من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
ما أوحى الله جل وعز الى انبيائه ﵈
حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثنا خلف بن تميم عن أبي عصمة الشاميّ عن ابن أخت وهب بن منبّه عن وهب قال: أوحى الله إلى نبيّ من أنبياء بني إسرائيل يقال له أرمياء حين ظهرت فيهم المعاصي: أن قم بين ظهراني قومك فأخبرهم أنّ لهم قلوبا ولا يفقهون، وأعينا ولا يبصرون، وآذانا ولا يسمعون، وأنّي تذكرت صلاح آبائهم، فعطّفني ذلك على أبنائهم، سلهم كيف وجدوا غبّ طاعتي، وهل سعد أحد ممن عصاني بمعصيتي، وهل شقي أحد ممن أطاعني بطاعتي! إنّ الدوابّ تذكر أوطانها فتنزع إليها، وإنّ هؤلاء القوم تركوا الأمر الذي أكرمت عليه آباءهم، والتمسوا الكرامة من غير وجهها.
أما أحبارهم فأنكروا حقّي؛ وأما قرّاؤهم فعبدوا غيري؛ وأمّا نسّاكهم فلم ينتفعوا بما علّموا من حكمتي؛ وأمّا ولاتهم فكذبوا عليّ وكذّبوا رسلي، خزنوا المكر في قلوبهم، وعوّدوا الكذب ألسنتهم؛ وإني أقسم بجلالي وعزتي لأهيّجنّ عليهم جنودا لا يفقهون ألسنتهم، ولا يعرفون وجوههم، ولا يرحمون بكاءهم؛ ولأبتعثنّ فيهم ملكا جبّارا قاسيا، له عساكر كقطع السحاب، ومواكب كأمثال العجاج، كأنّ خفقان راياته طيران النسور، وكأنّ حمل فرسانه كرّ
العقبان، يعيدون العمران خرابا، ويتركون القرى وحشة. فياويل إيلياء وسكانها! كيف أذلّلهم للقتل، وأسلّط عليهم السّباء، وأعيد بعد لجب الأعراس صراخ الهام، وبعد صهيل الخيل عواء الذئاب، وبعد شرفات القصور مساكن السباع، وبعد ضوء الشّرج رهج العجاج. ولأبدلنّ رجالهم بتلاوة الكتاب انتهار الأرباب، وبالعزّ الذلّ، وبالنعمة العبوديّة. ولأبدلنّ نساءهم بالطّيب التراب، وبالمشي على الزّرابيّ الخبب؛ ولأجعلنّ أجسادهم زبلا للأرض، وعظامهم ضاحية للشمس. وفي رواية أخرى: ولأدوسنّهم بألوان العذاب، حتى لو كان الكائن خاتما في يميني لوصلت الحرب إليه؛ ثم لآمرنّ السماء فلتكوننّ طبقا من حديد، والأرض فلتكوننّ سبيكة من نحاس، فإن أمطرت السماء وأنبتت الأرض شيئا في خلال ذلك فبرحمتي للبهائم، ثم أحبسه في زمن الزرع وأرسله في زمن الحصاد، فإن زرعوا خلال ذلك شيئا سلّطت عليه الآفة، فإن خلص منه شيء نزعت منه البركة، فإن دعوني لم أجبهم، وإن سألوا لم أعطهم، وإن بكوا لم أرحمهم، وإن تضرّعوا صرفت وجهي عنهم.
حدّثني عبد الرحمن عن عبد المنعم عن أبيه عن وهب: أنّ الله، ﷿، أوحى إلى موسى بن منسى بن يوسف أن قل لقومك: إني بريء ممن سحر أو سحر له، أو تكهّن أو تكهّن له، أو تطيّر أو تطيّر له؛ من آمن بي صادقا فليتوكّل عليّ صادقا، فكفى بي مثيبا؛ ومن عدل عنيّ ووثق بغيري فإني
خير شريك أردّ عليه ما توسّل به إليّ، وأكله إلى من توكل عليه؛ ومن وكلته إلى غيري فليستعدّ للفتنة والبلاء.
وحدّثني بهذا الإسناد قال: أوحى الله إلى داود ﵇ في الزّبور:
يا عبدي الشكور، إني قد وهبت لك الزّبور، وأتبعته بنصح منّي من أعين السطور، ومن الوحي المحفوظ المحجوب من وراء الستور، فاعبدني به في الأيام والليالي والشهور؛ وأحببني من كلّ قلبك، وحبّبني إلى خلقي، وأبغض من عبادي كلّ منافق جهول، قال: يا ربّ كيف أحبّبك إلى خلقك؟ قال:
تذكّرهم آلائي.
وبهذا الإسناد قال: أنزل الله على إبراهيم ﵇ عشرين صحيفة، وكانت صحفه أمثالا وعبرا وتسبيحا وتمجيدا وتهليلا، فكان فيها؛ أيها الملك المسلّط المغرور المبتلى، إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض ولتبني المدائن والحصون، ولكن بعثتك لتردّ عني دعوة المظلوم، فإني لا أردّها ولو كانت من كافر.
وبهذا الإسناد أن الله تعالى قال لشعيا: قم في قومك أوح على لسانك؛ فلما قام شعيا أنطق الله لسانه بالوحي، فقال: يا سماء استمعي، يا أرض أنصتي، فأنصتت الأرض واستمعت السماء؛ فقال: إن الله يقول لكم:
إني استقبلت بني إسرائيل بالكرامة وهم كالغنم الضائعة لا راعي لها، فآويت شاذّتها، وجمعت ضالتها، وجبرت كسيرها، وداويت مريضها، وأسمنت مهزولها؛ فبطرت فتناطحت، فقتل بعضها بعضا حتى لم يبق منها عظم صحيح يجبر إليه آخر كسير. إنّ الحمار مما يتذكر آريّه الذي شبع عليه
فيراجعه، وإنّ الثور مما يتذكر مرجه الذي يمن فيه فينتابه، وإنّ البعير مما يتذكر وطنه الذي نتج فيه فينزع إليه، وإنّ هؤلاء القوم لا يذكرون أنّي جاءهم الخير وهم أهل الألباب وأهل العقول، ليسوا بإبل ولا بقر ولا حمير، وإني ضارب لهم مثلا فاسمعوه: قل لهم: كيف ترون في أرض كانت زمانا من زمانها خربة مواتا لا حرث فيها، وكان لها ربّ قويّ حليم، فأحاط عليها سياجا وشيّد فيها قصرا وأنبط فيها نهرا وصنّف فيها غراسا من الزيتون والرّمان والنخيل والأعناب وألوان الثمار، وولّى ذلك ذا رأي وهمّة حفيظا قويّا أمينا؛ فلما جاء إبّان إثمارها أثمرت خرّوبا، ما كنتم قائلين له ومشيرين عليه؟ قالوا:
كنا نقول: بئست الأرض أرضك، ونشير عليه أن يقلع سياجها، ويهدم قصرها، ويدفن نهرها، ويحرق غرسها حتى تعود خربة مواتا لا عمران فيها؛ قال الله تعالى: قل لهم، إن السياج ذمتي، وإنّ القصر شريعتي، وإن النهر كتابي، وإن القيم نبيّ، وإن الغرس مثل لهم، والخرّوب أعمالهم الخبيثة؛ وإني قد قضيت عليهم قضاءهم على أنفسهم، يتفزّبون إليّ بذبح الغنم والبقر وليس ينالني اللحم ولا آكله. ويدعون أن يتقرّبوا إليّ بالتقوى والكفّ عن ذبح الأنفس التي حرّمتها ويشيّدون لي البيوت ويزوّقون لي المساجد؛ وأيّ حاجة بي إلى تشييد البيوت ولست أسكنها، وإلى تزويق المساجد ولست أدخلها؛ إنما أمرت برفعها لأذكر فيها وأسبّح، وينجّسون أنفسهم وعقولهم وقلوبهم ويخرّبونها، يقولون: لو كان يقدر على أن يجمع ألفتنا لجمعها، ولو كان يقدر على أن يفقّه قلوبنا لفقّهها. فاعمد إلى عودين يابسين فاكتب فيهما كتابا ثمّ ائت ناديهم أجمع ما يكونون، فقل للعودين: إن الله يأمركما أن تعودا عودا واحدا؛ فقال لهما ذلك، فاختلطا فصارا عودا واحدا، وصار الكتاب في طرفي العود كتابا واحدا: يا معشر القبائل، إن الله يقول لكم: إني قدرت على أن أفقّه العيدان اليابسة وعلى أن أؤلّف بينها؛ فكيف لا أقدر على أن أجمع
ألفتكم إن شئت؟ أم كيف لا أقدر على أن أؤلّف قلوبكم؟ يقولون: صمنا فلم يرفع صيامنا وصلّينا فلم تنوّر صلاتنا وزكّينا فلم تزك زكاتنا، ودعونا بمثل حنين الحمام، وبكينا بمثل عواء الذئاب، في كلّ ذلك كلا يسمع منّا ولا يستجاب لنا؛ قال الله ﵎: سلهم لم ذلك؟ وما الذي منعني أن أجيبهم؟
ألست أسمع السامعين وأبصر الناظرين وأقرب المجيبين وأرحم الراحمين؟
ألأنّ خزائني فنيت؟ كيف ويداي مبسوطتان بالخير أنفق كيف أشاء؟ أم لأن ذات يدي قلّت؟ كيف ومفاتيح الخير بيدي لا يفتحها ولا يغلقها غيري؟ أم لأنّ رحمتي ضاقت؟ كيف ورحمتي وسعت كلّ شيء؟ وإنما يتراحم بفضلها المتراحمون! أم لأنّ البخل يعتريني؟ كيف وأنا النفاح بالخيرات أجود من أعطى وأكرم من سئل؟ ولكن كيف أرفع صيامهم وهم يلبسونه بقول الزور ويتقوّون عليه بطعمة الحرام؟ كيف أنوّر صلاتهم وقلوبهم صاغية إليّ من يحادّني وينتهك محارمي؟ أم كيف أستجيب دعاءهم وإنما هو قول بألسنتهم والعمل من ذلك بعيد؟ أم كيف تزكو صدقاتهم وهي من أموال غيرهم؟ إنما أجزي عليها المغصوبين. وإنّ من علامة رضاي رضا المساكين.
قال وهب: وفيما ناجى الله به موسى ﵇: لا تعجبكما زينة ولا ما متّع به، ولا تمدّا إلى ذلك أعينكما فإنها زهرة الحياة الدنيا وزينة المترفين.
ولو شئت أن أزيّنكما بزينة يعلم فرعون حين ينظر إليها أنّ مقدرته تعجز عما أوتيتما فعلت، ولكنّي أرغب بكما عن ذلك وأزويه عنكما؛ وكذلك أفعل بأوليائي، إني لأذودهم عن نعيمها ورخائها كما يذود الراعي الشفيق غنمه عن مراتع الهلكة وإني لأحميهم عيشها وسلوتها كما يجنب الراعي الشفيق إبله مبارك العرّ، وما ذاك لهوانهم عليّ، ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي
سالما موفّرا لم يكلمه الطمع ولم يطبّعه الهوى. واعلم أنه لن يتزيّن العباد بزينة أبلغ فيما عندي من الزهد في الدنيا، إنما هي زينة الأبرار عندي، وأنقى ما تزيّن به العباد في عيني عليهم منها، لباس يعرفون به من السكينة والخشوع، سيماهم النحول والسجود، أولئك أوليائي حقا. فإذا لقيتهم فاخفض لهم جناحك، وذلّل لهم قلبك ولسانك.
واعلم أنه من أهان لي وليّا أو أخافه، فقد بارزني بالمحاربة وبادأني وعرّضني لنفسه ودعاني إليها، وأنا أسرع شيء إلى نصرة أوليائي، أفيظنّ الذي يحاربني فيهم أنهم يقوم لي؟ أم يظنّ الذي يعاديني فيهم أنه يعجزني؟ أم يظنّ الذي يبادرني إليهم أنه يسبقني أو يفوتني؟ كيف وأنا الثائر لهم في الدنيا والآخرة، لا أكل نصرهم إلى غيري؟
وفي التوراة: أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇ بطور سيناء: يا موسى بن عمران صاحب جبل لبنان، أنت عبدي وأنا إلهك الديّان؛ لا تستذلّ الفقير، ولا تغبط الغنيّ بشيء يسير؛ وكن عند ذكري خاشعا، وعند تلاوة وحيي طائعا؛ أسمعني لذاذة التوراة بصوت حزين.
وفيما أوحى الله إلى عيسى ﵇: أنزلني من نفسك كهمّك، واجعلني ذخرك في معادك، وتقرّب إليّ بالنوافل أدنك، وتوكّل عليّ أكفك، ولا تولّ غيري فأخذلك؛ اصبر على البلاء، وارض بالقضاء، وكن كمسرّتي فيك، فإنّ مسرّتي أن أطاع، وأحي ذكري بلسانك، وليكن ودّي في قلبك؛ تيقّظ لي في ساعات الغفلة، وكن راهبا لي وراغبا إليّ. أمت قلبك بالخشية؛ راع الليل لتحرّي مسرّتي، واظمأ لي نهارك لليوم الذي عندي؛ نافس في
الخيرات جهدك. قم في الخليقة بعدلي، واحكم فيهم بنصيحتي، فقد أنزلت عليك شفاء وساوس ما في الصدور من مرض الشيطان، وجلاء الأبصار من غشاء الكلال؛ ولا تكن حلسا كأنك مقبور وأنت حيّ تتنفّس. إكحل عينيك بملمول الحزن إذا ضحك البطّالون. إبك على نفسك أيّام الحياة بكاء من قد ودّع الأهل وقلى الدنيا، وترك اللذات لأهلها، وارتفعت رغبته فيما عند إلهه. طوبى لك إن نالك ما وعدت الصابرين! ترجّ من الدنيا يوما فيوما، وارض بالبلغة، وليكفك منها الخشن. تذّوق مذاقة ما قد خلا أين طعمه! وما لم يأت أين لذّته! لو رأت عيناك ما أعددت لأوليائي لذاب قلبك وزهقت نفسك شوقا إليه.
وفيما قال للحواريّين: بحقّ أقول لكم: إنّ شجر الأرض بمطر السماء تعيش وتزكو، وكذلك القلوب بنور الحكمة تبصر وتهتدي؛ بحقّ أقول لكم:
إنه من ليس عليه دين أروح وأقلّ همّا ممن عليه دين وإن حسن قضاؤه، وكذلك من لم يعمل الخطيئة أروح وأقلّ همّا ممن عمل بها وإن حسنت توبته. إنّ الدابة تزداد على كثرة الرياضة خيرا، وقلوبكم لا تزداد على كثرة الموعظة إلا قسوة. إنّ الجسد إذا صلح كفاه القليل من الطعام، وإنّ القلب إذا صحّ كفاه القليل من الحكمة. كم من سراج قد أطفأته الريح، وكم من عابد قد أفسده العجب. يا بني إسرائيل، استمعوا قولي، فإنّ مثل من يستمع قولي ثم يعمل به مثل رجل حكيم أسس بنيانه على الصّفا، فمطرت السماء وسالت الأودية وضربته الرياح فثبت بنيانه ولم يخرّ، ومثل الذي يستمع قولي
ثم لا يعمل به مثل رجل سفيه أسّس بنيانه على الرمل، فمطرت السماء وسالت الأودية وهاجت الريح فضربته فسقط بنيانه. يا بني إسرائيل، ما يغني عن الأعمى سعة نور الشمس وهو لا يبصرها! وما يغني عن العالم كثرة العلم وهو لا يعمل به!. بحقّ أقول لكم: إنّ قائل الحكمة وسامعها شريكان، وأولاهما بها من حقّقها بعمله. بحقّ أقول لكم: لو وجدتم سراجا يتوقّد بالقطران في ليلة مظلمة لاستضأتم بنوره ولم يمنعكم منه نتن قطرانه، فكذلك ينبغي لكم أن تأخذوا الحكمة ممن وجدتموها عنده.
بلغني عن محمد بن فضيل عن عمران بن سليم قال: بلغني أنّ عيسى ابن مريم قال لأصحابه: إن كنتم إخواني وأصحابي فوطّنوا أنفسكم على العداوة والبغضاء من الناس؛ إنكم لا تدركون ما تطلبون إلا بترك ما تشتهون، ولا تنالون ما تحبّون إلا بالصبر على ما تكرهون. إياكم والنّظرة، فإنها تزرع في القلب الشهوة. طوبى لمن كان بصره في قلبه ولم يكن قلبه في بصره! قال: وبلغني أنّ عيسى خرج على أصحابه وعليه جبّة من صوف وكساء وتبّان حافيا مجزوز الرأس والشاربين باكيا شعثا مصفرّ اللون من الجوع يابس الشّفتين من العطش، طويل شعر الصدر والذراعين والساقين؛ فقال: السلام عليكم يا بني إسرائيل، أنا الذي أنزلت الدنيا منزلها، ولا عجب ولا فخر، أتدرون أين بيتي؟ قالوا: أين بيتك يا روح الله؟ قال: بيتي المساجد، وطيبي الماء، وإدامي الجوع، ودابتي رجلي، وسراجي بالليل القمر، وصلائي في الشتاء مشارق الشمس، وطعامي ما تيسّر، وفاكهتي وريحاني بقول الأرض، ولباسي الصوف، وشعاري الخوف، وجلسائي الزّمني والمساكين، أصبح
وليس لي شيء، وأمسي وليس لي شيء، وأنا طيّب النفس غنيّ مكثر، فمن أغنى وأربح مني!.
وقرأت في بعض الكتب: عبدي! ما يزال ملك كريم قد صعد إليّ منك بعمل قبيح؛ أتقرّب إليك بالنّعم، وتتمقّت إليّ بالمعاصي؛ خيري إليك نازل، وشرّك إليّ صاعد.
وفي التوراة: لعلّك يا إسرائيل إذا أنت خرجت من البرّيّة فدخلت الأرض المقدّسة، أرض بني آبائك إبراهيم وإسحاق، فإنها تفيض برّا وشعيرا ولبنا وعسلا، فورثت بيوتا بناها غيرك وعصرت كروما غرسها غيرك، فأكلت وشربت وتنعّمت بشحم لباب القمح، ضرّبت بيدك إلى صدرك ورمحت كما ترمح الدابّة برجليها، وقلت: بشدّتي وبقوّتي وبأسي ورثت هذه الأرض وغلبت أهلها، ونسيت نعمتي عليك! فأقذف الرّعب في صدرك إذا أنت لقيت عدوّك، وإذا هبّت الريح فتقعقع لها ورق الشجر انهزمت، فأقلّ رجالك، وأرمّل نساءك، وأيتّم أبناءك، وأجعل السماء عليك نحاسا والأرض حديدا، فلا السماء تمطر ولا الأرض تنبت، وأقلّ لك البركة حتى تجتمع نسوة عشر يختبزن في تنوّر واحد.
بلغني عن عبد الرحمن المحاربيّ عن جعفر بن برقان قال: بلغني عن وهب بن منبّه قال: أجد في الكتاب أنّ قوما يتدّينون لغير العبادة، ويختلون الدنيا بعمل الآخرة، يلبسون مسوك الضأن على قلوب الذئاب، ألسنتهم
أحلى من العسل وأنفسهم أمرّ من الصبر، أبى يغترّون! أم إياي يخادعون! أقسمت لأبعثنّ عليهم فتنة يعود الحليم فيها حيران.
وقرأت في الإنجيل: «لا تجعلوا كنوزكم في الأرض حيث يفسدها السّوس والدود وحيث ينقب السراق، ولكن اجعلوا كنوزكم في السماء فإنه حيث تكون كنوزكم تكون قلوبكم. إنّ العين هي سراج الجسد فإذا كانت عينك صحيحة فإن جسدك كلّه مضيء. وإنه لا يستطيع أحد أن يعمل لربّين اثنين إلا أن يحبّ أحدهما ويبغض الآخر، ويوقّر أحدهما ويهين الآخر، فكذلك لا تستطيعون أن تعملوا لله وللمال. ولا يهمّنّكم ما تأكلون وما تشربون وما تلبسون، أليست النفس أفضل من الطعام، والجسد أفضل من اللباس؟
أنظروا إلى طير السماء فإنهنّ لا يزرعن ولا يحصدن ولا يجمعن في الأهراء، وأبوكم الذي في السماء هو الذي يرزقهنّ، أفلستم أفضل منهنّ؟
وأيّكم الذي إذا جهد قدر أن يزيد في طوله ذراعا واحدا! فلم تهتمون باللباس؟ اعتبروا بسوس البرّيّة فإنه لا يعمل ولا يغزل، أنا أقول: إنّ سليمان بوقاره لم يستطع أن يلبس كواحدة منه؛ فإذا كان الله يلبس عشب الأرض الذي ينبت اليوم ويلقى في النار غدا أفلستم يا قليلي الإيمان أفضل منه؟ ولا نهتمّوا فتقولوا: ماذا نأكل وماذا نشرب وماذا نلبس، فإنه إنما يهتمّ لذلك ابن الدنيا؛ وإنّ أباكم الذي في السماء يعلم أنّ ذلك ينبغي لكم؛ فابدأوا فالتمسوا ملكوت الله وصدّيقيّته، فإنكم سوف تكفون. ولا يهمّنّكم ما في غد، فإنّ غدا مكتف بهمه، وحسب اليوم شرّه. وكما تدينون تدانون، وبالمكيال الذي
تكيلون يكال لكم. وكيف تبصر القذاة في عين أخيك ولا تبصر السارية في عينك؟ لا تعطوا الكلاب القدس، ولا تلقوا لؤلؤكم للخنازير. سلوا تعطوا، وابتغوا تجدوا، واستفتحوا يفتح لكم، وانظروا الذي تحبّون أن يأتي الناس إليكم فاتوا إليهم مثله. أدخلوا الباب الضيّق، فإنّ الباب والطريق إلى الهلكة عريضان، والذين يسلكونهما كثير. وما أضيق الباب والطريق اللذين يبلّغان إلى الحياة! والذين يسلكونهما قليل».
وقال له رجل: أتبعك حيث ذهبت؛ فقال له عيسى: للثعالب جحرة، ولطير السماء كنان، وليس لابن الإنسان مكان يسند فيه رأسه.
وقال له رجل من الحواريّين: أتأذن لي أن أدفن أبي؟ فقال له: دع الموتى يدفنون موتاهم واتبعني. وقال للحواريّين: لا تتزوّدوا شيئا، فإنّ العائل محقوق أن يطعم قوته، وإني أرسلكم كالخرفان بين الذئاب، فكونوا حلماء كالحيّات وبلها كالحمام. وإذا دخلتم البيت فسلّموا على البيت، فإن كان ذلك البيت أهلا لسلامكم فليصبهم، وإن لم يكن أهلا لسلامكم فإنه يرجع إليكم.
ومن لم يؤوكم ويسمع لقولكم، فإذا خرجتم من قريته فانفضوا الغبار عن أرجلكم.
حدّثني عبد الرحمن عن عبد المنعم عن أبيه عن وهب قال: كان فيما ناجى به عزير ربّه: اللهمّ فإنّ لك من كلّ خلق خلقته خيرة اخترتها، وإنك اخترت من النبات الحبلة، ومن المواشي الضائنة، ومن الطير الحمامة، ومن
البيوت بيت إيلياء، ومن إيلياء بيت المقدس، ومن جميع الخلائق آدم، ومن ولد آدم نوحا، ومن ولد نوح إبراهيم، ومن ولد إبراهيم إسماعيل وإسحاق، ومن ولد إسحاق إسرائيل؛ اللهمّ فاصبحت خيرتك قد تمّت ونفذت في كلّ ما اخترت إلا ما كان من ولد خليلك إبراهيم، فإنّهم أصبحوا أعبدا لأهل معصيتك وخولا لأعدائك، فما الذي سلّط علينا ذلك؟ أمن أجل خطايانا؟
فالخاطئون ولدونا، أو من أجل ضعفنا؟ فمن ضعف خلقنا؛ قال: فجاءني الملك فكلّمني، فبينما أنا كذلك سمعت صوتا هالني فنظرت، فإذا امرأة حاسرة عن رأسها، ناشرة شعرها، شاقّة جيبها، تلطم وجهها. وتصرخ بأعلى صوتها، وتحثو التراب على رأسها، فأقبلت عليها وتركت ما كنت فيه، فقلت لها: ما بالك أيتّها المرأة وما الذي دهاك؟ أخبريني خبرك، فقد أصابت المصائب غيرك؛ قالت: إليك عنّي أيها الرجل، فإن ربّي هو الذي أبكاني، ومصيبتي أعظم مما ترى؛ فقلت: فإنّ في الله عزاء من كلّ مصيبة، وخلفا من كلّ هالك، وعوضا من كلّ فائت، فإياه فاستعيني، وإلى نظره لك فانظري؛ قالت: إني كنت امرأة كثيرا مالي، عظيما شرفي، وكنت عاقرا لا ولد لي، وكنت عند بعل له نسوة معي وكلّهن ولد له غيري، فملن به لحبّ الولد فصرف وجهه عنّي، فحزنت وحزن أهلي وصديقي، فلما رأيت هواني عليه وسقوط منزلتي عنده، رغبت إلى ربي ودعوته فأجابني، واستوهبته غلاما فوهبه لي، فقرّت به عيني، وفرح أهلي، وعطّف الله به زوجي، وقطع عنّي ألسنة ضرائري، فربّيت غلاما لم تحمل أنثى مثله حسنا وجمالا ونضرة وتماما، فلما بلغ أشدّه وكمل به سروري خطبت عليه عظيمة قومي، وبذلت دونه مالي، وخرجت من خلعتي، وجمعت رجال قومي، فخرج يمشي بينهم حتّى دخل
بيته، فلما قعد على سريره، خرّ منه فاندقّت عنقه فمات ابني وضلّ عملي وبطل نصيبي وتلف مالي، فخرجت إلى هذه البرّيّة أبكيه فيها لا أريد أن أرى أثرا من آثاره ولا أحدا من أصحابه، ولن أبرح أبكيه حتّى ألحق به. قال عزير: اذكري ربّك وراجعيه، فقد أصابت المصائب غيرك أما رأيت هلاك إيلياء وهي سيّدة المدائن وأمّ القرى؟ أو ما رأيت مصيبة أهلها وهم الرجال؟
قالت: إي، رحمك الله! إن هذا ليس لي بعزاء وليست لي بشيء منه أسوة، إنما تبكي مدينة خربت، ولو تعمر عادت كما كانت، وإنما تبغي قوما وعدهم الله الكرّة على عدوّهم، وأنا أبكي على أمر قد فات، وعلى مصيبة لا أستقيلها؛ قال عزير: فإنه خلق لما صار إليه، وكلّ شيء خلق للدنيا فلابدّ أن سيفنى، أما رأيت مدينتنا أصبحت خاوية على عروشها بعد عمارتها، وأوحشت بعد أنسها وأثاثها؟ أو ما رأيت مسجدنا كيف غيّر حسنه، وهدم حصنه، وأطفىء نوره؟ أو ما رأيت عزّ أهلها كيف ذلّ، وشرفهم كيف خمل، ومجدهم كيف سقط، وفخرهم كيف بطل؟ أو ما رأيت كتاب الله كيف أحرق، ووليّ الله كيف رفع، وتابوت السكينة كيف سبي؟ أو ما رأيت نساء الملوك وبناتهم في بطون الأسواق حاسرات عن السّوق والوجوه والأشعار؟ أو ما رأيت الأشياخ الذين على وجوههم النور والسكينة مقرّنين في الحبال والقطار ! أو ما رأيت
الأحبار والرهبان مصفّدين في الإسار؟ أو ما رأيت أبناء موسى وهارون تضرب عليهم السّهام ويقتسمهم الأشرار، وولدان الملوك خدما للكفّار؟ أو ما رأيت قتلانا لم يوار أحدا منهم قبر، ولم يعهد أحد منهم إلى ولد؟ فالحكماء مبهوتون، والعلماء يموجون، والحلماء متحيّرون، وأهل الرأي ملقون بأيديهم مستسلمون. قال: فبينا أنا أكلّمها غشّى وجهها نور مثل شعاع الشمس حال بيني وبين النظر إليها، فخمّرت من شدّته وجهي ورددت يدي على بصري، ثم كشفت وجهي فإذا أنا لا أحسّها ولا أرى مكانها، وإذا مدينة قد رفعت لي حصينة بسورها وأبوابها، فلما نظرت إلى ذلك خررت صعقا، فجاءني الملك فأخذ بضبعيّ ونعّشني وقال لي: ما أضعفك يا عزير! وقد زعمت أنّ بك من القوّة ما تخاطب به ربّك وتدلي بالعذر عن الخاطئين من بني إسرائيل؛ قال له عزير: مثل الذي رأيت وعاينت أضعفني وأذهب روحي؛ قال الملك: فإنّ المرأة التي كلّمتك هي المدينة التي تبكي عليها، صورّها الله لك في صورة أنثى فكلّمتك، فافقه عنها: أما قولها: أنها عمّرت زمانا من دهرها عاقرا لا ولد لها، فكذلك كانت إيلياء صعيدا من الأرض خرابا لا عمران فيها أكثر من ثلاثة آلاف سنة. وأمّا قولها: إنّ الله وهب لها غلاما عند اليأس، فذلك حين أقبل الله عليها بالعمران فابتعث الله منها أنبياءه وأنزل كتابه. وأما قولها: إنه هلك ولدها حين كمل في سرورها، فذلك حين غيّر أهلها نعم الله وبدّلوها ولم يزدادوا بالنعم عليهم إلا جرأة على الله وفسادا، فغيّر الله ما بهم وسلّط عليهم عدوّهم حتى أفناهم، وقد شفّعك الله في قومك وكتابك ومدينتك، وسيعيدها الله عامرة كما رأيت: عليها حيطانها وأبوابها، وفيها مساجدها وأنهارها
وأشجارها.
وحدّثني بهذا الإسناد قال: لما أمر الله إبراهيم أن يذبح إسحاق ﵉ ويجعله قربانا، أسرّ ذلك إلى خليل له يقال له: العازر؛ فقال له الصديق: إن الله لا يبتلي بمثل هذا مثلك، ولكنّه يريد أن يجرّبك ويختبرك، وقد علمت أنه لم يبتلك بهذا ليفتنك ولا ليضلّك ولا ليعنتك ولا لينقص به بصيرتك وإيمانك ويقينك، ولا يروّعنّك هذا ولا تسوءنّ بالله ظنّك، وإنما رفع الله اسمك في البلاء على جميع أهل البلاء، حتى كنت أعظمهم في نفسك وولدك، ليرفعك بقدر ذلك عليهم في المنازل والدرجات والفضائل؛ فليس لأهل الصبر في فضيلة الصبر إلا فضل صبرك، وليس لأهل الثواب في فضيلة الثواب إلا فضل ثوابك، وليس لأهل البلاء في جسيم شرف البلاء إلا فضل شرفك. وليس هذا من وجوه البلاء الذي يبتلي الله به أولياءه، لأن الله أكرم في نفسه وأعدل في حكمه وأعدل في عباده من أن يجعل ذبح الولد الطيّب بيد الوالد النبيّ المصطفى؛ وأنا أعوذ بالله من أن يكون هذا منّي حتما على الله أو ردّا لأمره أو سخطا لحكمه على عباده، ولكن هذا الرجاء فيه والظنّ به.
فإن عزم ربك على ذلك فكن عبدا أحسن علمه بك؛ فإني أعلم أنه لم يعرّضك لهذا البلاء العظيم إلا لحسن علمه بك وبصدقك وبصبرك، ليجعلك للناس إماما؛ ولا حول ولا قوّة إلا بالله.
وحدّثني بهذا الإسناد أنّ يوسف ﵇ لمّا لبث في السجن سبع سنين أرسل الله ﷿ إليه جبريل ﵇ بالبشارة بخروجه، فقال له:
أتعرفني أيها الصّدّيق؟ قال له يوسف: أرى صورة ظاهرة وروحا طيّبا لا يشبه أرواح الخاطئين؛ قال جبريل: أنا الروح الأمين، رسول ربّ العالمين؛ قال يوسف: فما أدخلك مداخل المذنبين وأنت سيد المرسلين ورأس المقرّبين؟
قال جبريل: أو لم تعلم أيها الصدّيق أنّ الله يطهّر البيوت بطهر النبيّين، وأن البقعة التي يحلّون بها هي أطهر الأرضين، وأنه قد طهّر بك السجن وما حوله يا ابن الطاهرين؛ قال يوسف: كيف تشبّهني بالصالحين، وتسمّيني بأسماء الصدّيقين، وتعدّني مع آبائي المخلصين، وأنا أسير بين هؤلاء المجرمين! قال جبريل: لم يكلم قلبك الجزع، ولم يغيّر خلقك البلاء، ولم يتعاظمك السّجن، ولم تطأ فراش سيّدك، ولم ينسك بلاء الدنيا بلاء الآخرة، ولم تنسك نفسك أباك ولا أبوك ربّك؛ وهذا الزمان الذي يفكّ الله به عنوّك.
ويعتق به رقّك، ويبيّن للناس فيه حكمتك، ويصدّق رؤياك وينصفك ممن ظلمك، ويجمع إليك أحبّتك، ويهب لك ملك مصر: يملّكك ملوكها، ويعبّد لك جبابرتها، ويذلّ لك أعزّتها، ويصغّر لك عظماءها، ويخدمك سوقتها، ويخوّلك خولها، ويرحم بك مساكينها، ويلقي لك المودّة والهيبة في قلوبهم، ويجعل لك اليد العليا عليهم والأثر الصالح فيهم، ويرى فرعون حلما يفزع منه ويأخذه له كرب شديد حتى يسهره ويذهب نومه، ويعمّي عليه تفسيره وعلى السحرة والكهنة ويعلّمك تأويله.
وفي بعض الكتب: أوحى الله تعالى إلى بعض الأنبياء: إذا أردت أن تسكن معي غدا في حظيرة القدس فكن في الدنيا وحيدا فريدا مهموما حزينا، كالطائر الوحدانيّ يظلّ بأرض الفلاة ويرد ماء العيون ويأكل من أطراف الشجر، فإذا جنّ عليه الليل أوى وحده استيحاشا من الطير واستئناسا بربّه جلّ وعزّ.
لمّا قتل عبد الله بن الزّبير وجد الحجّاج فيما ترك صندوقا عليه فقال
حديد، فتعجّب منه وقال: إنّ في هذا شيئا، ففتحه، فإذا صندوق آخر عليه قفل ففتحه فإذا سفط فيه درج، ففتحه فإذا صحيفة فيها: إذا كان الحديث خلفا، والميعاد خلفا، والمقنب ألفا، وكان الولد غيظا، والشتاء قيظا؛ وغاض الكرام غيضا، وفاض اللئام فيضا، فأعنز عفرة، في جبل وعر، خير من ملك بني النّضر. حدّثني بذلك كعب الحبر.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع