من «الكشكول» لبهاء الدين العاملي (ت ١٠٣١هـ)
في كشف الغمة
إن القرآن ظاهره أنيق، وباطنه عميق، وفيه: السعيد من وجد في نفسه خلوة يشتغل بها:
من كلام بعض العارفين: أخل بنفسك في بيت الفكر وازجرها عما هي عليه، فإن انزجرت، وإلا فاخرج بها على عسكر الموتى أعني القبور، فإن لم ترعو فاضربها بسياط الجوع.
ومن كلامهم: لما انقشع غيم الغفلة عن عيون أهل اليقين، لاح لهم هلال الهدى في جنح اليقظة، فبيتوا نية الصوم عن الهوى.
من كلام لبعض الحكماء: استغناؤك عن الشيء خير من استغنائك به.
أشخص المنصور من الكوفة رجلا سعي به أن عنده من ودائع بني أمية، فقال: أوارث القوم أنت أو وصيهم يا أمير المؤمنين؟ فقال: إنهم خانوا المسلمين وأنا القائم بأمورهم، فقال الرجل: عليك بينة أن هذا من تلك الجنايات، فقد كان لهم مال، فأطرق المنصور، ثم قال: خلوا سبيله، فقال: والله ليس لهم عندي مال، ولكن رأيت الاحتجاج أقرب إلى الخلاص، وهذا الساعي عبد آبق مني، فأشهده المنصور، فاعترف بالرق، فقال الرجل: أما إذا اعترف فهو في حل مما اقترف.
لبان يخلط اللبن بالماء ويبيعه، فجاء سيل فأخذ غنمه فاشتد لذلك جزعه، فرآه بعض العارفين، فقال: اجتمعت تلك القطرات فصارت سيلا.
بعضهم في التوبة عن الشراب:
يقول القوم لي لما رأونيعفيفا منذ عام ما شربت
على يد أي شيخ تبت ماذافقلت على يد الإفلاس تبت
ابن الوردي في المجون:
نمت وإبليس أتىبحيلة منتدبه
فقال ما قولك فيحشيشة منتخبه
فقلت لا، قال ولاخمرة كرم مذهبه
فقلت لا، قال ولامليحة مطيبه
فقلت لا، قال ولاآلة لهو مطربه
فقلت لا، قال فنمما أنت إلا حطبه
كان شقيق البلخي في أول أمره ذا ثروة عظيمة، وكان في أول أمره كثير الأسفار للتجارة، فدخل سنة من السنين في بلاد الترك، وهم عبدة أصنام، فقال: لعظيمهم: إن هذا الذي أنتم فيه باطل، وإن لهذا الخلق خالقا ليس كمثله شيء، وهو رزاق كل شيء، فقال له: إن قولك هذا لا يوافق فعلك، فقال شقيق: وكيف ذلك؟ فقال: زعمت أن لك خالقا رازقا، وقد تعبت في السفر إلى هنا لطلب الرزق، فلما سمع شقيق منه هذا الكلام رجع وتصدق بجميع ما يملكه، ولازم العلماء والزهاد إلى أن مات ﵀.
لبعضهم يستدعي صديقا له:
ثب إلى اللذات فالعمر قصيروحياة المرء في الدنيا غرور
لا تعب بيت سرور عاجلكل ما أمكن في الدنيا سرور
أسرع الخطو فهذا شادنوقيان وخمور وزمور
كلما درنا رأينا بينناشادنا يشدو وكاسات تدور
لما ظهر أبو مسلم المروزي، كتب نصر بن سيار والي خراسان إلى مروان الحمار بهذه الأبيات.
أرى تحت الرماد وميض جمرويوشك أن يكون له ضرام
فإن النار بالعودين تذكىوإن الحرب أولها كلام
أقول من التعجب ليت شعريأأيقاظ أمية أم نيام
فإن يك قومنا أضحوا نيامافقل قوموا فقد آن القيام
ومن شعر أبي مسلم المروزي:
أدركت بالحزم والكتمان ما عجزتعنه ملوك بني مروان إذ سمدوا
مازلت أسعى كميا في ديارهموالقوم في ملكهم بالشام قد رقدوا
حتى ضربتهم بالسيف فانتبهوامن نومة لم ينمها قبلهم أحد
ومن رعى غنما في أرضه مسبعةونام عنها تولى رعيها الأسد
فيمن اسمه عثمان وبيده شمعة:
وافى إلي بشمعتين ووجههبضيائه يزهو على القمرين
ناديته بالاسم يا كل المنىفأجابني عثمان ذو النورين
وبعضهم:
لا تمنعني إذ نظرتفلا أقل في النظر
دع مقلتي تنظر إليكفقد أضر بي السفر
قال بعض الأدباء: الشاعر كالصيرفي، يجتهد أن يروج ما في كيسه من النقود.
كان الرشيد إذا قرب الصباح قال لضجيعه: قم بنا نتنسم هواء الحياة قبل أن تفتض عذرته، وتكدره أنفاس العامة.
الهالة، وقوس قزح، وذوات الأذناب، وسائر حوادث الجو كظهور الحمرة، وانقضاض الكواكب العظيمة، كلها تدل على حوادث في هذا العالم.
قال كاتب الأحرف: وقد رأيت في ذلك الفن كتابا ضخما لبعض حكماء الإسلام أثبت فيه أحكاما لهذه الأشياء حتى بحدوث الزوابع.
قيل لسقراط: متى أثرت فيك الحكمة؟ فقال: منذ حقرت نفسي.
لما خص الله تعالى الإنسان بكرامته، واصطفاه من بين الموجودات بخلافته، كما قال سبحانه: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ وجب عليه التخلق بأخلاقه، والتشبه بأوصافه، لأن الحكيم لا يستخلف السفيه، والعالم لا يستنيب الجاهل، ولهذا قال النبي [ﷺ َ -]: " تخلقوا بأخلاق الله ".
العلم مقرون بالعمل، والعلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل.
ابن نباتة:
قضى وما قضيت منكم لباناتمتيم عبثت فيه الصبابات
ما فاض من جفنه يوم الفراق دمإلا وفي قلبه منكم جراحات
حبا بنا كل عضو في محبتكمكليم وجد فهل للوصل ميقات
سقيا لتلك اللييلات التي سلفتفإنما العمر هاتيك اللييلات
لآخر:
قتلى هواك هم الأحياء لا ماتوايا من عوارضه كاللمسك لا مات
وثغرك الباسم المفتر عن حببتدور منه على الندمان كاسات
نيران خديك في الأحشاء سعرهاكما يشاء وفي الحبات حيات
تكلم القلب من تبريح جفوتهفهل لعهد الوفا بالوصل ميقات
يا صاح قد صاحت الأطيار من طربماذا التأخر والتأخير آفات
لبعضهم:
أصبحت والله في مضيقهل من دليل على الطريق
أف لدنيا تلاعبت بيتلاعب الموج بالغريق
من كلام بعض الأعلام:
يا هذا: إنما خلقت الدنيا لتجوزها لا لتحوزها، ولتعبرها لا لتعمرها.
لبعضهم:
إذا لم يعنك الله فيما تريدهفليس لمخلوق إليه سبيل
وإن هو لم يرشدك في كل مطلبضللت ولو أن السماك دليل
الصفي الحلي:
نقيط من مسيك في وريدخويلك أم وشيم في خديد
وذياك اللويمع في الضحياوجيهك أم قمير في سعيد
ظبي بل صبي في قبيمريبيب السطيوة كالأسيد
معيشيق الحريكة والمحيامميشيق السويلف والقديد
مغيسيل اللمي له ثغيررويقته خمير في شهيد
رويدك بالنبي فلي قليبمسيليب المهيجة والجليد
جفيني من هجيرك في سهيدأطيول من مطيلك في الوعيد
لابن حجة:
طريفي من لييلات الهجيرمقيريح الجفين من السهير
نويري الخديد كوى قليبيفصحت من الحريق أيا نويري
مسيبيل الشعير على كفيليذكرنا مويجات البحير
حويجبه القويس له سهيممويض في القليب بلا وتير
لثمت خديده فجرى دميعيفما أحلى الزهير على النهير
رقيق خصره وله قليبشديد قسيوة مثل الحجير
شهير وصيله عندي بيومويوم هجيره مثل الشهير
لبعضهم:
سواد في الجفين بلا كحيلأسال مديمعي وسبا عقيلي
لحيظك من صويرمه بقلبيجريح قد صرمت به حبيلي
قويس حويجبيك لقد رمانيسهيما في القليب بلا نصيل
وكم شرقتني بدميع عينيوغربني هويك عن أهيلي
لقد وقف الهليل بالمحياكما وقف الغزيل بالشكيل
وكم لي من عقيد في نظيموإن غار الجويد من قويلي
يويم من هجيرك قد دهانيفما أحلى لييلات الوصيل
حبيب مهجتي هل من وصيلفما أحلى الوعيد بلا مطيل
في كشف الغمة عن الإمام جعفر ﵇: قال: فقد أبى بغلة له، فقال: لئن ردها الله تعالى لأحمدنه بمحامد يرضاها، فما لبث أن أتي بها بسرجها ولجامها. فلما استوى عليها وضم إليه ثيابه رفع رأسه إلى السماء وقال: الحمد لله، ولم يزد. ثم قال: ما
تركت ولا أبقيت شيئا، جعلت كل أنواع المحامد لله ﷿، فما من حمد إلا وهو داخل فيما قلت.
مر بعض الصوفية ببغداد، وإذا بسوقي ينادي: الخيار عشرة بدرهم، فلطم الصوفي وجه نفسه وقال: إذا كان الخيار عشرة بدرهم فكيف بالشرار ﴿﴾
قال بعض الحكماء:
المروءة ألا تفعل سرا ما تستحي منه علانية.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع