من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
الظلم
حدّثني عبد الرحمن بن عبد الله بن قريب قال: حدّثني الأصمعيّ قال:
أخبرنا بعض أشياخ البصرة أن رجلا وامرأته اختصما إلى أمير من أمراء العراق وكانت المرأة حسنة المتنقّب قبيحة المسفر، وكان لها لسان فكأن العامل مال معها فقال: يعمد أحدكم إلى المرأة الكريمة فيتزوّجها ثم يسيء إليها! فأهوى زوجها إلى النّقاب فألقاه عن وجهها فقال العامل: عليك اللعنة! كلام مظلوم ووجه ظالم.
وأنشد الرياشيّ في نحو هذا:
رأيت أبا الحجناء في الناس جائراولون أبي الحجناء لون البهائم
تراه على ما لاحه من سوادهوإن كان مظلوما له وجه ظالم
أبو حاتم عن الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء قال: كان رجل من العرب في الجاهلية إذا رأى رجلا يظلم ويعتدي يقول: فلان لا يموت سويّا. فيرون ذلك حتى مات رجل ممن قال ذلك فيه فقيل له: مات فلان سويا. فلم يقبل حتى تتابعت الأخبار. فقال: إن كنتم صادقين: فإن لكم دارا سوى هذه تجازون فيها.
كتب رجل من الكتّاب إلى سلطان: «أعيذك بالله من أن تكون لاهيا عن الشكر محجوبا بالنعم صارفا فضل ما أوتيت من السلطان إلى ما تقلّ عائدته وتعظم تبعته من الظلم والعدوان، وأن يستزلّك الشيطان بخدعه وغروره وتسويله فيزيل عاجل الغبطة وينسيك مذموم العاقبة، فإن الحازم من يذكر في يومه المخوف من عواقب غده ولم يغرّه طول الأمل وتراخي الغاية ولم يضرب في غمرة من الباطل ولا يدري ما تتجلّى به مغبّتها. هذا إلى ما يتبع الظالم من سوء المنقلب وقبيح الذكر الذي لا يفنيه كرّ الجديدين واختلاف العصرين».
حدّثني يزيد بن عمرو قال: حدّثنا معاوية بن عمرو قال: حدّثنا أبو إبراهيم السقّاء عن ليث عن مجاهد قال: «يؤتى بمعلم الصبيان يوم القيامة فإن كان عدل بين الغلمان وإلا أقيم مع الظلمة». وكان معاوية يقول: إني لأستحيي أن أظلم من لا يجد عليّ ناصرا إلا الله. وقال بلال: «إني لأستحيي أن أظلم وأحرج أن أظلم». وكان يقال: إذا أراد الله أن يتحف عبدا قيّض له من يظلمه.
كتب رجل إلى سلطان: «أحقّ الناس بالإحسان من أحسن الله إليه وأولاهم بالإنصاف من بسطت بالقدرة يداه».
ذكر الظلم في مجلس ابن عباس فقال كعب: إني لا أجد في كتاب الله المنزّل أنّ الظلم يخرب الديار. فقال ابن عباس: أنا أوجدكه في القرآن، قال الله، ﷿: فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا
حدّثني سهل بن محمد عن الأصمعي قال: كان فرعان وهو من بني
تميم لا يزال يغير على إبل الناس فيأخذ منها ثم يقاتلهم عليها إلى أن أغار على رجل فأصاب له جملا، فجاء الرجل فأخذ بشعره فجذبه فبرك، فقال الناس: كبرت والله يا فرعان. فقال: لا والله ولكن جذبني جذبة محقّ. وكان سديف بن ميمون مولى اللهبيين يقول: اللهمّ قد صار فيئنا دولة بعد القسمة وإمارتنا غلبة بعد المشورة وعهدنا ميراثا بعد الاختيار للأمة. واشتريت الملاهي والمعازف بسهم اليتيم والأرملة وحكّم في أبشار المسلمين أهل الذمة وتولى القيام بأمورهم فاسق كلّ محلّة. اللهمّ وقد استحصد زرع الباطل وبلغ نهايته واجتمع طريده. اللهمّ فأتح له يدا من الحق حاصدة تبدد شمله وتفرّق أمره ليظهر الحقّ في أحسن صوره وأتم نوره.
ولي أعرابي بعض النواحي فجمع اليهود في عمله وسألهم عن المسيح فقالوا: قتلناه وصلبناه. فقال: فهل أديتم ديته؟ قالوا: لا. قال: فوالله لا تخرجون أو تؤدّوها. فلم يبرحوا حتى أدّوها.
كان أبو العاج على جوالى البصرة فأتي برجل من النصارى: فقال ما اسمك؟ فقال: بنداذ شهر بنداذ. فقال: اسم ثلاثة وجزية واحد! لا والله العظيم. قال: فأخذ منه ثلاث جزى.
ولي أعرابي تبالة فصعد المنبر فما حمد الله ولا أثنى عليه حتى قال:
إن الأمير، أعزنا الله وإياه، ولّاني بلادكم هذه، وإني والله ما أعرف من الحق
موضع سوطي، ولن أوتى بظالم ولا مظلوم إلا أوجعتهما ضربا، فكانوا يتعاملون، بالحق بينهم ولا يرتفعون إليه. قال بعض الشعراء:
بني عمّنا، لا تذكروا الشّعر بعد مادفنتم بصحراء الغمير القوافيا
فلسنا كمن كنتم تصيبون سلّةفنقبل ضيما أو نحكّم قاضيا
ولكنّ حكم السيف فيكم مسلّطفنرضى إذا ما أصبح السيف راضيا
فإن قلتم وإنّا ظلمنا فلم نكنظلمنا ولكنّا أسأنا التقاضيا
وقال آخر:
تفرح أن تغلبني ظالماوالغالب المظلوم لو تعلم
وكانوا يتوقّون ظلم السلطان إذا دخلوا عليه بأن يقولوا: «بسم الله إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا
اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ
أخذت سمعك وبصرك بسمع الله وبصره. أخذت قوّتك بقوّة الله. بيني وبينك ستر النبوّة الذي كانت الأنبياء تستتر به من سطوات الفراعنة. جبريل عن يمينه وميكائيل عن يسارك ومحمد أمامك والله مطلع عليك ويحجرك عني ويمنعني منك».
وقال بعض الشعراء:
ونستعدي الأمير إذا ظلمنافمن يعدي إذا ظلم الأمير؟
وقال آخر:
إذا كان الأمير عليك خصمافلا تكثر فقد غلب الأمير
وكتب رجل إلى صديق له: قد كنت أستعديك ظالما على غيرك فتحكم لي وقد استعديتك عليك مظلوما فضاق عني عدلك، وذكّرني قول القائل:
كنت من كربتي أفرّ إليهمفهم وكربتي فأين الفرار؟
ونحوه:
والخصم لا يرتجى النجاح لهيوما إذا كان خصمه القاضي
حدّثني سهل بن محمد عن الأصمعيّ قال: كان يقال: ما أعطي أحد قطّ النّصف فأباه إلا أخذ شرا منه. قال: وقال الأحنف: ما عرضت النّصفة قطّ على أحد فقبلها إلا دخلتني له هيبة ولا ردّها إلا اختبأتها في عقله.
وقال البعيث:
وإني لأعطي النّصف من لو ظلمتهأقرّ وطابت نفسه لي بالظّلم
وقال الطائي:
يرى العلقم المأدوم بالعزّ أريةيمانية والأري بالضيم علقما
إذا فرشوه النّصف نامت شذاتهوإن رتعوا في ظلمه كان أظلما
وقال العباس بن عبد المطلب:
أبى قومنا أن ينصفونا فأنصفتقواطع في أيماننا تقطر الدّما
تركناهم ولا يستخلّون بعدهالذي رحم يوما من الدهر محرما
بلغنا عن ضمرة عن ثور بن يزيد قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض عمّاله: أمّا بعد، فإذا دعتك قدرتك على الناس إلى ظلمهم فاذكر قدرة الله عليك وفناء ما تؤتي إليهم وبقاء ما يؤتون إليك، والسلام.
وسمع ابن سيرين رجلا يدعو على من ظلمه، فقال: أقصر يا هذا، لا يربح عليك ظالمك.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع