من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
خطبة لداود بن عليّ أيضا
لما قام أبو العبّاس في أوّل خلافته على المنبر قام بوجه كورقة المصحف فاستحيا فلم يتكلّم؛ فنهض داود بن عليّ حتّى صعد المنبر، فقال المنصور: فقلت في شيخنا وكبيرنا ويدعو إلى نفسه فلا يختلف عليه اثنان، فانتضيت سيفي وغطّيت ثوبي وقلت: إن فعل ناجزته؛ فلما رقي عتبا استقبل الناس بوجهه دون أبي العباس، ثم قال: أيها الناس، إن أمير المؤمنين يكره أن يتقدّم قوله فعله، ولأثر الفعال عليكم أجدى من تشقيق المقال، وحسبكم بكتاب الله ممتثلا فيكم، وابن عمّ رسول الله خليفة عليكم. والله قسما برّا لا أريد إلّا الله به ما قام هذا المقام أحد بعد رسول الله أحقّ به من عليّ بن أبي طالب وأمير المؤمنين هذا، فليظنّ ظانّكم وليهمس هامسكم. قال أبو جعفر:
ثم نزل وشمت سيفي.
خطبة لأعرابيّ
أمّا بعد، فإن الدنيا دار بلاء والآخرة دار بقاء، فخذوا أيها الناس لمقرّكم من ممرّكم، ولا تهتكوا أستاركم عند من لا يخفى عليه أسراركم، ففي الدنيا أحييتم ولغيرها خلقتم. أقول قولي هذا. والمستغفر الله، والمدعوّ له الخليفة ثم الأمير جعفر بن سليمان.
خطبة المأمون يوم الجمعة
الحمد لله مستخلص الحمد لنفسه، ومستوجبه على خلقه، أحمده وأستعينه وأومن به وأتوكّل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدّين كلّه ولو كره المشركون. أوصيكم عباد الله بتقوى الله وحده، والعمل لما عنده، والتنجّز لوعده، والخوف لوعيده؛ فإنه لا يسلم إلا من اتّقاه ورجاه، وعمل له وأرضاه. فاتّقوا الله عباد الله وبادروا آجالكم بأعمالكم، وابتاعوا ما يبقى بما يزول عنكم، وترحّلوا فقد جدّ بكم، واستعدّوا للموت فقد أظلّكم، وكونوا قوما صيح بهم فانتبهوا، وعلموا أنّ الدنيا ليست لهم بدار فاستبدلوا؛ فإنّ الله لم يخلقكم عبثا ولم يترككم سدى؛ ما بين أحدكم وبين الجنّة والنار إلا الموت أن ينزل به. وإنّ غاية تنقصها اللحظة وتهدمها الساعة الواحدة لجديرة بقصر المدّة، وإنّ غائبا يحدوه الجديدان الليل والنهار لحريّ بسرعة الأوبة، وإنّ قادما يحلّ بالفوز أو بالشّقوة لمستحقّ لأفضل العدّة، فاتّقى عبد ربّه، ونصح نفسه، وقدّم توبته، وغلب شهوته، فإنّ أجله مستور عنه، وأمله خادع له، والشيطان موكّل به: يزيّن له المعصية ليركبها، ويمنّيه التوبة ليسوّفها، حتى تهجم عليه منيّته أغفل ما يكون عنها. فيا لها حسرة على ذي غفلة: أن يكون عمره عليه حجّة، أو تؤدّيه أيامه إلى شقوة! نسأل الله أن
يجعلنا وإيّاكم ممن لا تبطره نعمة، ولا تقصّر به عن طاعته غفله، ولا تحلّ به بعد الموت فزعة؛ إنه سميع الدعاء، وبيده الخير، وإنه فعّال لما يريد.
وفي خطبة المأمون يوم الأضحى بعد التكبير الأوّل:
إنّ يومكم هذا يوم أبان الله فضله، وأوجب تشريفه، وعظّم حرمته، ووفّق له من خلقه صفوته، وابتلى فيه خليله، وفدى فيه من الذّبح نبيّه، وجعله خاتم الأيام المعلومات من العشر، ومتقدّم الأيام المعدودات من النّفر؛ يوم حرام من أيّام عظام، في شهر حرام، يوم الحجّ الأكبر، يوم دعا الله إلى مشهده، ونزل القرآن بتعظيمه، قال الله جلّ وعزّ: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِ
الآيات؛ فتقرّبوا إلى الله في هذا اليوم بذبائحكم، وعظّموا شعائر الله واجعلوها من طيّب أموالكم وبصحّة التقوى من قلوبكم، فإنه يقول: لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ
، ثم التكبير والتحميد والصلاة على النبيّ والوصية بالتقوى، ثم قال بعد ذكر الجنة والنار: عظم قدر الدارين وارتفع جزاء العملين وطالت مدّة الفريقين. الله الله! فوالله إنّه الجدّ لا اللّعب، وإنه الحقّ لا الكذب، وما هو إلا الموت والبعث والميزان والحساب والقصاص والصّراط ثم العقاب والثّواب، فمن نجا يومئذ فقد فاز،
ومن هوى يومئذ فقد خاب. الخير كلّه في الجنّة، والشرّ كله في النار.
وفي خطبة المأمون يوم الفطر بعد التكبير الأوّل:
إنّ يومكم هذا يوم عيد وسنّة وابتهال ورغبة، يوم ختم الله به صيام شهر رمضان وافتتح به حجّ بيته الحرام، فجعله خاتمة الشهر وأوّل أيام شهور الحجّ، وجعله معقّبا لمفروض صيامكم ومتنفّل قيامكم، أحلّ فيه الطعام لكم وحرّم فيه الصيام عليكم؛ فاطلبوا إلى الله حوائجكم واستغفروه لتفريطكم، فإنه يقال، لا كبير مع استغفار، ولا صغير مع إصرار. ثم التكبير والتحميد وذكر النبيّ ﵇ والوصيّة بالتقوى. ثم قال: فاتقوا الله عباد الله وبادروا الأمر الذي اعتدل فيه يقينكم، لم يحتضر الشكّ فيه أحدا منكم، وهو الموت المكتوب عليكم، فإنه لا تستقل بعده عثرة، ولا تحظر قبله توبة.
واعملوا أنه لا شيء قبله إلا دونه ولا شيء بعده إلا فوقه. ولا يعين على جزعه وعلزه وكربه، ولا يعين على القبر وظلمته وضيقه ووحشته وهول مطلعه ومسألة ملائكته، إلا العمل الصالح الذي أمر الله به. فمن زلّت عند الموت قدمه، فقد ظهرت ندامته، وفاتته استقالته، ودعا من الرّجعة إلى ما لا يجاب إليه، وبذل من الفدية ما لا يقبل منه. فالله الله عباد الله! وكونوا قوما سألوا الرّجعة فأعطوها إذ منعها الذين حذّركم الله، واتّقوا اليوم الذي يجمعكم الله فيه لوضع موازينكم، ونشر صحفكم الحافظة لأعمالكم. فلينظر عبد ما يضع في ميزانه مما يثقل به، وما يملّ في صحيفته الحافظة لما عليه وله؛
فقد حكى الله لكم ما قال المفرّطون عندها إذ طال إعراضهم عنها، قال:
وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ
الآية. وقال: وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ
. ولست أنهاكم عن الدنيا بأعظم مما نهتكم الدنيا عن نفسها، فإنه كلّ ما لها ينهى عنها، وكل ما فيها يدعو إلى غيرها.
وأعظم مما رأته أعينكم من عجائبها ذمّ كتاب الله لها ونهي الله عنها، فإنه يقول: فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ
وقال: إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ
الآية. فانتفعوا بمعرفتكم بها وبإخبار الله عنها، واعلموا أنّ قوما من عباد الله أدركتهم عصمة الله فحذروا مصارعها، وجانبوا خدائعها، وآثروا طاعة الله فيها، فأدركوا الجنّة بما تركوا منها.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع