من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
كلام من أرتجّ عليه
حدّثنا أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: حدّثنا عيسى بن عمر قال: خطب أمير مرّة فانقطع فخجل، فبعث إلى قوم من القبائل عابوا ذلك ولفّهم وفيهم يربوعيّ جلد، فقال: اخطبوا؛ فقام واحد فمرّ في الخطبة، حتى إذا بلغ أما بعد قال: أما بعد أما بعد، ولم يدر ما يقول، ثم قال: فإنّ امرأتي طالق ثلاثا، لم أرد أن أجمع اليوم فمنعتني. وخطب آخر، فلما بلغ أما بعد بقي ونظر فإذا
إنسان ينظر إليه، فقال: لعنك الله! ترى ما أنا فيه وتلمحني ببصرك أيضا!.
قال: وقال أحدهم: رأيت القراقير من السّفن تجري بيني وبين الناس. قال:
وصعد اليربوعيّ فخطب فقال: أمّا بعد، فوالله ما أدري ما أقول ولا فيم أقمتموني، أقول ماذا؟ فقال بعضهم: قل في الزيت؛ فقال: الزيت مبارك، فكلوا منه وادّهنوا. قال: فهو قول الشّطّار اليوم إذا قيل: لم فعلت ذا، فقل في شأن الزيت وفي حال الزيت.
ولما أتى يزيد بن أبي سفيان الشام واليا لأبي بكر ﵁، خطب فأرتج عليه، فعاد إلى الحمد لله فأرتج عليه، فعاد إلى الحمد لله ثم أرتج عليه، فقال: يا أهل الشّام، عسى الله أن يجعل من بعد عسر يسرا، ومن بعد عيّ بيانا، وأنتم إلى إمام عادل أحوج منكم إلى إمام قائل. ثم نزل. فبلغ ذلك عمرو بن العاص فاستحسنه.
صعد ثابت قطنة منبرا بسجستان فحمد الله ثم أرتج عليه، فنزل وهو يقول:
فإلّا أكن فيكم خطيبا فإنّنيبسيفي إذا جدّ الوغى لخطيب
فقيل له: لو قلتها على المنبر كنت أخطب الناس.
وارتج على عبد الله بن عامر بالبصرة يوم أضحى، فمكث ساعة ثم
قال: والله ولا أجمع عليكم عيّا ولؤما، من أخذ شاة من السّوق فهي له وثمنها عليّ.
وارتج على خالد بن عبد الله القسريّ فقال: إنّ هذا الكلام يجيء أحيانا ويعزب أحيانا، وربما طلب فأبى وكوبر فعسا، فالتّأنّي لمجيّه، أيسر من التّعاطي لأبّيه؛ وقد يختلط من الجريء جنانه، وينقطع من الذّرب لسانه، فلا يبطره ذلك ولا يكسره؛ وسأعود إن شاء الله.
وارتج على معن بن زائدة فضرب المنبر برجله ثم قال: فتى حروب لا فتى منابر.
وكان عبد ربّه اليشكريّ عاملا لعيس بن موسى على المدائن، فصعد المنبر فحمد الله وارتج عليه فسكت، ثم قال: والله إني لأكون في بيتي فتجيء على لساني ألف كلمة، فإذا قمت على أعوادكم هذه جاء الشيطان فمحاها من صدري، ولقد كنت وما في الأيّام يوم أحبّ إليّ من يوم الجمعة، فصرت وما في الأيام يوم أبغض إليّ من يوم الجمعة، وما ذلك إلّا لخطبتكم هذه.
صعد روح بن حاتم المنبر، فلما رأى جمع الناس حصر، فقال: نكّسوا
رؤوسكم وغضّوا أبصاركم، فإنّ أوّل مركب صعب، وإذا يسّر الله فتح قفل تيسّر.
ودعي رجل ليخطب في نكاح فحصر، فقال: لقّنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله؛ فقالت امرأة حضرت: ألهذا دعوناك! أماتك الله!.
قال عبيد الله بن زياد: نعم الشيء الإمارة لولا قعقعة البريد والتشرّف للخطب.
قيل لعبد الملك: عجّل عليك الشّيب؛ فقال: كيف لا يعجّل عليّ وأنا أعرض عقلي على الناس في كل جمعة مرّة أو مرتين.
وولي رجل من بني هاشم يعرف بالدّندان بحر اليمامة، فلمّا صعد المنبر أرتج عليه، فقال: حيّا الله هذه الوجوه وجعلني فداءها، إنّي قد أمرت طائفي بالليل ألّا يرى أحدا إلا أتاني به ولو كنت أنا إياه ثم نزل.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع