من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
الحجاب
أبو حاتم عن العتبي عن أبيه أن عبد العزيز بن زرارة الكلابي وقف
على باب معاوية فقال: من يستأذن لي اليوم فأدخله غدا؟ وهو في شملتين، فلما دخل على معاوية قال: هززت ذوائب الرحال إليك إذ لم أجد معوّلا إلا عليك. أمتطي الليل بعد النهار وأسم المجاهل بالآثار. يقودني نحوك رجاء وتسوقني إليك بلوى، والنفس مستطئة والاجتهاد عاذر. فأكرمه وقرّبه. فقال في ذلك.
دخلت على معاوية بن حربوذلك إذ يئست من الدخول
وما نلت الدخول عليه حتّىحللت محلّة الرّجل الذليل
وأغضيت الجفون على قذاهاولم أسمع إلى قال وقيل
فأدركت الذي أمّلت فيهبمكث والخطا زاد العجول
وقال غير العتبي: لما دخل عبد العزيز بن زرارة على معاوية قال له:
«إني رحلت إليك بالأمل واحتملت جفوتك بالصبر، ورأيت ببابك أقواما قدّمهم الحظّ، وآخرين باعدهم الحرمان. وليس ينبغي للمتقدم أن يأمن ولا للمتأخر أن ييأس. وأول المعرفة الاختبار فابل واختبر» وفي حجّاب معاوية إياه يقول شاعر مضر:
من يأذن اليوم لعبد العزيزيأذن له عبد عزيز غدا
قال أبو اليقظان: كان عبد العزيز بن زرارة فتى العرب.
استأذن أبو سفيان على عثمان فحجبه. فقيل له: حجبك أمير المؤمنين؟
فقال لا عدمت من قومي من إذا شاء حجبني. وحجب معاوية أبا الدرداء فقال
أبو الدرداء: من يغش سدد السلطان يقم ويقعد ومن صادف بابا عنه مغلقا وجد إلى جانبه بابا فتحا، إن دعا أجيب وإذا سأل أعطي.
قال رجل لحاجبه: إنك عين أنظر بها وجنّة أستنيم إليها، وقد ولّيتك بابي، فما تراك صانعا برعيتي؟ قال: أنظر إليهم بعينك وأحملهم على قدر منازلهم عندك وأضعهم في إبطائهم عن زيارتك ولزومهم خدمتك مواضع استحقاقهم وأرتّبهم حيث وضعهم ترتيبك وأحسن إبلاغك عنهم وإبلاغهم عنك. قال: قد وفّيت ما لك وما عليك إن صدّقته بفعل. وكان يقال: حاجب الرجل حارس عرضه.
وقرأت في التاج أن أبرويز قال لحاجبه: «لا تقدّمنّ مستغيثا ولا تضعنّ ذا شرف بصعوبة حجاب ولا ترفعنّ ذا ضعة بسهولته. وضع الرجال مواضع أخطارهم، فمن كان مقدّما له الشرف ممن ازدرعه ولم يهدمه من بعد بنائه فقدّمه على شرفه الأوّل وحسن رأيه الآخر، ومن كان له شرف مقدّم فلم يصن ذلك إبلاغا به ولم يزدرعه تثميرا له فألحق بآبائه مهلة سبقهم في خواصهم، وألحق به في خاصته ما ألحق بنفسه. لا تأذن له إلا دبرا ولا تأذن له إلا سرارا. وإذا ورد عليك كتاب عامل من عمّالي فلا تحبسه عني طرفة عين إلا أن أكون على حال لا تستطيع الوصول إليّ فيها، وإن أتاك مدّع لنصيحة فاستكتبها سرّا ثم أدخله بعد أن تستأذن له. حتى إذا كان مني بحيث أراه فادفع إليّ كتابه، فإن أحمدت قبلت وإن كرهت رفضت، ولا ترفعنّ إليّ طلبة
طالب إن منعته بخّلني وإن أعطيته ازدراني، إلا بمؤامرة مني من غير أن تعلمه أنك قد أعلمتني وإن أتاك عالم يستأذن عليّ لعلم يزعم أنه عنده فاسأله: ما علمه ذلك؟ ثم استأذن له فإن العلم كاسمه، ولا تحجبنّ سخطة ولا تأذننّ رضا، أخصص بذلك الملك ولا تخصّ به نفسك».
الهيثم قال: قال خالد بن عبد الله لحاجبه: «لا تحجبنّ عنّي أحدا إذا أخذت مجلسي، فإن الوالي لا يحجب إلا عن ثلاث: عيّ يكره أن يطّلع عليه منه، أو ريبة، أو بخل فيكره أن يدخل عليه من يسأله». ومنه أخذ ذلك محمود الورّاق فقال:
إذا اعتصم الوالي بإغلاق بابهوردّ ذوي الحاجات دون حجابه
ظننت به إحدى ثلاث وربّمانزعت بظنّ واقع بصوابه
فقلت به مسّ من العيّ ظاهرففي إذنه للناس إظهار ما به
فإن لم يكن عيّ اللسان فغالبمن البخل يحمي ما له عن طلابه
فإن لم يكن هذا ولا ذا فريبةيصرّ عليها عند إغلاق بابه
وقال بعض الشعراء:
إعلمن إن كنت تعلمهأنّ عرض الملك حاجبه
فبه تبدو محاسنهوبه تبدو معايبه
وقال آخر:
كم من فتى تحمد أخلاقهوتسكن الأحرار في ذمّته
قد كثّر الحاجب أعداءهوسلّط الذّمّ على نعمته
حضر باب عمر بن الخطاب ﵁ جماعة منهم سهيل بن عمرو وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس فخرج الآذن فقال: أين صهيب؟ أين عمّار؟ أين سلمان؟ فتمعّرت وجوه القوم. فقال واحد منهم: لم تتمعّر وجوهكم؟ دعوا ودعينا فأسرعوا وأبطأنا، ولئن حسدتموهم على باب عمر لما أعدّ الله لهم في الجنة أكثر.
وقال بعض الشعراء:
سأترك هذا الباب ما دام إذنهعلى ما أرى حتى يخفّ قليلا
إذا لم نجد للإذن عندك موضعاوجدنا إلى ترك المجيء سبيلا
وقال آخر لحاجب:
سأترك بابا أنت تملك إذنهوإن كنت أعمى عن جميع المسالك
فلو كنت بوّاب الجنان تركتهاوحوّلت رحلي مسرعا نحو مالك
وكتب أبو العتاهية إلى أحمد بن يوسف:
لئن عدت بعد اليوم إني لظالمسأصرف وجهي حيث تبغى المكارم
متى ينجح الغادي إليك بحاجةونصفك محجوب ونصفك نائم؟
وقال آخر:
ولست بمتّخذ صاحبايقيم على بابه حاجبا
إذا جئت قال له: حاجةوإن عدت ألفيته غائبا
ويلزم إخوانه حقّهوليس يرى حقّهم واجبا
فلست بلاقيه حتى المماتإذا أنا لم ألقه راكبا
وقال عبد الله بن سعيد في حاجب الحجّاج وكان يحجبه دائما:
ألا ربّ نصح يغلق الباب دونهوغشّ إلى جنب السرير يقرّب
وقال آخر:
ما ضاقت الأرض على راغبيطّلب الرزق ولا هارب
بل ضاقت الأرض على طالبأصبح يشكو جفوة الحاجب
وحجب رجل عن باب سلطان فكتب إليه: «نحن نعوذ بالله من المطامع الدنيّة والهمم القصيرة وابتذال الحرّية، فإن نفسي، والحمد لله، أبيّة ما سقطت وراء همّة ولا خذلها صبر عند نازلة ولا استرقّها طمع ولا طبعت على طبع وقد رأيتك ولّيت عرضك من لا يصونه ووصلت ببابك من يشينه وجعلت ترجمان عقلك من يكثر من أعدائك وينقص من أوليائك ويسيء العبارة عنك ويوجه وفد الذم إليك ويضغن قلوب إخوانك عليك إذ كان لا يعرف لشريف قدرا ولا لصديق منزلة، ويزيل المراتب عن جهل بها وبدرجاتها فيحطّ العليّ إلى مرتبة الوضيع ويرفع الدنيّ إلى مرتبة الرفيع ويحتقر الضعيف لضعفه وتنبو عينه عن ذي البذاذة ويميل إلى ذي اللباس والزينة ويقدّم على الهوى ويقبل الرّشا».
وقال بشار، وقيل هو لغيره:
تأبي خلائق خالد وفعالهإلّا تجنّب كلّ أمر عائب
فإذا أتيت الباب وقت غدائهأذن الغداء برغم أنف الحاجب
وهذا ضدّ قول الآخر:
إذا تغدّى فرّ بوّابهوارتدّ من غير يد بابه
ومات من شهوة ما يحتسيعياله طرّا وأصحابه
وقال آخر:
يا أميرا على جريب من الأرض له تسعة من الحجّاب
قاعدا في الخراب يحجب عنهما سمعنا بحاجب في خراب!
وقال آخر:
على أي باب أطلب الإذن بعد ماحجبت عن الباب الذي أنا حاجبه
وقال الطائي:
يا أيها الملك النائي برؤيتهوجوده لمراعي جوده كثب
ليس الحجاب بمقص عنك لي أملاإنّ السماء ترجّى حين تحتجب
وقال أيضا:
ومحجّب حاولته فوجدتهنجما عن الرّكب العفاة شسوعا
أعدمته لمّا عدمت نوالهشكري فرحنا معدمين جميعا
وقال آخر:
قد أطلنا بالباب أمس القعوداوجفينا به جفاء شديدا
وذممنا العبيد حتى إذا نحن بلونا المولى عذرنا العبيدا
وحجب رجل فكتب:
أبا جعفر، إن الولاية إن تكنمنبّلة قوما فأنت لها نبل
فلا ترتفع عنّا لشيء وليتهكما لم يصغّر عندنا شأنك العزل
وكتب رجل من الكتّاب في هذا المعنى إلى صديق له: «إن كان ذهولك عنا لدنيا أخضلت عليك سماؤها وأرتبت بك ديمها فإن أكثر ما يجري في الظن بك بل في اليقين منك أنك أملك ما تكون لعنانك أن يجمح بك ولنفسك، أن تستعلي عليك إذا لانت لك أكنافها وانقاد في كفّك زمامها؛ لأنك لم تنل ما نلت خلسا ولا خطفا، ولا عن مقدار جرف إليك غير حقك وأمال نحوك سوى نصيبك. فإن ذهبت إلى أنّ حقك قد يحتمل في قوّته وسعته أن تضمّ إليه الجفوة والنّبوة فيتضاءل في جنبه ويصغر عن كبيره فغير مدفوع عن ذلك. وايم الله لولا ما بليت به النفس من الظّنّ بك وأن مكانك منها لا
يسدّه غيرك لسخت عنك وذهلت عن إقبالك وإدبارك ولكان في جفائك ما يردّ من غرّتها ويبرّد من غلتها، ولكنه لما تكاملت النعمة لك تكاملت الرغبة فيك».
أبو حاتم عن العتبيّ قال: قال معاوية لحصين بن المنذر وكان يدخل عليه في أخريات الناس: يا أبا ساسان، كأنه لا يحسن إذنك. فأنشأ يقول:
كلّ خفيف الشأن يسعى مشمّراإذا فتح البوّاب بابك إصبعا
ونحن الجلوس الماكثون رزانةوحلما إلى أن يفتح الباب أجمعا
وقال بعض الشعراء في بشر بن مروان:
بعيد مردّ العين ما ردّ طرفهحذار الغواشي باب دار ولا ستر
ولو شاء بشر كان من دون بابهطماطم سود أو صقالبة حمر
ولكنّ بشرا يسّر الباب للتييكون له في غبّها الحمد والأجر
وقال بشر:
فلا تبخلا بخل ابن قرعة إنهمخافة أن يرجى نداه حزين
إذا جئته في العرف أغلق بابهفلم تلقه إلا وأنت كمين
فقل لأبي يحيى متى تدرك العلاوفي كل معروف عليك يمين؟
وقال ابن هرمة يمدح:
هشّ إذا نزل الوفود ببابهسهل الحجاب مؤدّب الخدّام
وإذا رأيت شقيقه وصديقهلم تدر أيّهما أخو الأرحام
وكتب رجل إلى بعض الملوك:
إذا كان الجواد له حجابفما فضل الجواد على البخيل
فكتب إليه الآخر:
إذا كان الجواد قليل مالولم يعذر تعلّل بالحجاب
وقال عبيد الله بن عكراش:
وإني لأرثي للكريم إذا غداعلى طمع عند اللئيم يطالبه
وأرثي له من مجلس عند بابهكمرثيتي للطّرف والعلج راكبه
وكتب عبد الله بن أبي عيينة إلى صديق له:
أتيتك زائرا لقضاء حقفحال السّتر دونك والحجاب
ولست بساقط في قدر قوموإن كرهوا كما يقع الذّباب
أبو حاتم عن عبد الله بن مصعب الزبيري قال: كنا بباب الفضل بن الربيع وهم يأذنون لذوي الهيئات والشارات وأعرابي يدنو فكلما دنا طرح.
فقام ناحية وأنشأ يقول:
رأيت آذننا يعتام بزّتناوليس للحسب الزاكي بمعتام
ولو دعينا على الأحساب قدّمنيمجد تليد وجدّ راجح نامي
متى رأيت الصقور الجدل يقدمهاخلطان من رخم قرع ومن هام؟
دخل شريك الحارثي على معاوية فقال له معاوية: من أنت؟ فقال له:
يا أمير المؤمنين، ما رأيت لك هفوة قبل هذه، مثلك ينكر مثلي من رعيته! فقال له معاوية: إن معرفتك متفرقة، أعرف وجهك إذا حضرت في الوجوه، وأعرف اسمك في الأسماء إذا ذكرت، ولا أعلم أن ذلك الاسم هو هذا الوجه، فاذكر لي اسمك تجتمع معرفتك.
إستأذن رجلان على معاوية فأذن لأحدهما وكان أشرف منزلة من الآخر، ثم أذن للآخر فدخل عليه فجلس فوق صاحبه. فقال معاوية: إن الله قد ألزمنا تأديبكم كما ألزمنا رعايتكم، وأنّا لم نأذن له قبلك ونحن نريد أن يكون مجلسه دونك. فقم لا أقام الله لك وزنا.
دخل أبو مجلز على عمر بن عبد العزيز حين أقدمه من خراسان، فلم
يقبل عليه. فلما خرج قال له بعض من حضر المجلس. هذا أبو مجلز. فردّه واعتذر إليه وقال: إني لم أعرفك. قال: يا أمير المؤمنين، فهلا أنكرتني؟.
قال أشجع السلمي يذكر باب محمد بن منصور بن زياد:
على باب ابن منصورعلامات من البذل
جماعات وحسب الباب فضلا كثرة الأهل
وكانت العرب تتعوّذ بالله من قرع الفناء ومن قرع المراح. وقال بعض الشعراء:
مالي أرى أبوابهم مهجورةوكأنّ بابك مجمع الأسواق
أرجوك أم خافوك أم شاموا الحيابحراك فانتجعوا من الآفاق
وقال آخر:
يزدحم الناس على بابهوالمشرب العذّب كثير الزحام
وقال آخر:
إن النّدى حيث ترى الضّغاطا
يعني الزحام.
وقال بشار:
ليس يعطيك للرجاء ولا الخوف ولكن يلذّ طعم العطاء
يسقط الطير حيث ينتثر الحبّ وتغشى منازل الكرماء
دقّ رجل على عمر بن عبد العزيز الباب فقال عمر: من هذا؟ قال: أنا قال عمر: ما نعرف أحدا من إخواننا يسمّى أنا.
خرج شبيب بن شيبة من دار الخلافة يوما فقال له قائل: كيف رأيت الناس؟ فقال: رأيت الداخل راجيا ورأيت الخارج راضيا.
قال أبو العتاهية:
إذا اشتدّ دوني حجاب امرىءكفيت المؤونة حجّابه
حجب أعرابي على باب السلطان فقال:
أهين لهم نفسي لأكرمها بهمولا يكرم النفس الذي لا يهينها
وقال جرير:
قوم إذا حضر الملوك وفودهمنتفت شواربهم على الأبواب
وقال آخر:
لما وردت الباب أيقنت أنناعلى الله والسلطان غير كرام
وقال أبو القمقام الأسدي:
أبلغ أبا مالك عني مغلغلةوفي العتاب حياة بين أقوام
أدخلت قبلي قوما لم يكن لهممن قبل أن يلجوا الأبواب قدّامي
لو عدّ بيت وبيت كنت أكرمهمبيتا وأبعدهم من منزل الذّام
فقد جعلت إذا ما حاجتي نزلتبباب دارك أذلوها بأقوام
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع