفيهدى به قوم عن الحق ضلال
سأغسل رجس الذل عني بنهضةيقل بها حل ويكثر ترحال
وأركب متن البيد سيراً إلى العلىوما كل قوال إذا قال فعال
ءأقنع بالمر النقيع وأرتويوبالقرب مني سلسبيل وسلسال
إذن لا تندت بالسماحة راحتيولا ثار لي يوم الكريهة قسطال
ولا هم قلبي بالمعالي ونيلهاولا كان بي عن موقف الحتف إجفال
قيل لسقراط: أي السباع أحسن: فقال: المرأة، كتب بعض الحكماء على باب داره لا يدخل داري شر، فقال له بعض الحكماء: فمن أين تدخل امرأتك؟ ! قال بعض الحكماء: المرأة كلها شر وشر ما فيها أنه لابد منها.
من كلام أرسطو طاليس: إذا أردت أن تعرف هل تضبط الإنسان شهواته، فانظر إلى ضبطه منطقه منه، ليس النفس في البدن، بل البدن في النفس، لأنها أوسع منه.
القاضي نظام الدين من كتاب دوبيتاته.
أنتم لظلام قلبي الأضواءفيكم لفؤادي جمعت أهواء
يروي الظماء ادكاركم لا الماءداويت بغيركم فزاد الداء
أوصيتك بالجد فدع من ساخرفاخر بفضيلة التقى من فاخر
لا ترج سوى الرب لكشف البلوىلا تدع مع الله إلهاً آخر
مالي وحديث وصل من أهواهحسبي بشفاء علتي ذكراه
هذا وإذا قضيت نحبي أسفاًيكفي أني أعد من قتلاه
وافى فجذبت عطفه المياداشوقاً فطلبت قبله فانقادا
حاولت ورآء ذاك منه نادىلا تطلب بعد بدعة إلحادا
قالوا انته عنه إنه ما صدقاما أجهل من بوعده قد وثقا
لا لا فنتيجة الهوى صادقةمع كذب مقدمات وعد سبقا
أرسل عثمان بن عفان مع عبد له كيساً من الدراهم إلى أبي ذر ﵁، وقال له: إن قبل هذا، فأنت حر، فأتى الغلام بالكيس إلى أبي ذر وألح عليه في قبوله، فلم يقبل، فقال له: قبله فإن فيه عتقي، فقال نعم، ولكن فيه رقي.
أول مقامات الانتباه وهو اليقظة من سنة الغفلة، ثم التوبة وهي الرجوع إلى الله بعد الاباق، ثم الورع والتقوى، لكن ورع أهل الشريعة عن المحرمات وورع أصحاب الطريقة عن الشبهات، ثم المحاسبة وهي تعداد ما صدر عن الإنسان بينه وبين نفسه وبينه وبين بني نوعه، ثم الإرادة وهي الرغبة في نيل المراد مع الكد، ثم الزهد وهو ترك الدنيا وحقيقته التبري عن غير المولى، ثم الفقر وهو تخلية القلب عما خلت عنه اليد والفقير من عرف أنه لا يقدر على شيء، ثم الصدق وهو استواء الظاهر والباطن، ثم الصبر وهو حمل النفس على المكاره، ثم التصبر وهو ترك الشكوى وقمع النفس ثم الرضا وهو التلذذ بالبلوى؛ ثم الإخلاص وهو إخراج الخلق عن معاملة الحق ثم التوكل وهو الاعتماد في كل أموره على الله سبحانه مع العلم بأن الخير فيما اختاره.
ومن خطبة له ﵊: أيها الناس إنما أنتم خلف ماضين وبقية متقدمين كانوا أكثر منكم بسطة وأعظم سطوة أزعجوا عنها أسكن ما كانوا إليها فغدت ربهم أوثق ما كانوا بها فلم تغن عنهم قوة عشيرة ولا قبل منهم بذل فدية، فأرحلوا نفوسكم بزاد مبلغ قبل أن تؤخذوا على فجأة فقد غفلتم عن الاستعداد فقد جف القلم بما هو كائن. ومن خطبة له ﷺ: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ومهدوا لها قبل أن تعذبوا، وتزودوا للرحيل قبل أن تزعجوا، فإنما هو موقف عدل وقضاء وحق ولقد أبلغ في الأعذار من تقدم في الإنذار.
ومن خطبة له ﵊: أيها الناس لا تكونوا ممن خدعته العاجلة وغرته الأمنية واستهوته البدعة، فاركن إلى دار سريعة الزوال وشيكة الانتقال، إنه لم يبق من دنياكم هذه في جنب ما مضى إلا كإناخة راكب، وصرة حالب فعلام
تعرجون؟ وماذا تنتظرون؟ فكأنكم والله بما أصبحتم فيه من الدنيا لم يكن وبما تصيرون إليه من الآخرة لم يزل فخذوا الأهبة لزوف النقلة وأعدو الزاد لقرب الرحلة، واعلموا أن كل امرىء على ما قدم قادم وعلى ما خلف نادم.
ومن خطبة له ﵊: الدنيا دار فناء ومنزل قلعة وعناء قد نزعت عنها نفوس السعداء وانتزعت بالكره من قيد أيدي الأشقياء فأسعد الناس فيها أرغبهم عنها وأشقاهم بها أرغبهم فيها، هي الغاشية لمن انتصحها والمغوية لمن أطاعها، والجائرة لمن انقاد لها والفايز من أعرض عنها، والهالك من هوى فيها، طوبى لعبد اتقى فيها ربه ونصح نفسه وقدم توبته وأخر شهوته من قبل أن يلفظه الدنيا إلى الآخرة، فيصبح في بطن غبراء مدلهمة ظلماء لا يستطيع أن يزيد في حسنة ولا أن ينقص من سيئة؛ ثم ينشر فيحشر إما إلى جنة يدوم نعيمها أو نار لا ينفد عذابها.
ومن خطبة له ﵊: أيها الناس حلو أنفسكم بالطاعة والبسوا قناعة المخافة واجعلوا آخرتكم لأنفسكم وسعيكم لمستقركم، واعلموا: أنكم عن قليل راحلون وإلى الله صائرون ولا يغني عنكم هنالك إلا صالح عمل قدمتموه أو حسن ثواب أخرتموه إنكم إنما تقدمون على ما قدمتم وتجازون على ما أسلفتم فلا تخدعكم زخارف دنيا دنية عن مراتب جنات علية، فكان قد كشف القناع وارتفع الارتياب ولاقى كل امرىء مستقره وعرف مثواه ومنقلبه.
قال بعض الحكماء: إذا أردت أن تعرف من أين حصل الرجل المال فانظر في أي شيء ينفقه.
كان بعض العلماء يبخل ببذل العلم، فقيل له: تموت وتدخل علمك معك القبر، فقال: ذاك أحب إلي أن أجعله في إناء سوء.
من شارك السلطان في عز الدنيا شاركه في ذل الآخرة.
كان الشيخ علي بن سهل الصوفي الأصفهاني ينفق على الفقراء والصوفية ويحسن إليهم وقد دخل عليه يوماً جماعة منهم ولم يكن عنده شيء فذهب إلى بعض أصدقائه والتمس منه شيئاً للفقراء فأعطاه شيئاً من الدراهم واعتذر من قلتها وقال إني مشغول ببناء دار أحتاج إلى خرج كثير فأعذرني فقال له الشيخ علي بن سهل: وكم يصير خرج هذه الدار؟ فقال لعله يبلغ خمسمائة درهم، فقال الشيخ ادفعها إلي لأنفقها على الفقراء وأنا أسلمك داراً في الجنة وأعطيك خطي وعهدي فقال الرجل: يا أبا الحسن إني لم أسمع منك قط خلافاً ولا كذباً فإن ضمنت ذلك فأنا أفعل فقال ضمنت وكتب
على نفسه كتاباً بضمان دار له في الجنة، فدفع الرجل الخمسمائة درهم وأخذ الكتاب بخط الشيخ وأوصى أنه إذا مات أن يجعل ذلك الكتاب في كفنه، فمات في تلك السنة وفعل ما أوصى به، فدخل الشيخ يوماً إلى مسجده لصلاة الغداة، فوجد ذلك الكتاب بعينه في المحراب وعلى ظهره مكتوب بالخضرة: قد أخرجناك من ضمانك وسلمنا الدار في الجنة إلى صاحبها فكان ذلك الكتاب عند الشيخ برهة من الزمان يستشفي به المرضى من أهل أصفهان وغيرهم وكان بين كتب الشيخ فسرق صندوق كتبه وسرق ذلك الكتاب معها.
وكان رأيت في بعض التواريخ الموثوق بها: أن الشيخ علي بن سهل كان معاصراً للجنيد وكان تلميذ الشيخ محمد بن يوسف البناء، كتب الجنيد إليه سل شيخك ما الغالب على أمره؟ فسأل ذلك من شيخه محمد بن يوسف البناء، فقال: اكتب إليه. والله غالب على أمره.
يقول كاتب هذه الأحرف محمد المشتهر ببهاء الدين العاملي عفى الله عنه: رأيت في المنام أيام إقامتي بأصفهان كأني أزور إمامي وسيد ومولاي الرضا ﵁ وكانت قبته وضريحه كقبة الشيخ علي بن سهل وضريحه فلما أصبحت نسيت المنام واتفق أن بعض الأصحاب كان نازلاً في بقعة الشيخ فجئت لرؤيته ثم بعد ذلك دخلت إلى زيارة الشيخ فلما رأيت قبته وضريحه خطر المنام بخاطري وزاد في الشيخ اعتقادي.
من كلام سيد الأوصياء ﵁ أفضل العبادة الصبر والصمت وانتظار الفرج. ومن كلامه: الصبر على ثلاثة وجوه، فصبر على المعصية، وصبر على الطاعة، وصبر على المصيبة.
ومن كلامه ﵁: ثلاثة من كنوز الجنة، الصدقة، وكتمان المصيبة، وكتمان المرض.
ومن كلامه: كل قول ليس لله فيه ذكر فلغو، وكل صمت ليس فيه فكر فسهو، وكل نظر ليس فيه اعتبار فلهو.
ومن كلامه: ضاحك معترف بذنبه خير من باك يدل على ربه.
ومن كلامه: الدنيا دار ممر والآخرة دار مقر فخذوا رحمكم الله من ممركم
لمقركم، ولا تهتكوا أستاركم على من لا يخفى عليه أسراركم، وأخرجوا من الدنيا قلوبكم قبل أن تخرج منها أبدانكم، فللآخرة خلقتم وفي الدنيا حبستم، إن المرء إذا هلك قالت الملائكة ما قدم؟ وقال الناس ما خلف؟ فالله آباؤكم، قدموا بعضاً يكن لكم، ولا تتركوا كلايكن عليكم، فإنما مثل الدنيا مثل السم يأكله من لا يعرفه.
ما كان يدعو به بعض الحكماء: اللهم أهلنا بالإنابة إليك، والثناء عليك، والثقة بما لديك، ونيل الزلفى عندك وهون علينا الرحيل من هذه الدار الضيقة والفضاء الحرج والمقام الرخص، والعرصة المحشوة بالغصة، والساحة الخالية عن الراحة بالسلامة والربح والغنيمة إلى جوارك، حيث قلت: في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وحيث يجد ساكنه من الروح والراحة ما يقول معه: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن واحسم مطامعنا من خلقك، وانزع قلوبنا عن الميل إلى غيرك، واصرف أعيننا عن زهرة عالمك الأدنى برحمتك وفضلك وجودك يا كريم.
كان عيسى ﵇ يقول لأصحابه: يا عباد الله بحق أقول لكم: إنكم لا تدركون من الآخرة إلا بترك ما تشتهون من الدنيا، دخلتم إلى الدنيا عراة، وستخرجون منها عراة فاصنعوا بين ذلك ما شئتم.
ومن كلام بعض الوزراء: عجبت ممن يشتري العبد بماله ولا يشتري الأحرار بفعاله، من كانت همته ما يدخل في بطنه كانت قيمته ما يخرج منها.
من كلام معروف الكرخي: كلام العبد فيما لا يعنيه خذلان من الله تعالى.
لكاتب الأحرف بهاء الدين محمد العاملي عفى الله عنه:
يا كراماً صبرنا عنهم محالإن حالي عن جفاكم شرحال
إن أتى من حيكم ريح الشمالصرت لا أدري يميني عن شمال
حبذا ريح سرى من ذي سلمعن ربى نجد وسلع والعلم
أذهب الأحزان عنا والألموالأماني أدركت والهم زال
يا أخلائي بحزوى والعقيقما يطيق الهجر قلبي ما يطيق
هل لمشتاق إليكم من طريقأم سددتم عنه أبواب الوصال
لا تلوموني على فرط الضجرليس قلبي من حديد أو حجر
فات مطلوبي ومحبوبي هجروالحشا في كل آن في اشتغال
من رأى وجدي لسكان الحجونقال ما هذا هوى هذا جنون
أيها اللوام ماذا تبتغون؟قلبي المضني وعقلي ذو اعتقال
يا نزولاً بين جمع والصفايا كرام الحي يا أهل الوفا
كان لي قلب حمول للجفاضاع مني بين هاتيك التلال
يا رعاك الله يا ريح الصباأن تجز يوماً على وادي قبا
سل أهيل الحي في تلك الربىهجرهم هذا دلال أم ملال؟
جيرة في هجرنا قد أسرفواحالنا في بعدهم لا يوصف
إن جفوا أو واصلوا أو أتلفواحبهم في القلب باق لا يزال
هم كرام ما عليهم من مزيدمن يمت في حبهم يمضي شهيد
مثل مقتول لدى المولى الحميدأحمدي الخلق محمود الفعال
صاحب العصر الإمام المنتظرمن بما يأباه لا يجري القدر
حجة الله على كل البشرخير أهل الأرض في كل الخصال
من إليه الكون قد ألقى القيادمجرياً أحكامه فيما أراد
إن تزل عن طوعه السبع الشدادخر منها كل سامي السمك عال
شمس أوج المجد مصباح الظلام ... صفوة الرحمن من بين الأنام الإمام ابن الإمام ابن الإمام ... قطب أفلاك المعالي والكمال
فاق أهل الأرض في عز وجاهوارتقى في المجد أعلى مرتقاه
لو ملوك الأرض حلوا في ذراهكان أعلى صفهم صف النعال
ذو اقتدار إن يشأ قلب الطباعصير الأظلام طبعاً للشعاع
وارتدى الامكان برد الامتناعقدرة موهوبة من ذي الجلال
يا أمين الله يا شمس المدىيا إمام الخلق يا بحر الندى
عجلن عجل فقد طال المدىوأضمحل الدين واستولى الضلال
هاك يا مولى الورى نعم المجيرمن مواليك البهائي الفقير
مدحة يعنو لمعناها جريرنظمها يزري على عقد اللئال
يا ولي الأمر يا كهف الرجامسنى الضر وأنت المرتجى
والكريم المستجار الملتجاغير محتاج إلى بسط السؤال
كتب بعض الحكماء إلى صديق له: أما بعد فعظ الناس بفعلك ولا تعظهم بقولك واستح من الله بقدر قربه منك وخفه بقدر قدرته عليك والسلام.
من كلام عيسى ﵇: إن مرتكب الصغيرة ومرتكب
الكبيرة سيان فقيل: وكيف ذلك؟ فقال: الجرأة واحدة، وما عف عن الدرة من يسرق الذرة.
قال حذيفة بن اليمان رضوان الله عليه: أتحب أن تغلب شر الناس؟ فقال: نعم، فقال: إنك لن تغلبه حتى تكون شراً منه.
قيل لفيثاغورس: من الذي يسلم من معاداة الناس؟ قال: من لم يظهر منه خير ولا شر، قيل: وكيف ذلك؟ ﴿قال: لأنه إن ظهر منه خير عاداه الأشرار، وإن ظهر منه شر عاداه الأخيار.
كان أنوشيروان يمسك عن الطعام وهو يشتهيه. ويقول: نترك ما نحب لئلا نقع فيما نكره. من أمثال العرب وحكاياتهم عن ألسنة الحيوانات: لقي كلب كلباً في فمه رغيف محرق فقال: بئس هذا الرغيف ما أردأه؟﴾ فقال له الكلب الذي في فمه الرغيف: نعم لعن الله هذا الرغيف ولعن من يتركه قبل أن يجد ما هو خير منه. قيل لبعض الأكابر من الصوفية: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت آسفاً على أمسي كارهاً ليومي متهماً لغدي. روي أن سليمان على نبينا وآله السلام رأى عصفوراً يقول لعصفورة: لم تمنعين نفسك مني؟ ولو شئت أخذت قبة سليمان بمنقاري، فألقيتها في البحر، فتبسم سليمان
عليه السلام من كلامه، ثم دعا بهما، وقال للعصفور: أتطيق أن تفعل ذلك؟ فقال يا رسول الله: لا، ولكن المرء قد يزين نفسه ويعظمها عند زوجته والمحب لا يلام على ما يقول، فقال سليمان للعصفورة: لم تمنعيه من نفسك وهو يحبك؟ فقالت يا نبي الله إنه ليس محباً، ولكنه مدع لأنه يحب معي غيري، فأثر كلام العصفورة في قلب سليمان ﵇ وبكى بكاء شديداً واحتجب عن الناس أربعين يوماً يدعو الله أن يفرغ قلبه لمحبته وأن لا يخالطها بمحبة غيره.
ومن خطبة للنبي ﷺ: أيها الناس أكثروا ذكر هادم اللذات فإنكم إن ذكرتمه في ضيق وسعه عليكم، وإن ذكرتموه في غنى نغصه إليكم، إن المنايا قاطعات الآمال والليالي مدنيات الآجال، وإن العبد بين يومين يوم قد مضى أحصى فيه عمله فختم عليه ويوم قد بقي لا يدري لعله لا يصل إليه، وإن العبد عند خروج نفسه وحلول رمسه يرى جزاء ما أسلف وقلة غناء ما خلف، أيها الناس إن في القناعة لسعة لغنى وإن في الاقتصاد لبلغة وإن في الزهد لراحة ولكل عمل جزاء وكل آت قريب.
احتضر بعض المترفين وكان كلما قيل له قل لا إله إلا الله يقول هذا البيت:
يا رب قائلة يوماً وقد تعبتأين الطريق إلى حمام منجاب؟ ﴿
سبب ذلك أن امرأة عفيفة حسناء خرجت إلى حمام معروف بحمام منجاب، فلم تعرف طريقه وتعبت من المشي، فرأت رجلاً على باب داره فسألته عن الحمام فقال: هو هذا وأشار إلى باب داره، فلما دخلت أغلق الباب عليها فلما عرفت بمكره، أظهرت كمال الرغبة والسرور وقالت: اشتر لنا شيئاً من الطيب وشيئاً من الطعام وعجل بالعود إلينا، فلما خرج واثقاً بها وبرغبتها خرجت وتخلصت منه، فانظر كيف منعته هذه الخطيئة عن الإقرار بالشهادة عند الموت؟﴾ مع أنه لم يصدر منه إلا إدخال المرأة بيته وعزمه على الزنا فقط. من دون وقوعه منه. قال حكيم: ما رأيت واحداً إلا ظننته خيراً مني لأني من نفسي على يقين ومنه على شك.
سئل الشبلي لم سمي الصوفي ابن الوقت؟ فقال: إنه لا يأسف على الغايب، ولا ينتظر الوارد.
فائدة: التجريد سرعة العود إلى الوطن الأصلي والاتصال بالعالم العقلي وهو المراد بقوله ﵇ حب الوطن من الإيمان، وإليه يشير قوله تعالى: " يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية "، وإياك أن تفهم من الوطن دمشق وبغداد وما ضاهاهما، فإنهما من الدنيا، وقد قال سيد الكل في الكل صلوات الله وسلامه عليه: حب الدنيا رأس كل خطيئة فاخرج من هذه القرية الظالم أهلها وأشعر قلبك قوله تعالى: " ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفوراً رحيماً ".
قال معاوية لابن عباس بعد أن كف بصره: ما لكم يا بني هاشم تصابون في أبصاركم؟ فقال: كما أنكم يا بني أمية تصابون في بصائركم. قدم قوم غريمهم إلى الوالي وادعوا عليه بألف دينار، فقال الوالي: ما تقول؟ فقال: صدقوا فيما ادعوا، ولكني اسئلهم أن يمهلوني لأبيع عقاري وإبلي وغنمي، ثم أوفيهم فقالوا: أيها الوالي: قد كذب والله ما له شيء من المال لا قليل ولا كثير؛ فقال: أيها الوالي قد سمعت شهادتهم بإفلاسي فكيف يطالبوني؟ ! فأمر الوالي بإطلاقه.
كان في بغداد رجل قد ركبته ديون كثيرة وهو مفلس فأمر القاضي بأن لا يقرضه أحد شيئاً، ومن أقرضه فليصبر عليه ولا يطالبه بدينه، وأمر بأن يركب على بغل ويطاف به في المجامع ليعرفه الناس ويحترزوا من معاملته فطافوا به في البلد ثم جاؤا به إلى باب داره، فلما نزل عن البغل قال له صاحب البغل: أعطني أجرة بغلي فقال وفي أي شيء كنا من الصباح إلى هذا الوقت يا أحمق؟ !
أبو الأسود الدؤلي
ذهب الرجال المقتدى بفعالهموالمنكرون لكل أمر منكر
وبقيت في خلف يزين بعضهم بعضاًليدفع معور عن معور
فطن لكل مصيبة في مالهوإذا أصيب بدينه لم يشعر
القاضي المهذب
وترى المجرة والنجوم كأنماتسقي الرياض بجدول ملآن
لو لم يكن نهراً لما غاصت بهأبداً نجوم الحوت والسرطان
لله در من قال
إذا ما المنايا أخطأتك وصادفتحميمك فاعلم أنها ستعود
كتب رجل إلى رجل تخلى للعبادة وانقطع عن الناس: بلغني أنك اعتزلت الخلق، وتفرعت للعبادة، فما سببب معاشك؟ فكتب إليه: يا أحمق بلغك أني منقطع إلى الله تعالى سبحانه، وتسألني عن معاشي.
قال بعض العارفين: الوعد حق الخلق على الله تعالى فهو أحق من وفى، والوعيد حقه سبحانه على الخلق فهو أحق من عفا. وقد كانت العرب تفتخر بإيفاء الوعد وخلف الوعيد. قال الشاعر:
وإني إذا أوعدته أو وعدتهلمخلف إيعادي ومنجز موعدي
أبو الحسن التهامي
عبسن من شعرٍ في الرأس مبتسمما نفر البيض مثل البيض في اللمم
ظننت شبيبته تبقى وما علمتأن الشبيبة مرقاة إلى الهرم
ما شاب عزمي ولا خلقي ولا حزميولا وفائي ولا ديني ولا كرمي
وإنما اعتاض رأسي غير صبغتهوالشيب في الرأس غير الشيب في الهمم
وصل الخيال ووصل الخود إن نحلتسيان ما أشبه الوجدان بالعدم
والطيف أفضل وصلاً إن لذتهتخلو من الإثم والتنغيص والندم
لا تحمد الدهر في ضرآء يصرفهافلو أردت دوام البؤس لم يدم
فالدهر كالطيف في بؤس وأنعمهمن غير قصد فلا تحمد ولا تلم
لا تحسبن حسب الآباء مكرمةلمن يقصر عن غايات مجدهم
حسن الرجال بحسناهم وفخرهمبطولهم في المعالي لا بطولهم
ما اغتابني حاسد إلا شرفت بهافحاسدي منهم في زي منتقم
فالله يكلؤ حسادي فأنعمهمعندي وإن وقعت من غير قصدهم
كتب رجل إلى شخص؛ تخلى للعبادة وانقطع عن الناس: بلغني أنك اعتزلت عن الخلق وتفرغت للعبادة، فما سبب معاشك؟ فكتب إليه يا أحمق يبلغك أني منقطع إلى الله سبحانه وتسألني عن المعاش؟ ﴿قال بعض العارفين: الوعد حق الخلق على الله تعالى، فهو أحق من وفى، والوعيد حقه سبحانه على الخلق فهو أحق من عفى، وقد كانت العرب تفتخر بإيفاء الوعد وخلف الوعيد، قال الشاعر:
وإني إذا أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي قال بعض الحكماء: الدنيا إنما تراد لثلاثة، العز والغنى والراحة؛ من زهد فيها عز؛ ومن قنع استغنى، ومن ترك السعي استراح، حكي عن بعض أصحاب الحقيقة أن البسطامي مر بكلب قد ترطب بالمطر فنحى عنه ثوبه ترفعاً، فنطق الكلب بلسان فصيح وقال: إن نجاسة ثوبك مني يطهرها الماء ولكن تنحية ثوبك عني لا يطهرها الماء.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع