تجاوز إلى المحتوى

من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)

الدنيا

حدّثني أبو مسعود الدارميّ قال: حدّثني جدّي خراش عن أنس بن

مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «من أصبحت الدنيا همّه وسدمه نزع الله الغنى من قلبه، وصيّر الفقر بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن أصبحت الآخرة همّه وسدمه نزع الله الفقر من قلبه وصيّر الغنى بين عينيه وأتته الدنيا وهي راغمة».

حدّثني محمد بن داود قال؛ حدّثنا أبو الربيع عن حمّاد عن عليّ بن زيد عن الحسن أن النبي ﷺ قال للضحاك بن سفيان: «ما طعامك؟» قال:

اللحم واللبن، قال: «ثم يصير إلى ماذا؟» قال: ثم يصير إلى ما قد علمت، قال: «فإن الله ضرب ما يخرج من ابن آدم مثلا للدّنيا» قال: وكان بشير بن كعب يقول لأصحابه إذا فرغ من حديثه: انطلقوا حتى أريكم الدّنيا، فيجي فيقف بهم على السّوق، وهي يومئذ مزبلة، فيقول: انظروا إلى عسلهم وسمنهم وإلى دجاجهم وبطّهم صار إلى ما ترون.

حدّثني هارون بن موسى قال: حدّثنا محمد بن سعيد القزويني عن عمر ابن أبي قيس عن هارون بن عنترة عن عمرو بن مرّة قال: سئل رسول الله ﷺ عن قول الله: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ

فقال: «إذا دخل النور القلب وانفسح شرح لذلك الصدر»؛ قالوا: يا نبيّ الله، هل لذلك آية يعرف بها؟ قال: «نعم الإنابة إلى دار الخلود والتّجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزول الموت».

بلغني عن العتبيّ عن حبيب العدويّ عن وهب بن منبّه قال: رأينا ورقة يهفو بها الريح فأرسلنا بعض الفتيان فأتانا بها فإذا فيها: الدنيا دار لا يسلم منها

إلا فيها، ما أخذ أهلها منها لها خرجوا منه ثم حوسبوا به، وما أخذ منها أهلها لغيرها خرجوا منه ثم أقاموا فيه، وكأن قوما من أهل الدنيا ليسوا من أهلها، هم فيها كمن ليس فيها، عملوا بما يبصرون وبادروا ما يحذرون، تتقلّب أجسادهم بين ظهراني أهل الدنيا، وتتقلّب قلوبهم بين ظهراني أهل الآخرة، يرون الناس يعظّمون وفاة أجسامهم وهم أشدّ تعظيما لموت قلوب أحيائهم. فسألت عن الكلام فلم أجد من يعرفه.

وقال المسيح ﵇: «الدّنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها» وفي بعض الكتب: أن الله تعالى أوحى إلى الدنيا «من خدمني فاخدميه، ومن خدمك فاستخدميه».

قال بعض العابدين يذكر الدنيا:

لقد غرّت الدنيا رجالا فأصبحوابمنزلة ما بعدها متحوّل
فساخط أمر لا يبدّل غيرهوراض بأمر غيره سيبدّل
وبالغ أمر كان يأمل دونهومختلج من دون ما كان يأمل
للشاعر الجراح الهمداني، من قصيدة «أرى الحرص يدعوني فاتبعُ صوتهُ»

وقال آخر يذكر الدنيا:

حتوفها رصد وعيشها رنقوكرّها نكد وملكها دول

وقال آخر:

نراع لذكر الموت ساعة ذكرهوتعترض الدنيا فنلهو ونلعب
للشاعر محمد بن وهيب الحميري، اقرأ القصيدة
ونحن بنو الدنيا خلقنا لغيرهاوما كنت منه فهو شيء محّبب

وقال يحيى بن خالد: دخلنا في الدنيا دخولا أخرجنا منها.

ذمّ رجل الدنيا عند عليّ بن أبي طالب ﵁، فقال عليّ ﵇: الدنيا دار صدق لمن صدّقها، ودار نجاة لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزوّد منها، مهبط وحي الله، ومصلّى ملائكته، ومسجد أنبيائه، ومتجر أوليائه، ربحوا منها الرحمة واحتسبوا فيها الجنة؛ فمن ذا يذمّها وقد آذنت ببينها ونادت بفراقها وشبّهت بسرورها السّرور وببلائها البلاء ترغيبا وترهيبا؛ فيأيها الذامّ الدنيا المعلّل نفسه، متى خدّعتك الدنيا أم متى استذمّت إليك؟

أبمصارع آبائك في البلى أم بمضاجع أمهاتك فى الثّرى؟ كم مرّضت بيديك، وعلّلت بكفّيك، تطلب له الشفاء، وتستوصف له الأطباء، غداة لا يغنى عنه دواؤك، ولا ينفعك بكاؤك.

كان إبراهيم بن أدهم العجليّ يقول:

نرقّع دنيانا بتمزيق ديننافلا ديننا يبقى ولا ما نرقّع
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة

قال أبو حازم: وما الدنيا! أمّا ما مضى فحلم وأمّا ما بقي فأمانيّ.

قال سفيان:

أوحى الله تعالى إلى نبيّ من الأنبياء «اتّخذ الدنيا ظئرا والآخرة أمّا».

قال الشعبي: ما أعلم لنا وللدنيا مثلا إلا ما قال كثيّر.

أسيئي بنا أو أحسني لا ملومةلدينا ولا مقلّية إن تقلّت
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «تمنيتها حتى إذا ما رإتها»

قال بكر بن عبد الله: المستغني عن الدنيا بالدنيا كالمطفىء النار بالتّبن.

قال ابن مسعود: الدنيا كلّها غموم، فما كان فيها من سرور فهو ربح.

قال محمد بن الحنفية: من كرمت عليه نفسه هانت عليه الدنيا.

وقال بعض الحكماء: مثل الدنيا والآخرة مثل رجل له ضرّتان إن أرضى إحداهما أسخط الأخرى.

قال سفيان: ترك لكم الملوك الحكمة فاتركوا لهم الدنيا.

وقال آخر: إن الدنيا قد استودقت وأنعظ الناس.

قال وهيب بن الورد: من أراد الدنيا فليتهيّأ للذلّ.

قيل لمحمد بن واسع: إنك لترضى بالدّون؛ فقال: إنما رضي بالدّون من رضي بالدنيا.

قيل لعليّ بن الحسين: من أعظم الناس خطرا؟ فقال: من لم ير الدنيا خطرا لنفسه.

كان يقال: لأن تطلب الدنيا بأقبح ما تطلب به الدنيا أحسن من أن تطلب بأحسن ما تطلب به الآخرة.

قالت امرأة لبعلها ورأته مهموما: ممّ همّك؟ أبالدّنيا فقد فرغ الله منها أم بالآخرة فزادك الله همّا!.

الثوريّ قال: قال المسيح: «حبّ الدنيا أصل كلّ خطيئة والمال فيها داء كثير؛ قيل: ما داؤه؟ قال: لا يسلم صاحبه من الفخر والكبر؛ قيل: وإن سلم؟ قال: يشغله إصلاحه عن ذكر الله».

بلغني عن محمد بن فضيل قال: حدّثنا عبد الله بن عبد الرحمن عن سالم بن أبي الجعد عن أبي الدرداء قال: يأهل حمص، مالي أراكم تجمعون كثيرا، وتبنون شديدا، وتأملون بعيدا؟ إنّ من قبلكم جمعوا كثيرا وبنوا شديدا وأملوا بعيدا فصار جمعهم بورا وصارت مساكنهم قبورا وأملهم غرورا. وفي رواية أخرى: يأهل دمشق، مالكم تجمعون ما لا تأكلون، وتبنون ما لا تسكنون، وتأملون ما لا تدركون؟ ألا إن عادا وثمود كانوا قد ملؤا ما بين بصرى وعدن أموالا وأولادا ونعما، فمن يشتري منّي ما تركوا بدرهمين؟

بلغني عن داود بن المحبّر عن عبد الواحد بن الخطّاب قال: أقبلنا قافلين من بلاد الروم نريد البصرة، حتى إذا كنا بين الرّصافة وحمص، سمعنا صائحا يصيح من بين تلك الرمال- سمعته الآذان ولم تره العيون- يقول: يا مستور يا محفوظ، اعقل في ستر من أنت! فإن كنت لا تعقل من أنت في ستره فاتّق الدنيا فإنها حمى الله؛ فإن كنت لا تعقل كيف تتّقيها فصيّرها شوكا ثم انظر أين تضع قدميك منها!.

قال المأمون: لو سئلت الدنيا عن نفسها ما أحسنت أن تصف نفسها صفة أبي نواس في هذا البيت:

إذا اختبر الدنيا لبيب تكشّفتله عن عدوّ في ثياب صديق

قال المسيح ﵇: «أنا الذي كفأت الدنيا على وجهها، فليست لي زوجة تموت ولا بيت يخرب».

قال أبو العتاهية:

يا من ترفّع للدّنيا وزينتهاليس الترفّع رفع الطّين بالطين
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «يا من ترفع للدنيا وزينتها»
إذا أردت شريف الناس كلّهمفانظر إلى ملك في زيّ مسكين
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «لتجدعن المنايا كل عرنين»

وقال آخر وذكر الدنيا:

إذا تمّ أمر دنا نقصهتوقّع زوالا إذا قيل تمّ
للشاعر أبو بكر الخوارزمي، من قصيدة «ألست ترى السيف كيف انثلم»

وقال آخر:

لا تبك للدّنيا ولا أهلهاوابك ليوم تسكن الحافره
وابك إذا صيح بأهل الثرىفاجتمعوا في ساحة السّاهرة
ويلك يا دنيا لقد قصّرتآمال من يسكنك الآخرة

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عيون الأخبار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.