من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
الكبر والمشيب
حدّثني أبو الخطاب قال: حدّثنا أبو داود عن عبد الجليل بن عطيّة عن
شهر بن حوشب عن عمرو بن عنبسة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من شاب شيبة في الإسلام كانت له نورا يوم القيامة ما لم يخضبها أو ينتفها».
أبو حاتم عن الأصمعيّ عن شيخ من بني فزارة قال: مررت بالبادية وإذا شيخ قاعد على شفير قبر، وإذا في القبور رجال كأنهم الرّماح يدفنون رجلا والشيخ يقول:
أحثوا على الدّيسم من برد الثّرىقدما أبى ربّك إلا ما ترى
فقلت له: من الميت؟ فقال: إبني، فقلت له: من الذين يدفنونه؟ قال:
بنوه.
حدّثنا أبو عبد الرحمن قال: دخل يونس بن حبيب المسجد يهادى بين اثنين من الكبر فقال له رجل كان يتّهمه على مودّته: بلغت ما أرى يا أبا عبد الرحمن! قال: هو ما ترى فلا بلغته. ونحوه قول الشاعر:
يا عائب الشيب لا بلغته
ويقال في الزبور: «من بلغ السبعين اشتكى من غير علّة». وقال محمد ابن حسّان النبطيّ: لا تسأل نفسك العام ما أعطتك في العام الماضي.
رأى ضرار بن عمرو الضبيّ له ثلاثة عشر ذكرا قد بلغوا فقال: من سرّه بنوه ساءته نفسه.
قال ابن أبي فنن:
من عاش أخلقت الأيام جدّتهوخانه الثّقتان السّمع والبصر
قالت عهدتك مجنونا فقلت لهاإنّ الشباب جنون برؤه الكبر
أبو عبيدة قال: قيل لشيخ: ما بقي منك؟ قال: يسبقني من بين يديّ، ويدركني من خلفي، وأنسى الحديث، وأذكر القديم، وأنعس في الملا، وأسهر في الخلا، وإذا قمت قربت الأرض منّي، وإذا قعدت تباعدت عنّي؛ قال الشاعر:
قالت عهدتك مجنونا فقلت لهاإنّ الشباب جنون برؤه الكبر
قال عبد الملك بن مروان للعريان بن الهيثم: كيف تجدك؟ قال:
أجدني قد ابيضّ منّي ما كنت أحبّ أن يسودّ واسودّ منّي ما كنت أحبّ أن يبيضّ واشتدّ منّي ما أحبّ أن يلين ولان منّي ما أحبّ أن يشتدّ وقال:
سلني أنبّئك بآيات الكبرنوم العشاء وسعال بالسّحر
وقلّة النوم إذا الليل اعتكروقلّة الطعم إذا الزاد حضر
وسرعة الطرف وتحميج النظروتركك الحسناء في قبل الطّهر
والناس يبلون كما تبلى الشّجر
وقال حميد بن ثور:
أرى بصري قد رابني بعد صحّةوحسبك داء أن تصحّ وتسلما
وقال الكميت:
لا تغبط المرء أن يقال لهأمسى فلان لسنّه حكما
إن سرّه طول عمره فلقدأضحى على الوجه طول ما سلما
وقال النّمر بن تولب:
يودّ الفتى طول السلامة والغنىفكيف ترى طول السلامة يفعل؟
وقال آخر:
كانت قناتي لا تلين لغامزفألانها الإصباح والإمساء
ودعوت ربّي بالسلامة جاهداليصحّني فإذا السّلامة داء
وقال أبو العتاهية:
أسرع في نقص امرىء تمامه
وقال عبد الحميد الكاتب:
ترحّل ما ليس بالقافلوأعقب ما ليس بالآئل
فلهفي من الخلف النازلولهفي على السّلف الراحل
أبكّي على ذا وأبكي لذابكاء المولّهة الثاكل
تبكّي من ابن لها قاطعوتبكي على ابن لها واصل
تقضّت غوايات سكر الصباوردّ التّقى عند الباطل
محمد بن سلّام الجمحيّ عن عبد القاهر بن السريّ قال: كتب الحجاج إلى قتيبة بن مسلم: إني نظرت في سنّك فوجدتك لدتي وقد بلغت الخمسين وإنّ امرأ سار إلى منهل خمسين عاما لقريب منه. فسمع به الحجاج ابن يوسف التيميّ فقال:
إذا كانت السبعون سنّك لم يكنلدائك إلا أن تموت طبيب
وإنّ امرأ قد سار سبعين حجّةإلى منهل من ورده لقريب
إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقلخلوت ولكن قل عليّ رقيب
إذا ما انقضى القرن الذي أنت منهموخلّفت في قرن فأنت غريب
وقال لبيد؛
أليس ورائي إن تراخت منيّتيلزوم العصا تحنى عليها الأصابع
أخبّر أخبار القرون التي مضتأدبّ كأني كلّما قمت راكع
وقال آخرون مثله:
حنتني حانيات الدهر حتىكأني خاثل يدنو لصيد
وقيل لرجل من الحكماء: مالك تدمن إمساك العصا ولست بكبير ولا مريض؟ فقال: لأذكر أني مسافر؛ قال الشاعر:
حملت العصالا الضعف أوجب حملهاعليّ ولا أني تحنّيت من كبر
ولكنّني ألزمت نفسي حملهالأعلمها أنّ المقيم على سفر
ومرّ شيخ من العرب بغلام فقال له الغلام: أحصدت يا عمّاه فقال: يا بنيّ، وتختضرون.
قال الحسن في موعظة له: يا معشر الشيوخ، الزرع إذا بلغ ما يصنع به؟
قالوا: يحصد قال: يا معشر الشباب، كم من زرع لم يبلغ أدركته آفة، قال الشاعر:
الدّهر أبلاني وما أبليتهوالدّهر غيّرني وما يتغيّر
والدّهر قيّدني بخيط مبرمفمشيت فيه وكلّ يوم يقصر
وقال عمارة بن عقيل:
وأدركت ملء الأرض ناسا فأصبحواكأهل الدّيار قوّضوا فتحمّلوا
وما نحن إلا رفقة قد ترحّلتوأخرى تقضّي حاجها وترحّل
ذكر أعرابيّ الشّيب فقال: والله لقد كنت أنكر الشعرة البيضاء فقد صرت أنكر السوداء، فيا خير بدل ويا شرّ مبدول. وقال بعض الشعراء:
شاب رأسي وما رأيت مشيب الرأس إلّا من فضل شيب الفؤاد
وكذاك القلوب في كلّ بؤسونعيم طلائع الأجساد
طال إنكاري البياض فإن عمرت شيئا أنكرت لون السواد
رأى إياس بن قتادة شعرة بيضاء في لحيته، فقال: أرى الموت يطلبني وأراني لا أفوته، أعوذ بك يا ربّ من فجاءات الأمور، يا بني سعد، قد وهبت لكم شبابي فهبوا لي شيبتي، ولزم بيته.
قال قيس بن عاصم: الشيب خطام المنيّة.
قال آخر: الشيب بريد الحمام.
قال آخر: الشيب توأم الموت.
قال آخر: الشيب تاريخ الموت.
قال آخر: الشيب أوّل مراحل الموت.
قال آخر: الشّيب تمهيد الحمام.
قال آخر: الشيب عنوان الكبر.
قال عبيد بن الأبرص:
والشّيب شين لمن يشيب
ويقال: شيب الشّعر موت الشّعر، وموت الشعر علّة موت البشر. قال الشاعر:
وكان الشباب الغضّ لي فيه لذةفوقّرني عنه المشيب وأدّبا
فسقيا ورعيا للشباب الذي مضىوأهلا وسهلا بالمشيب ومرحبا
وقال أعرابيّ- ويقال هي لأبي دلف -:
في كل يوم من الأيام نابتةكأنما نبتت فيه على بصري
لئن قرضتك بالمقراض عن بصريلما قرضتك عن همّي ولا فكري
وقال أعرابيّ:
أرى الشّيب مذ جاوزت خمسين دائبايدبّ دبيب الصبح في غسق الظّلم
هو السّمّ إلا أنه غير مؤلمولم أر مثل الشيب سمّا بلا ألم
وقال آخر:
قصر الحوادث خطوه فتدانىوحنين صدر قناته فتحانى
صحب الزمان على اختلاف فنونهفأراه منه شدّة وليانا
ما بال شيخ قد تخدّد لحمهأنضى ثلاث عمائم ألوانا
سوداء داجية وسحن مفوّفوأجدّ أخرى بعد ذاك هجانا
ثم الممات وراء ذلك كلّهوكأنما يعنى بذاك سوانا
وقال آخر يذكر الشباب:
لما مضى ظاعنا عنا فودّعناوكان كالميت لم يترك له عقبا
عدنا إلى حالة لا نستطيع لهاوصل الغوانى وعاب الشيب من لعبا
وقال محمود الورّاق:
بكيت لقرب الأجلوبعد فوات الأمل
ووافد شيب طرابعقب شباب رحل
شباب كأن لم يكنوشيب كأن لم يزل
طواك بشير البقاوجاء بشير الأجل
طوى صاحب صاحباكذاك انتقال الدّول
وقال أبو الأسود يذمّ الشباب:
غدا منك أسباب الشباب فأسرعاوكان كجار بان يوما فودّعا
فقلت له فاذهب ذميما فليتنيقتلتك علما قبل أن تتصدّعا
جنيت عليّ الذنب ثم خذلتنيعليه فبئس الخلّتان هما معا
وكنت سرابا ما ضحا إذ تركتنيرهينة ما أجني من الشرّ أجمعا
وقال آخر:
استنكرت شيبي فقلت لهاليس المشيب بناقص عمري
وتنفّست بي همّة وصلتأملي بكلّ رفيعة الذّكر
روى عبد الله بن حفص الطاحي عن زكريا بن يحيى بن نافع الأزديّ عن أبيه أنّ عمر بن الخطاب ﵁ قال: اخضبوا بالسّواد، فإنه أنس للنساء وهيبة للعدوّ. قال عمر بن المبارك الخزاعيّ:
من لأذني بملامولكفّي بمدام
دقّ عظم الجهل منّىوانثنى سنّ عرامي
وتمشّى الفدّ من شيبي إلى الشّيب التّؤام
نظمك الدّرّ إلى الدّرّة في سلك النّظام
وقال أبو العتاهية:
نعى لك ظلّ الشباب المشيبونادتك باسم سواك الخطوب
فكن مستعدّا لداعي المنونفكلّ الذي هو آت قريب
وقبلك داوى المريض الطبيبفعاش المريض ومات الطبيب
يخاف على نفسه من يتوبفكيف ترى حال من لا يتوب؟
محمد بن سلّام قال: سمعت يونس بن حبيب يقول: لا يأمن من قطع في خمسة دراهم خير عضو منك أن يكون عقابه هكذا غدا.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع