من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
مقام أعرابيّ بين يدي هشام
قال: أتت على الناس سنون، أما الأولى فلحت اللحم، وأما الثانية فأكلت الشّحم، وأما الثالثة فهاضت العظم، وعندكم فضول أموال، فإن كانت لله فاقسموها بين عباده، وإن كانت لهم ففيم تحظر عنهم؟ وإن كانت لكم فتصدّقوا عليهم بها فإنّ الله يجزي المتصدّقين؛ فأمر هشام بمال فقسم بين الناس وأمر للأعرابيّ بمال؛ فقال: أكلّ المسلمين له مثل هذا؟ قالوا: لا ولا يقوم بذلك بيت مال المسلمين؛ قال: فلا حاجة لي فيما يبعث لائمة الناس على أمير المؤمنين.
مقام الأوزاعيّ بين يدي المنصور
ذكره عبد الله بن المبارك عن رجل من أهل الشام قال: دخلت عليه فقال: ما الذي بطّأ بك عنّي؟ قلت: يا أمير المؤمنين، وما الذي تريد مني؟
فقال: الاقتباس منك؛ قلت: انظر ما تقول، فإنّ مكحولا حدّثني عن عطيّة بن بشير أنّ رسول الله ﷺ قال: «من بلغه عن الله نصيحة في دينه فهي رحمة من
الله سيقت إليه، فإن قبلها من الله بشكر وإلّا كانت حجّة من الله عليه، ليزداد إثما وليزداد الله عليه غضبا، وإن بلغه شيء من الحق فرضي فله الرضا، وإن سخط فله السخط، ومن كرهه فقد كره الله، لأنّ الله هو الحق المبين »، فلا تجهلنّ؛ قال: وكيف أجهل؟ قال: تسمع ولا تعمل بما تسمع.
قال الأوزاعيّ: فسلّ عليّ الربيع السيف وقال: تقول لأمير المؤمنين هذا! فانتهره المنصور وقال: أمسك. ثم كلّمه الأوزاعيّ، وكان في كلامه أن قال:
إنك قد أصبحت من هذه الخلافة بالذي أصبحت به، والله سائلك عن صغيرها وكبيرها وفتيلها ونقيرها، ولقد حدّثني عروة بن رويم أنّ رسول الله ﷺ قال: «ما من راع يبيت غاشّا لرعيّته إلا حرّم الله عليه رائحة الجنة»، فحقيق على الوالي أن يكون لرعيته ناظرا، ولما استطاع من عوراتهم ساترا، وبالقسط فيما بينهم قائما، لا يتخوّف محسنهم منه رهقا ولا مسيئهم عدوانا؛ فقد كانت بيد رسول الله ﷺ جريدة يستاك بها ويردع عنه المنافقين؛ فأتاه جبريل فقال:
«يا محمد، ما هذه الجريدة بيدك؟ إقذفها لا تملأ قلوبهم رعبا». فكيف من سفك دماءهم وشقّق أبشارهم وأنهب أموالهم؟ يا أمير المؤمنين، إنّ المغفور له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر دعا إلى القصاص من نفسه بخدش خدشه أعرابيّا لم يتعمّده، فهبط جبريل فقال: «يا محمد، إن الله لم يبعثك جبّارا تكسر قرون أمتك». واعلم أنّ كلّ ما في يدك لا يعدل شربة من شراب الجنة ولا ثمرة من ثمارها؛ قال رسول الله ﷺ: «لقاب قوس أحدكم من الجنة أو قذّة خير له من الدنيا بأسرها». إنّ الدنيا تنقطع ويزول نعيمها، ولو بقي الملك لمن قبلك
لم يصل إليك. يا أمير المؤمنين، ولو أنّ ثوبا من ثياب أهل النار علّق بين السماء والأرض لاذاهم فكيف من يتقمّصه؟ ولو أن ذنوبا من صديد أهل النار صبّ على ماء الأرض لآجنه فكيف بمن يتجرّعه؟ ولو أنّ حلقة من سلاسل جهنم وضعت على جبل لذاب، فكيف من سلك فيها ويردّ فضلها على عاتقه! وقد قال عمر بن الخطاب: «لا يقوّم أمر الناس إلا حصيف العقدة، بعيد العزّة، لا يطّلع الناس منه على عورة، ولا يحنق في الحقّ على جرّة، ولا تأخذه في الله لومة لائم».
واعلم أنّ السلطان أربعة: أمير يظلف نفسه وعمّاله، فذلك له أجر المجاهد في سبيل الله وصلاته سبعون ألف صلاة ويد الله بالرحمة على رأسه ترفرف؛ وأمير رتع ورتع عمّاله. فذاك يحمل أثقاله وأثقالا مع أثقاله؛ وأمير يظلف نفسه ويرتع عمّاله، فذاك الذي باع آخرته بدنيا غيره؛ وأمير يرتع ويظلف عمّاله، فذاك شرّ الأكياس.
واعلم يا أمير المؤمنين أنك قد ابتليت بأمر عظيم عرض على السّموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنه وأشفقن منه؛ وقد جاء عن جدّك في تفسير قول الله ﷿: لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها
: أنّ الصغيرة التّبسّم، والكبيرة الضّحك، وقال: فما ظنكم بالكلام وما عملته الأيدي؟
فأعيذك بالله أن يخيّل إليك أنّ قرابتك برسول الله ﷺ تنفع مع المخالفة لأمره؛ فقد قال رسول الله ﷺ: «يا صفية عمّة محمد ويا فاطمة بنت محمد، استوهبا أنفسكما من الله إني لا أغني عنكما من الله شيئا». وكان جدّك الأكبر سأل رسول الله ﷺ إمارة؛ فقال: «أي عمّ نفس تحييها خير لك من إمارة لا تحصيها»، نظرا لعمه وشفقة عليه أن يلي فيجور عن سنته جناج بعوضة، فلا يستطيع له نفعا ولا عنه دفعا. هذه نصيحتي إن قبلتها فلنفسك عملت، وإن رددتها فنفسك بخست، والله الموفق للخير والمعين عليه؛ قال بلى! نقبلها ونشكر عليها، وبالله نستعين.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع