من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
الموت
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: حدّثني عيسى بن ميمون عن محمد بن كعب قال: نظرت إلى عمر بن عبد العزيز فأدمت النظر إليه؛ قال:
ما تنظر يا محمد؟ قلت: أنظر إلى ما ابيضّ من شعرك، ونحل من جسمك، وتغيّر من لونك؛ فقال: أما والله لو رأيتني في القبر بعد ثالثة؛ وقد سالت حدقتاي على وجنتيّ، وسال منخراي صديدا ودودا، لكنت أشدّ نكرة.
وقال الأصمعيّ: دخلت بعض الجبابين، فإذا أنا بجارية ما أحسبها أتت عليها عشر سنين، وهي تقول:
عدمت الحياة ولا نلتهاإذا كنت في القبر قد ألحدوكا
وكيف أدوق لذيذ الكرىوأنت بيمناك قد وسّدوكا
قال الأزديّ: بلغني أنّ داود الطائيّ مرّ بامرأة تبكي عند قبر وهي تقول:
يا أخاه! ليت شعري:
بأيّ خدّيك تبدّى البلىوأيّ عينيك إذا سالا
فصعق مكانه ثم تعبّد.
حدّثني محمد بن مرزوق قال: حدّثنا محمد بن نصر المعلّم قال:
حدّثنا جعفر بن سليمان عن مالك بن دينار أنه قال:
أتيت القبور فناديتهنن أين المعظم والمحتقر؟
وأين المدلّ بسلطانه؟وأين المزكّي إذا ما افتخر؟
قال: فنوديت من بينها ولا أرى أحدا:
تفانوا جميعا فما مخبروماتوا جميعا ومات الخبر
تروح وتغدو بنات الثرىفتمحو محاسن تلك الصّور
فيا سائلي عن أناس مضواأما لك فيما ترى معتبر؟
قال: فرجعت وأنا أبكي.
بلغني أنه قرىء على قبر بالشام:
باتوا على قلل الأجبال تحرسهمغلب الرجال فلم تنفعهم القلل
واستنزلوا بعد عزّ من معاقلهمفأسكنوا حفرة يا بئس ما نزلوا
ناداهم وصارخ من بعد ما دفنواأين الأسرّة والتيجان والحلل؟
أين الوجوه التي كانت محجّبةمن دونها تضرب الأستار والكلل ؟
فأفصح القبر عنهم حين ساءلهمتلك الوجوه عليها الدود تقتتل
قد طال ما أكلوا دهرا وما نعموافأصبحوا بعد طول الأكل قد أكلوا
وقال آخر:
ربّ قوم عبروا من عيشهمفي نعيم وسرور وغدق
سكت الدهر زمانا عنهمثم أبكاهم دما حين نطق
نزل النّعمان ومعه عديّ بن زيد في ظلّ شجرة عظيمة ليلهوا؛ فقال له عدي بن زيد: أتدري ما تقول هذه الشجرة؟ قال: لا؛ قال تقول:
ربّ شرب قد أناخوا عندنايشربون الخمر بالماء الزلال
ثم أضحوا لعب الدهر بهموكذاك الدهر حالا بعد حال
وقال إبراهيم بن المهدي:
بالله ربّك كم بيت مررت بهقد كان يعمر باللذّات والطرب
طارت عقاب المنايا في سقائفهفصار من بعدها للويل والحرب
أنشدنا أبو عبد الرحمن صاحب الأخفش عن الأخفش للخليل بن أحمد العروضيّ:
كن كيف شئت فقصرك الموتلا مزحل عنه ولا فوت
بينا غنى بيت وبهجتهزال الغنى وتقوّض البيت
حدّثني يزداد بن أسد عن الطّنافسيّ قال: حدّثنا أبو محمد قال: كان مالك بن دينار يخرج إلى القبور كلّ خميس على حمار قوطرانيّ ويقول:
ألا حيّ القبور ومن بهنّهوجوه في القبور أحبهنّه
فلو أنّ القبور سمعن صوتيإذا لأجبنني من وجدهنّه
ولكنّ القبور صمتن عنّيفأبت بحسرة من عندهنّه
ثم يبكي ونبكي.
قال معاوية بن أبي سفيان لعبيد بن شرية الجرهميّ: أخبرني بأعجب شيء رأيته في الجاهليّة؛ فقال: إني نزلت بحيّ من قضاعة فخرجوا بجنازة رجل من عذرة يقال له حريث وخرجت معهم، حتى إذا واروه في حفرته انتبذت جانبا عن القوم وعيناي تذرفان ثم تمثّلت بأبيات شعر كنت أرويها قبل ذلك بزمان طويل:
تجري أمور ولا تدري أوائلهاخير لنفسك أم ما فيه تأخير
فاستقدر الله خيرا وارضينّ بهفبينما العسر إذ دارت مياسير
وبينما المرء في الأحياء مغتبطاإذ صار في الرّمس تعفوه الأعاصير
يبكي الغريب عليه ليس يعرفهوذو قرابته في الحيّ مسرور
قال: وإلى جانبي رجل يسمع ما أقول، فقال لي: يا عبد الله، هل لك علم بقائل هذه الأبيات؟ قلت: لا والله؛ إلا أنّي أرويها منذ زمان؛ فقال:
والذي تحلف به إنّ قائلها لصاحبنا الذي دفنّاه آنفا، وهذا الذي ترى ذو قرابته أسرّ الناس بموته، وإنك لغريب وتبكي عليه كما وصفت؛ فعجبت لما ذكره في شعره وما صار إليه من أمره وقوله، كأنه ينظر إلى مكاني من جنازته، فقلت: «إنّ البلاء موكّل بالقول»؛ فذهبت مثلا.
قال أعرابيّ: خير من الحياة ما أذا فقدته أبغضت لفقده الحياة، وشرّ من الموت ما إذا نزل بك أحببت لنزوله الموت.
وقال أبو زبيد:
يملك المرء بالرجاء ويضحيغرضا للمنون نصب العود
كلّ يوم ترميه منها برشقفمصيب أوصاف غير بعيد
وقال أبو العتاهية:
وعظتك إجداث صمتونعتك أزمنة خفت
وتكلّمت عن أوجهتبلى وعن صور شتت
وأرتك قبرك في القبور وأنت حيّ لم تمت
وقال أعرابيّ: أبعد سفر أوّل منقلة منه الموت. وقيل لأعرابيّ: مات فلان أصحّ ما كان؛ فقال: أو صحيح من الموت في عنقه؟ وقال بعض المحدثين:
اسمع فقد أسمعك الصوتإن لم تبادر فهو الفوت
بل كل إذا شئت وعش ناعماآخر هذا كلّه الموت
وكان صالح المرّيّ يقول في قصصه:
مؤمّل دنيا لتبقى لهفمات المؤمّل قبل الأمل
وبات يروّي أصول الفسيلفعاش الفسيل ومات الرجل
وقال مسلم بن الوليد:
كم رأينا من أناس هلكواوبكى أحبابهم ثم بكوا
تركوا الدنيا لمن بعدهمودّهم لو قدّموا ما تركوا
كم رأينا من ملوك سوقةورأينا سوقة قد ملكوا
قلب الدهر عليهم وركافاستداروا حيث دار الفلك
حدّثني أبي عن أبي العتاهية أنه قرىء له بيتان على جدار من جدر كنيسة القسطنطينية:
ما اختلف الليل والنهار ولادارت نجوم السماء في الفلك
إلا بنقل السلطان عن ملككان يحبّ الدنيا إلى ملك
وقال آخر:
ما أنزل الموت حقّ منزلهمن عدّ يوما لم يأت من أجله
والصّدق والصّبر يبلغان بمنكانا قرينيه منتهى أمله
عليك صدق اللسان مجتهدافإنّ جلّ الهلاك في زلله
وقال الطّرمّاح:
فيا ربّ لا تجعل وفاتي إن أتتعلى شرجع يعلى بركن المطارف
ولكن أجز يومي شهيدا وعصبةيصابون في فجّ من الأرض خائف
عصائب من شتّى يؤلّف بينهمهدى الله نزّالون عند المواقف
إذا فارقوا دنياهمو فارقوا الأذىوصاروا إلى موعودها في المصاحف
فأقتل قعصا ثم يرمى بأعظميكضغث الخلا بين الرياح العواصف
ويصبح لحمي بطن طير مقيلهدوين السماء في نسور عوائف
وهيب بن الورد قال: اتّخذ نوح بيتا من خصّ، فقيل له: لو بنيت بيتا؟ فقال: هذا لمن يموت كثير.
بلغني عن إسماعيل بن عيّاش عن شرحبيل بن مسلم أن أبا الدّرداء كان إذا رأى جنازة قال: إغدي فإنّا رائحون، أو قال: روحي فإنا غادون. وهذا مثل قول لبيد:
وإنا وإخوانا لنا قد تتابعوالكالمغتدي والرائح المتهجّر
بلغني عن وكيع عن شريك عن منصور عن هلال بن إساف قال: ما من
مولود يولد إلا وفي سرّته من تربة الأرض التي يموت فيها. قال الأصمعيّ:
أوّل شعر قيل في ذمّ الدنيا قول ابن خذّاق:
هل للفتى من بنات الدهر من راقيأم هل له من حمام الموت من واقي؟
قد رجّلوني وما رجّلت من شعثوألبسوني ثيابا غير أخلاق
وطيّبوني وقالوا إيّما رجلوأدرجوني كأنّي طيّ مخراق
هوّن عليك ولا تولع بإشفاقفإنما مالنا للوارث الباقي
محمد بن فضيل عن عبيد الله بن عمير قال: جاء رجل إلى النبيّ ﵇ فقال: يا نبيّ الله، مالي لا أحبّ الموت؟ فقال له: «هل لك مال» ؟
قال: نعم، قال: «قدّمه بين يديك»؛ قال: لا أطيق ذلك؛ قال: فقال النبيّ ﵇: «إنّ المرء مع ماله إن قدّمه أحبّ أن يلحق به وإن أخّره أحبّ أن يتخلّف معه».
المحاربيّ عن عبد الملك بن عمير قال: قيل للربيع بن خيثم في مرضه: ألا ندعو لك طبيبا؟ قال: أنظروني؛ ثم فكر فقال: وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً
قد كانت فيهم أطباء، فما أرى المداوي بقي ولا المداوى؛ هلك الناعت والمنعوت له، لا تدعوا لي طبيبا.
إسحاق بن سليمان عن أبي أحمد قال: كان عمر بن عبد العزيز ليس له هجّيري إلا أن يقول:
تسرّ بما يبلى وتفرح بالمنىكما اغترّ باللذّات في النوم حالم
نهارك، يا مغرور، سهو وغفلةوليلك نوم والردى لك لازم
وسعيك فيما سوف تكره غبّهكذلك في الدنيا تعيش البهائم
كم من مستقبل يوما ليس بمستكمله، ومنتظر غدا ليس من أجله؛ لو رأيتم الأجل ومسيره، وبغضتم الأمل وغروره.
لا يلبث القرناء أن يتفرّقواليل يكرّ عليهمو ونهار
يحيى بن آدم عن عبد الله بن المبارك عن عبد الوهاب بن ورد عن سالم ابن بشير بن حجل عن أبي هريرة: أنه بكى في مرضه فقال: أما إنّي لا أبكي على دنياكم ولكنّي أبكي على بعد سفري وقلّة زادي، وأني أمسيت في صعود مهبطه على جنة أو نار، ولا أدري على أيّهما يؤخذ بي!.
أبو جناب قال: لما احتضر معاذ قال لجاريته: ويحك! هل أصبحنا؟
قالت: لا؛ ثم تركها ساعة ثم قال لها: أنظري! فقالت: نعم؛ فقال: أعوذ بالله من صباح إلى النار! ثم قال: مرحبا بالموت، مرحبا بزائر جاء على فاقة، لا أفلح من ندم! اللهمّ إنك تعلم أنّي لم أكن أحبّ البقاء في الدنيا لكري الأنهار ولا لغرس الأشجار، ولكن كنت أحبّ البقاء لمكابدة الليل الطويل ولظمأ الهواجر في الحرّ الشديد ولمزاحمة العلماء بالرّكب في حلق الذّكر
أبو اليقظان قال: لما احتضر عمرو بن العاص جعل يده في موضع الغل من عنقه ثم قال: اللهمّ إنك أمرتنا ففرّطنا، ونهيتنا فركبنا، اللهمّ إنه لا يسعنا إلا رحمتك؛ فلم يزل ذلك هجّيراه حتى قبض.
قيل لآزاذ مرد بن الهزبذ حين احتضر؛ ما حالك؟ فقال: ما حال من يريد سفرا بعيدا بلا زاد، وينزل حفرة من الأرض موحشة بلا مؤنس، ويقدم على ملك جبّار قد قدّم إليه العذر بلا حجّة! حدّثني عبدة الصفّار قال: حدّثني العلاء بن الفضل قال: حدّثني محمد ابن إسماعيل عن أبيه عن جدّه عن جدّ أبيه قال: سمعت أميّة بن أبي الصّلت عند وفاته وأغمي عليه طويلا ثم أفاق، ورفع رأسه إلى سقف البيت وقال:
لبيّكما لبيّكما، ها أنذا لديكما، لا عشيرتي تحميني، ولا مالي يفديني، ثم أغمي عليه طويلا ثم أفاق فقال:
كلّ عيش وإن تطاول دهراصائر مرّة إلى أن يزولا
ليتني كنت قبل ما قد بدا ليفي رؤوس الجبال أرعى الوعولا
ثم فاضت نفسه.
الحكم بن عثمان قال: قال المنصور عند موته: اللهمّ إن كنت تعلم أني قد ارتكبت الأمور العظام جرأة منّي عليك، فإنك تعلم أني قد أطعتك في أحبّ الأشياء إليك شهادة أن لا إله إلا أنت، منّا منك لا منّا عليك. وكان سبب إحرامه من الخضراء أنه كان يوما نائما، فأتاه آت في منامه فقال:
كأنّي بهذا القصر قد باد أهلهوعرّي منه أهله ومنازله
وصار عميد القوم من بعد نعمةإلى جذث تبنى عليه جنادله
فلم يبق إلا رسمه وحديثهتبكيّ عليه معولات حلائله
فاستيقظ مرعوبا ثم نام فأتاه لآتي فقال:
أبا جعفر، حانت وفاتك وانقضتسنوك وأمر الله لا بدّ واقع
فهل كاهن أعددته أو منجّمأبا جعفر عنك المنية دافع
فقال: يا ربيع، ائتني بطهوري، فقام واغتسل وصلّى ولبّى وتجهّز للحجّ، فلما صار في الثلث الأوّل اشتدّت علّته، فجعل يقول: يا ربيع، ألقني في حرم الله، فمات ببئر ميمون.
حدّثني محمد بن داود عن سعيد بن نصير عن العباس بن طالب قال:
قال الربيع بن بزّة: كنت بالشام فسمعت رجلا وهو في الموت يقال له: قل لا إله إلا الله، فقال: اشرب واسقني. ورأيت رجلا بالأهواز قيل له: قل لا إله إلا الله، فقال: ده يا دده، وده دوازده. وقيل لرجل بالبصرة: قل لا إله إلا الله؛ قال:
يا ربّ قائلة يوما وقد لغبتكيف الطريق إلى حمّام منجاب
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ عن معمر عن أبيه قال: لقّن ميّتك، فإذا قاله فدعه يتكلّم بغيرها من أمر الدنيا ولا تضجره.
قال مالك بن ضيغم: لما احتضر أبي قلنا له: ألا توصي؟ قال: بلى، أوصيكم بما أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب: يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
وأوصيكم بصلة الرحم وحسن الجوار وفعل ما استطعتم من المعروف، وادفنوني مع المساكين.
وقال عمر بن عبد العزيز لابنه: كيف تجدك؟ قال: في الموت؛ قال:
لأن تكون في ميزاني أحبّ إليّ من أن أكون في ميزانك، قال: وأنا والله لأن يكون ما تحبّ أحبّ إليّ من أن يكون ما أحبّ.
احتضر سيبويه النحويّ فوضع رأسه في حجر أخيه فقطرت قطرة من دموع أخيه على خدّه، فأفاق من غشيته وقال:
أخيّين كنّا فرّق الدهر بينناإلى الأمد الأقصى ومن يأمن الدهرا؟
أبو أسامة عن سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال: قيل لهرم بن حبّان: أوص؛ فقال: قد صدقتني نفسي في الحياة، ما لي شيء أوصي فيه، ولكن أوصيكم بخواتيم سورة النحل.
قال الشاعر:
ما ارتدّ طرف امرىء بلحظتهإلّا وشيء يموت من جسده
وقال آخر:
المرء يشقى بما يسعى لوارثهوالقبر وارث ما يسعى له الرجل
حدثني محمد بن عبيد عن معاوية عن عمرو عن أبي إسحاق عن أبي حيّان التيميّ عن أبيه قال: أوصى الربيع بن خيثم وأشهد على نفسه وكفى بالله
شهيدا وجازيا لعباده الصالحين ومثيبا: إني رضيت بالله ربّا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا، وأوصي نفسي، ومن أطاعني أن يعبد الله في العابدين ويحمده في الحامدين وينصح لجماعة المسلمين؛ وأوصى أهله: ألّا تشعروا بي أحدا وسلّوني إلى ربّي سلّا.
حدّثني محمد بن أحمد بن يونس قال: سمعت عمر بن جرير المهاجريّ يقول: لما مات ذرّ بن عمر بن ذرّ قال لأصحابه: الآن يضيع الشيخ (لأنه كان به بارّا)؛ فسمعها الشيخ فقال: أنّي أضيع والله حيّ لا يموت؟
فلما واراه التراب وقف على قبره وقال: رحمك الله يا ذرّ! ما علينا بعدك من خصاصة وما بنا إلى أحد مع الله حاجة، وما يسرّني أنّي كنت المقدّم قبلك، ولولا هول المطّلع لتمنّيت أن أكون مكانك، لقد شغلني الحزن لك عن الحزن عليك، فيا ليت شعري ماذا قلت وما قيل لك! ثم رفع رأسه إلى السماء فقال: اللهمّ إنّي قد وهبت حقّي فيما بيني وبينه له، فهب حقّك فيما بينك وبينه له. ثم قال عند انصرافه: مضينا وتركناك، ولو أقمنا ما نفعناك.
حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثنا شريح بن النعمان عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عن عبد الواحد بن أبي عون عن القاسم بن محمد عن عائشة ﵂ أنها قالت: «توفّي رسول الله ﷺ فوالله لو نزل بالجبال الراسيات ما نزل بأبي لهاضها، إشرأبّ النفاق بالمدينة وارتدّت العرب، فوالله ما اختلفوا في نقطة إلا طار أبي بحظها وغنائها في الإسلام». وكانت مع هذا تقول: «من رأى عمر بن الخطاب عرف أنه خلق غناء للإسلام، كان، والله، أحوزيّا نسيج وحده، قد أعدّ للأمور أقرانها». وقالت عند قبره:
«رحمك الله يا أبت! لقد قمت بالدين حين وهي شعبه وتفاقم صدعه ورجفت جوانبه؛ انقبضت مما أصغوا إليه، وشمّرت فيما ونوا فيه واستخففت من دنياك ما استوطنوا وصغّرت منها ما عظّموا ورعيت دينك فيما أغفلوا، أطالوا عنان الأمن واقتعدت مطيّ الحذر، ولم تهضم دينك ولم تشن غدك ففاز عند المساهمة قدحك وخفّ مما استوزروا ظهرك». وقالت أيضا عند قبره: «نضّر الله وجهك يا أبت! فلقد كنت للدنيا مذلّا بإدبارك عنها، وللآخرة معزا بإقبالك عليها؛ ولئن كان أجلّ الرزايا بعد رسول الله ﷺ، رزؤك وأكبر المصائب فقدك، إنّ كتاب الله ليعد بجميل العزاء عند أحسن العوض منك، فأنا أتنجّز من الله موعوده فيك بالصبر عليك، واستعيضه منك بالاستغفار لك؛ عليك سلام الله ورحمته، توديع غير قالية لحياتك ولا زارية على القضاء فيك».
قال الحسين بن عليّ عند قبر أخيه الحسن: «رحمك الله أبا محمد! إن كنت لتباصر الحقّ مظانّة، وتؤثر الله عند مداحض الباطل في مواطن التقيّة بحسن الرويّة، وتستشفّ جليل معاظم الدنيا بعين لها حاقرة، وتفيض عليها يدا ظاهرة الأطراف نقيّة الأسرّة، وتردع بادرة غرب أعدائك بأيسر المؤونة عليك؛ ولا غرو وأنت ابن سلالة النبوّة ورضيع لبان الحكمة؛ فإلى روح وريحان وجنّة نعيم؛ أعظم الله لنا ولكم الأجر عليه، ووهب لنا ولكم السّلوة
وحسن الأسى عنه».
حدّثني عبد الرحمن بن الحسين السعيديّ عن محمد بن مصعب أنّ ابن السمّاك قال يوم مات داود الطائيّ في كلام له: إن داود ﵀ نظر بقلبه إلى ما بين يديه من آخرته، فأعشى بصر القلب بصر العين، فكان كأنه لا ينظر إلى ما إليه تنظرون، وكأنكم لا تنظرون إلى ما إليه ينظر، فأنتم منه تعجبون وهو منكم يعجب، فلما رآكم راغبين مذهولين مغرورين قد أذهلت الدنيا عقولكم وأماتت بحبّها قلوبكم استوحش منكم، فكنت إذا نظرت إليه نظرت إلى حيّ وسط أموات. يا داود، ما أعجب شأنك بين أهل زمانك! أهنت نفسك وإنما تريد إكرامها، وأتعبتها، وإنما تريد راحتها، أخشنت المطعم وإنما تريد طيبه وأخشنت الملبس وإنما تريد لينه، ثم أمتّ نفسك قبل أن تموت، وقبرتها قبل أن تقبر، وعذّبتها ولمّا تعذّب، وأغنيتها عن الدنيا لكيلا تذكر، رغبت نفسك عن الدنيا فلم ترها لك قدرا إلى الآخرة، فما أظنّك إلا وقد ظفرت بما طالبت؛ كان سيماك في سرّك ولم يكن سيماك في علانيتك، تفقّهت في دينك وتركت الناس يغنّون، وسمعت الحديث وتركتهم يحدّثون، وخرست عن القول وتركتهم ينطقون، لا تحسد الأخيار، ولا تعيب الأشرار، ولا تقبل من السلطان عطيّة، ولا من الإخوان هدّية؛ آنس ما تكون إذا كنت بالله خاليا، وأوحش ما تكون آنس ما يكون الناس؛ فمن سمع بمثلك وصبر صبرك وعزم عزمك! لا أحسبك إلا وقد أتعبت العابدين بعدك، سجنت نفسك في بيتك فلا محدّث لك ولا جليس معك ولا فراش تحتك ولا ستر على بابك ولا قلّة يبرّد فيها ماؤك ولا صحفة يكون فيها غداؤك وعشاؤك، مطهرتك قلبك
وقصعتك تورك. داود، ما كنت تشتهي من الماء بارده ولا من الطعام طيّبه ولا من اللباس ليّنه، بلى! ولكن زهدت فيه لما بين يديك؛ فما أصغر ما بذلت، وما أحقر ما تركت في جنب ما أمّلت، فلما متّ شهرك ربّك بموتك، وألبسك رداء عملك، وأكثر تبعك، فلو رأيت من حضرك عرفت أنّ ربّك قد أكرمك وشرّفك، فلتتكلّم اليوم عشيرتك بكلّ ألسنتها، فقد أوضح ربّك فضلها بك، ووالله لو لم يدع عبدا إلى خير بعمله إلا حسن هذا النّشر من كثرة هذا التّبع، لقد كان حقيقا بالإجتهاد والجهد لمن لا يضيع مطيعا ولا ينسى صنيعا شاكرا ومثيبا.
وقف محمد بن سليمان على قبر ابنه فقال: اللهمّ إني أرجوك له وأخافك عليه، فحقق رجائي وآمن خوفي.
مات ابن لأنس بن مالك فقال أنس عند قبره: اللهمّ عبدك وولد عبدك وقد ردّ إليك، فارأف به وارحمه، وجاف الأرض عن بدنه، وافتح أبواب السماء لروحه وتقبّله بقول حسن. ثم رجع فأكل وشرب وادّهن وأصاب من أهله. وقال جرير في امرأته:
لا يلبث القرناء أن يتفرّقواليل يكرّ عليهمو ونهار
صلّى الملائكة الذين تخيّرواوالطيّبون عليك والأبرار
وقفت أعرابيّة على قبر ابنها فقالت: والله ما كان مالك لعرسك، ولا همّك لنفسك، وما كنت إلا كما قال القائل:
رحيب الذراع بالتي لا تشينهوإن كانت الفحشاء ضاق بها ذرعا
حدّثني محمد بن داود عن الصّلت بن مسعود قال: كان سفيان بن عيينة يستحسن شعر عديّ بن زيد:
أين أهل الديار من قوم نوحثم عاد من بعدهم وثمود؟
بينما هم على الأسرّة والأنماط أفضت إلى التراب الخدود
ثم لم ينقض الحديث ولكنبعد ذال الوعد كلّه والوعيد
وأطبّاء بعدهم لحقوهمضلّ عنهم سعوطهم واللّدود
وصحيح أضحى يعود مريضاوهو أدنى للموت ممن يعود
أخذه عليّ بن الجهم فقال:
كم من عليل قد تخطّاه الردىفنجا ومات طبيبه والعوّد
حدّثني عبدة بن عبد الله قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن عبد الملك بن عمير عن ربعيّ بن حراش قال:
أتيت أهلي فقيل لي: مات أخوك، فوجدت أخي مسجّى عليه بثوب، فأنا عند رأسه أترحّم عليه وأدعو له إذ كشف الثوب عن وجهه فقال: السلام عليكم، فقلنا: وعليك السلام، سبحان الله! بعد الموت! فقال: إني تلقّيت بروح وريحان وربّ غير غضبان، وكساني ثيابا من سندس واستبرق، وإني وجدت الأمر
أيسر مما تظنّون ولا تتّكلوا؛ إني استأذنت ربيّ أن أخبركم وأبشّركم، احملوني إلى رسول الله، فقد عهد إليّ ألّا أبرح حتى ألقاه ثم طفىء.
حدّثني أبو سهل عن عليّ بن محمد عن إسحاق بن منصور عن عمارة ابن زاذان عن ثابت أنّ مطرّفا كان يغدو على دابّته بين المقام فأغفى فإذا أهل القبور جلوس على أشفاء قبورهم يقولون: هذا مطرّف يروح إلى الجمعة؛ قلت: هل تعرفون يوم الجمعة؟ قالوا: نعم، وما تقول الطير في جوف السماء، يقولون: سلام، يوم صالح.
حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثنا سفيان بن عيينة عن أبي الزّبير عن جابر قال: لما أراد معاوية أن تجري العين التي حفرها- قال سفيان: تسمّى عين أبي زياد- نادوا بالمدينة: من كان له قتيل فليأت قتيله؛ قال جابر:
فأتيناهم فأخرجناهم رطابا يتثنّون، وأصابت المسحاة رجل رجل منهم فانفطرت دما. قال أبو سعيد الخدريّ: لا ينكر بعد هذا منكر أبدا.
حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير قال: أهل القبور يتوكّفون الأخبار فإذا أتاهم الميت سألوه: ما فعل فلان؟ فيقول: ألم يأتكم! فيقولون: إنا لله وإنا إليه راجعون، سلك به غير سبيلنا.
حدّثني عبد الرحمن العبديّ عن جعفر بن أبي جعفر قال: حدّثنا أبو جعفر السائح عن الربيع بن صبيح قال: شهدت ثابتا البنانيّ يوم مات وشهده
أهل البصرة، فدخلت قبره أنا وحميد الطويل وأبو جعفر حسن مما يلي رأسه فلما ذهبت أسوّي عليه اللّبنة سقطت من يدي فلم أر في اللحد أحدا، وأصغى إليّ حميد أن اختطف صاحبنا وضجّ الناس فسوّينا على اللحد وحثونا التراب؛ فلم يكن لحميد همّة حتى أتى سليمان بن عليّ وهو أمير على البصرة فأخبره، فقال: ما ينكر لله قدرة! إلا أني أنكر أن يكون أحد من أهل زماننا يفعل هذا به، فهل علم به أحد سواك؟ قال: نعم، الربيع بن صبيح وحسن؛ قال: عدلان مرضيّان، فبعث أمناء جيرانه فنبشوا عنه فلم يجدوه في قبره.
وحدّثني أيضا عن أعرابيّة كان يقال لها أمّ غسّان مكفوفة وكانت تعيش بمغزلها وتقول: الحمد لله على ما قضى وارتضى، رضيت من الله ما رضي لي، وأستعين الله على بيت ضيّق الفناء قليل الكواء وأستعين الله على ما يطالع من نواحيه. وماتت جارة لها فقيل لها: ما فعلت جارتك؟ فقالت:
تقسّم جاراتها بيتهاوصارت إلى بيتها الأتلد
وقالت يوما: إن تقبّل الله مني صلاة لم يعذّبني، فقيل لها: كيف ذلك؟
قالت: لأنّ الله، ﷿، لا يثني في رحمته وحلمه، قال: وكنت سمعت حديث معاذ «من كتبت له حسنة دخل الجنّة» ولم أدر ما تفسيره حتى سمعت أمّ غسان تقول هذا، فعرفت تأويله.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع