تجاوز إلى المحتوى

من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)

خطبة للحجاج

خطب فقال: أيها الناس، احفظوا فروجكم، وخذوا الأنفس بضميرها، فإنها أسوك شيء إذا أعطيت، وأعصى شيء إذا سئلت. وإني رأيت الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذاب الله.

خطبة سليمان بن عبد الملك

خطب فقال: إنّ الدار دار غرور ومنزل باطل، تضحك باكيا وتبكي ضاحكا، وتخيف آمنا وتؤمّن خائفا، وتفقر مثريا وتثري مقترا، ميّالة غرّارة لعّابة بأهلها. عباد الله، اتّخذوا كتاب الله إماما، وارتضوا به حكما، واجعلوه لكم قائدا، فإنه ناسخ لما كان قبله ولم ينسخه كتاب بعده. اعلموا، عباد الله، أنّ هذا القرآن يجلو كيد الشيطان كما يجلو ضوء الصبح إذا تنفّس ظلام الليل إذا عسعس.

خطبة يزيد بن الوليد بعد قتله الوليد

حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، والله ما خرجت أشرا ولا بطرا ولا حرصا على الدنيا ولا رغبة في الملك، وما بي إطراء نفسي، وإني لظلوم لها إن لم يرحمني الله، ولكن خرجت غضبا لله ودينه، داعيا إلى الله وإلى سنّة نبيّه، لمّا هدمت معالم الهدى، وأطفىء نور أهل التقوى، وظهر الجبّار العنيد، المستحلّ لكل حرمة، والراكب لكل بدعة، الكافر بيوم الحساب، وإنه لابن عمّي في النّسب وكفيئي في الحسب؛ فلمّا رأيت ذلك استخرت الله في أمره وسألته ألّا يكلني إلى نفسي، ودعوت إلى ذلك من أجابني من أهل ولايتي، حتى أراح الله منه العباد، وطهرّ منه البلاد، بحوله وقوّته لا بحولي وقوّتي.

أيها الناس، إنّ لكم عليّ ألّا أضع حجرا على حجر، ولا لبنة على لبنة، ولا أكري نهرا، ولا أكنز مالا، ولا أعطيه زوجا ولا ولدا، ولا أنقله من بلد إلى بلد حتى أسدّ فقر ذلك البلد وخصاصة أهله، فإن فضل فضل نقلته إلى البلد الذي يليه. ولا أجمّركم في بعوثكم فأفتنكم وأفتن أهليكم، ولا أغلق بابي دونكم فيأكل قويكّم ضعيفكم، ولا أحمل على أهل جزيتكم ما أجليهم به عن

بلادهم وأقطع به نسلهم. ولكم عليّ إدرار العطاء في كل سنة والرزق في كل شهر، حتى يستوي بكم الحال فيكون أفضلكم كأدناكم. فإن أنا وفيت لكم فعليكم السمع والطاعة وحسن المؤازرة والمكانفة، وإن لم أف لكم فلكم أن تخلعوني إلا أن تستتيبوني، فإن أنا تبت قبلتم مني، وإن عرفتم أحدا يقوم مقامي ممن يعرف بالصّلاح يعطيكم من نفسه مثل الذي أعطيتكم فأردتم أن تبايعوه، فأنا أوّل من بايعه ودخل في طاعته.

أيها الناس، إنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

فلما بويع مروان نبشه وصلبه. وكانوا يقرؤون في الكتب: يا مبذّر الكنوز ويا سجّادا بالأسحار، كانت ولايتك لهم رحمة وعليهم حجّة، أخذوك فصلبوك.

خطبة أبي حمزة الخارجيّ

خطب أبو حمزة الخارجيّ بمكة فذكر رسول الله ﷺ، ثم أبا بكر وعمر ﵄ بما هم أهله، ثم قال: وولي عثمان فسار ستّ سنين بسيرة صاحبيه وكان دونهما، ثم سار في الستّ الأواخر بما أحبط به الأوائل، ثم مضى لسبيله. وولي عليّ فلم يبلغ من الحقّ قصدا ولم يرفع له منارا، ثم مضى لسبيله، ثم ولي معاوية لعين رسول الله وابن لعينه، اتّخذ عباد الله خولا، ومال الله دولا، ودينه دغلا، ثم مضى لسبيله، فالعنوه لعنه الله. ثم ولي يزيد بن معاوية، يزيد الخمور، ويزيد القرود، ويزيد الفهود، الفاسق في بطنه والمأبون

في فرجه. ثم اقتصّهم خليفة خليفة. فلما انتهى إلى عمر بن عبد العزيز أعرض عن ذكره. ثم ذكر يزيد بن عبد الملك فقال: يأكل الحرام، ويلبس الحلّة بألف دينار، قد ضربت فيها الأبشار، وهتكت الأستار، حبابة عن يمينه وسلامة عن يساره تغنّيانه، حتى إذا أخذ الشراب فيه كلّ مأخذ قدّ ثوبه ثم التفت إلى إحداهما فقال: ألا أطير؟ نعم! طر إلى النار. ثم ذكر أصحابه فقال: شباب والله مكتهلون في شبابهم، غضيضة عن الشر أعينهم، ثقيلة عن الباطل أرجلهم، أنضاء عبادة، وأطلاح سهر، ينظر الله إليهم في جوف الليل منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن، قد أكلت الأرض ركبهم وأيديهم وجباههم، واستقلّوا ذلك في جنب الله، حتى إذا رأوا السّهام قد فوّقت، والرماح قد أشرعت، والسيوف قد انتضيت، وأرعدت الكتيبة بصواعق الموت، مضى الشابّ منهم قدما، حتى اختلفت رجلاه على عنق فرسه، وتخضّبت محاسن وجهه بالدماء، فأسرعت إليه سباع الأرض وانحطّت إليه طير السماء، فكم من عين في منقار طائر طالما بكى صاحبها في جوف الليل من خوف الله! وكم من كفّ زايلت معصمها طالما اعتمد عليها صاحبها في جوف الليل بالسجود لله! ثم قال: أوّه أوّه وبكى ثم نزل.

خطبة لقطريّ الخارجيّ

ذكر فيها الذين قالوا: من أشدّ منّا قوّة، فقال: حملوا إلى قبورهم فلا

يدعون ركبانا، وأنزلوا فلا يدعون ضيفانا، وجعلوا لهم من الضّريح أجنانا، ومن التراب أكفانا، ومن الرّفات جيرانا؛ فهم جيرة لا يجيبون داعيا ولا يمنعون ضيما، إن أخصبوا لم يفرحوا، أو أقحطوا لم يقنطوا؛ جميع أوحاد، وجيرة أبعاد، لا يزورون ولا يزارون. فاحذروا ما حذّركم الله، وانتفعوا بمواعظه واعتصموا بحبله.

وفي خطبة ليوسف بن عمر

: اتقوا الله عباد الله! فكم من مؤمّل أملا لا يبلغه، وجامع مالا لا يأكله، ومانع ما سوف يتركه، ولعله من باطل جمعه، ومن حقّ منعه، أصابه حراما ورّثه عدوّا، إحتمل إصره وباء بوزره، وورد على ربّه آسفا لاهفا، قد خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين.

وفي خطبة للحجاج

: قال مالك بن دينار: سمعته على المنبر يقول: امرأ زوّر عمله، امرأ حاسب نفسه، امرأ فكّر فيما يقرؤه في صحيفته ويراه في ميزانه، وامرأ كان عند

هواه زاجرا، وعند همّه آمرا، أخذ بعنان قلبه كما يأخذ بخطام جمله، فإن قاده إلى طاعة الله تبعه، وإن قاده إلى معصية الله كفّه.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عيون الأخبار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.