من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
قولهم في الحبس
في الحديث المرفوع: «شكا يوسف ﵇ إلى الله، ﷿ طول الحبس فأوحى الله إليه: من حبسك يا يوسف، أنت حبست نفسك حيث قلت: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ
ولو قلت: العافية أحبّ إليّ لعوفيت».
حدّثني عبد الرحمن بن عبد المنعم عن أبيه عن وهب قال: «إن يوسف ﵇ دعا لأهل السجن دعوة لم تزل تعرف لهم إلى اليوم، قال:
اللهمّ، أعطف عليهم قلوب الأخيار ولا تعم عليهم الأخبار». فيقال: إنهم أعلم الناس بكل خبر في كل بلد.
وكتب على باب السجن: «هذه منازل البلوى وقبور الأحياء وتجربة الصديق وشماتة الأعداء».
أنشدني الرياشيّ:
ما يدخل السّجن إنسان فتسألهما بال سجنك إلا قال مظلوم
وقال أعرابي:
ولمّا دخلت السجن كبّر أهلهوقالوا: أبو ليلى الغداة حزين
وفي الباب مكتوب على صفحاتهبأنّك تنزو ثمّ سوف تلين
ويقال: إنّ قولهم «تنزو وتلين» رؤي مكتوبا على باب حبس فضربه الناس مثلا.
وقال بعض المسجونين:
وبتّ بأحصنها منزلاثقيلا على عنق السالك
وليس بضيف ولا في كراولا مستعير ولا مالك
ولست بغضب ولا كالرّهونولا يشبه الوقف عن هالك
ولي مسمعان فأدناهمايغنّي ويسمع في الحالك
وأقصاهما ناظر في السماعمدا وأوسخ من عارك
المسمع الأوّل قيده والثاني صاحب الحرس، ونحو قول الآخر:
ولي مسمعان وزمّارةوظلّ مديد وحصن أمقّ
الزمّارة الغلّ، وأصل الزمّارة السّاجور.
قال أبو عبيدة: اختصم خالد بن صفوان مع رجل إلى بلال بن أبي بردة، فقضى للرجل على خالد، فقام خالد وهو يقول:
سحابة صيف عن قليل تقشّع
فقال بلال: أما إنها لا تقشّع حتى يصيبك منها شؤبوب برد. وأمر به إلى الحبس، فقال خالد: علام تحبسني؟ فوالله ما جنيت جناية ولا خنت خيانة.
فقال بلال: يخبرك عن ذلك باب مصمت وأقياد ثقال وقيّم يقال له حفص.
قال الحجاج للغضبان بن القبعثري ورآه سمينا: ما أسمنك؟ قال: القيد والرّتعة، ومن كان في ضيافة الأمير سمن.
كان خالد بن عبد الله حبس الكميت الشاعر فزارته امرأته في السجن فلبس ثيابها وخرج ولم يعرف فقال:
ولما أحلّوني بصلعاء صيلمبإحدى زبى ذي اللّبدتين أبي الشّبل
خرجت خروج القدح قدح ابن مقبلعلى رغم اناف النوابح والمشلي
عليّ ثياب الغانيات وتحتهاعزيمة مرء أشبهت سلّة النّصل
وكان خالد بن عبد الله حبس الفرزدق فقال:
وإني لأرجو خالدا أن يفكّنيويطلق عني مقفلات الحدائد
فإن يك قيدي ردّ همّي فربماتناولت أطراف الهموم الأباعد
وما من بلاء غير كلّ عشيةوكلّ صباح زائر غير عائد
يقول لي الحداد هل أنت قائم؟وما أنا إلّا مثل آخر قاعد
وقال بعض الشعراء في خالد بن عبد الله القسريّ حين حبس:
لعمري لقد أعمرتم السجن خالداوأوطأتموه وطأة المتثاقل
فإن تحبسوا القسريّ لا تحبسوا اسمهولا تسجنوا معروفه في القبائل
وقال بعض المسجونين:
أسجن وقيد واغتراب وعسرةوفقد حبيب! إنّ ذا لعظيم
وإنّ امرأ تبقى مواثيق عهدهعلى كل هذا، إنه لكريم
وقال آخر مثله:
إلى الله أشكو إنه موضع الشكوىوفي يده كشف المصيبة والبلوى
خرجنا من الدنيا ونحن من اهلهافلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى
إذا جاءنا السّجّان يوما لحاجةعجبنا وقلّنا: جاء هذا من الدنيا
وتعجبنا الرّؤيا فجلّ حديثناإذا نحن أصبحنا، الحديث عن الرؤية
فإن حسنت لم تأت عجلى وأبطأتوإن قبحت لم تحتبس وأتت عجلى
وقال يزيد بن المهلّب وهو في الحبس: يا لهفي على طلبة بمائة ألف وفرج في جبهة أسد. ودخل الفرزدق على المهلّب وهو محبوس فقال:
أصبح في قيدك السماحة والجود وحمل الدّيات والحسب
فقال له: أتمدحني على هذه الحال؟ فقال: أصبتك رخيصا فاشتريتك.
وحبس الرشيد أبا العتاهية فكتب إليه من الحبس بأبيات منها:
تفديك نفسي من كل ما كرهتنفسك إن كنت مذنبا فاغفر
يا ليت قلبي مصوّر لك مافيه لتستيقن الذي أضمر
فوقّع الرشيد في رقعته: لا بأس عليك. فأعاد عليه رقعة أخرى. فيها:
كأنّ الخلق ركّب فيه روحله جسد وأنت عليه رأس
أمين الله، إن الحبس بأسوقد وقّعت «ليس عليك بأس»
فأمر بإطلاقه.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع