من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
السرّ وكتمانه وإعلانه
حدّثنى أحمد بن الخليل قال: حدثنا محمد بن الحصيب قال: حدّثني أوس بن عبد الله بن بريدة عن أخيه سهل عن بريدة قال: قال رسول الله ﷺ:
«استعينوا على الحوائج بالكتمان فإنّ كلّ ذي نعمة محسود». وكانت الحكماء تقول:
«سرّك من دمك». والعرب تقول: «من ارتاد لسره موضعا فقد أذاعه».
حدّثني عبد الرحمن بن عبد الله بن قريب عن عمّه الأصمعي قال:
أخبرني بعض أصحابنا قال: دخل ابن أبي محجن الثقفي على معاوية، فقال له معاوية: أبوك الذي يقول:
إذا متّ فادفنّي إلى أصل كرمةتروّي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفننّي في الفلاة فإنّنيأخاف وراء الموت أن لا أذوقها
فقال ابن أبي محجن: لو شئت ذكرت أحسن من هذا من شعره. فقال معاوية: وما ذاك؟ قال قوله:
لا تسألي القوم مالي وما حسبيوسائلي القوم ما حزمي وما خلقي
القوم أعلم أني من سراتهمإذا تطيش يد الرّعديدة الفرق
أعطي السّنان غداة الرّوع حصّتهوعامل الرّمح أرويه من العلق
قد أركب الهول مسدولا عساكرهوأكتم السرّ فيه ضربة العنق
وأنشدني للصّلتان العبدي:
وسرّك ما كان عند امرىءوسرّ الثلاثة غير الخفي
وكان علي بن أبي طالب ﵁ يتمثّل بهذين البيتين:
ولا تفش سرّك إلّا إليكفإنّ لكلّ نصيح نصيحا
فإني رأيت غواة الرجال لا يتركون أديما صحيحا
وقال الشاعر:
ومراقبين تكاتما بهواهماجعلا القلوب لما تجنّ قبورا
يتلاحظان تلاحظا فكأنمايتناسخان من الجفون سطورا
وقال مسكين الدّارمي:
أواخي رجالا لست اطلع بعضهمعلى سرّ بعض غير أني جماعها
يظلّون شتّى في البلاد وسرّهمإلى صخرة أعيا الرّجال انصداعها
وقال آخر:
ولو قدرت على نسيان ما اشتملتمني الضّلوع من الأسرار والخبر
لكنت أوّل من ينسى سرائرهإذ كنت من نشرها يوما على خطر
أسرّ رجل إلى صديق له حديثا فلما استقصاه قال له: أفهمت؟ قال:
لا، بل نسيت.
قيل لأعرابي: كيف كتمانك للسر؟ قال: «ما قلبي له إلا قبر». وقيل لمزيد: أيّ شيء تحت حضنك؟ فقال: يا أحمق، لم خبّأته. وقال الشاعر:
إذا ما ضاق صدرك عن حديثفأفشته الرجال فمن تلوم؟
إذا عاتبت من أفشى حديثيوسرّي عنده فأنا الظّلوم
وإني حين أسأم حمل سرّيوقد ضمّنته صدري، سؤوم
قيل لرجل: كيف كتمانك للسر؟ قال: «أجحد المخبر وأحلف للمستخبر». وكان يقال: «من وهي الأمر إعلانه قبل إحكامه». وقال الشاعر:
إذا أنت حمّلت الخؤون أمانةفإنك قد أسندتها شرّ مسند
وقال عمرو بن العاص: «ما استودعت رجلا سرّا فأفشاه فلمته، لأني كنت أضيق صدرا حين استودعته». وقال:
إذا أنت لم تحفظ لنفسك سرّهافسرّك عند الناس أفشى وأضيع
وكان يقال: «من ضاق قلبه اتسع لسانه».
وقال الوليد بن عتبة لأبيه: إن أمير المؤمنين أسرّ إليّ حديثا ولا أراه يطوى عنك ما يبسطه لغيرك، أفلا أحدّثك به؟ قال: لا يا بنيّ «إنه من كتم سرّه كان الخيار له، ومن أفشاه كان الخيار عليه، فلا تكوننّ مملوكا بعد أن كنت مالكا» قال: قبلت: وإنّ هذا ليجري بين الرجل وأبيه؟ قال: لا، ولكني
أكره أن تذلّل لسانك بأحاديث السر. فحدّثت به معاوية فقال: يا وليد، أعتقك أخي من رقّ الخطأ.
وفي كتب العجم أن بعض ملوك فارس قال: «صونوا أسراركم فإنه لا سرّ لكم إلا في ثلاثة مواضع: مكيدة تحاول أو منزلة تزاول أو سريرة مدخولة تكتم، ولا حاجة بأحد منكم في ظهور شيء منها عنه». وكان يقال: «ما كنت كاتمه من عدّوك فلا تظهر عليه صديقك».
وقال جميل بن معمر:
أموت وألقى الله يا بثن لم أبحبسّرك والمستخبرون كثير
وقال عمر بن أبي ربيعة المخزومي:
ولما تلاقينا عرفت الذي بهاكمثل الذي بي جذوك النعل بالنعل
فقالت وأرخت جانب السّتر إنمامعي فتكلم غير ذي رقبة أهلي
فقلت لها ما بي لهم من ترقّبولكنّ سرّي ليس يحمله مثلي
يريد أنه ليس يحمله أحد مثلي في صيانته وستره، أي فلا أبديه لأحد.
وقال زهير:
السّتر دون الفاحشات ولايلقاك دون الخير من ستر
وقال آخر:
فسرّي كإعلاني وتلك خليقتيوظلمة ليلي مثل ضوء نهاريا
وقال آخر لأخ له وحدّثه بحديث: إجعل هذا في وعاء غير سرب.
والسّرب السائل. وكان يقال: «للقائل على السامع جمع البال والكتمان وبسط العذر». وكان يقال: «الرعاية خير من الاسترعاء».
أتى رجل عبيد الله بن زياد فأخبره أن عبد الله بن همّام السّلولي سبّه، فأرسل اليه فأتاه فقال: يا ابن همّام، إن هذا يزعم أنك قلت: كذا وكذا.
فقال ابن همّام:
فأنت امرؤ إمّا ائتمنتك خاليافخنت، وإمّا قلت قولا بلا علم
وإنك في الأمر الذي قد أتيتهلفي منزل بين الخيانة والإثم
وقال آخر:
إخفض الصّوت إن نطقت بليلوالتفت بالنهار قبل الكلام
وقال بعض الأعراب:
ولا أكتم الأسرار لكن أنمّهاولا أدع الأسرار تغلي على قلبي
وإنّ قليل العقل من بات ليلهتقلّبه الأسرار جنبا إلى جنب
وقال أبو الشّيص:
ولا تأمننّ على سرّي وسرّكمغيري وغيرك أو طيّ القراطيس
أو طائر سأحلّيه وأنعتهمازال صاحب تنقير وتأسيس
سود براثنه ميل ذوائبهصفر حمالقه في الحسن مغموس
قد كان همّ سليمان ليذبحهلولا سعايته يوما ببلقيس
وقال أيضا:
أفضى أليك بسرّه قلملو كان يعرفه بكى قلمه
وقال مسلم بن الوليد في الكتاب يأتيك فيه السر:
الحزم تخريقه إن كنت ذا حذروإنما الحزم سوء الظنّ بالناس
إذا أتاك وقد أدّى أمانتهفاجعل صيانته في بطن أرماس
وقال آخر:
سأكتمه سرّي وأحفظ سرّهولا غرّني أني عليه كريم
حليم فينسى أو جهول يشيعهوما الناس إلا جاهل وحليم
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع