من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
التهجد
حدّثنا حسين بن حسن المروزيّ قال: حدّثنا عبد الله بن المبارك قال: أخبرني معمر والأوزاعيّ عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي زمعة بن كعب الأسلمي قال: كنت أبيت عند حجرة النبيّ ﷺ فكنت أسمع، إذا قام من الليل، «سبحان الله ربّ العالمين» الهويّ من الليل، ثم يقول:
«سبحان الله وبحمده» الهويّ.
حدثنا حسين قال: حدّثنا سفيان بن عيينة عن زياد بن علاقة قال:
سمعت المغيرة بن شعبة يقول: قام رسول الله ﷺ حتى تورّمت قدماه؛ فقيل:
يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؛ قال: «أفلا أكون عبدا شكورا؟».
حدّثنا حسين قال: حدّثنا عبد الله بن المبارك قال: أخبرنا حمّاد بن سلمة عن ثابت البنانيّ عن مطرّف بن عبد الله عن أبيه قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو يصلّي ولجوفه أزير كأزيز المرجل.
بلغني عن رباح عن معتمر عن رجل قد سمّاه قال: قال يزيد الرّقاشيّ:
إذا أنا نمت ثم استيقظت ثم نمت فلا نامت عيناي، وعلى الماء البارد السلام. يعني بالنهار.
وروى جرير عن عطاء بن السائب قال: قال عبيدة بن هلال الثّقفي: لا يشهد عليّ ليل بنوم ولا شمس بإفطار؛ فبلغ ذلك عمر فأقسم عليه ليفطرنّ العيدين.
وروى حمّاد بن سلمة عن أبي جعفر الخطميّ عن جدّه عمير بن حبيب قال: كان يقول لأهله: يآهلاه، الدّلجة الدّلجة، إنه من يسبق إلى الماء يظمأ؛ يآهلا، الدّلجة الدّلجة، إنه من يسبق إلى الظلّ يضحى.
قال أبو سليمان الدارانيّ: أهل الليل في ليلهم ألذّ من أهل اللهو في لهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء.
خرج عيسى ﵇ على الحواريّين، وعليهم العباء وعلى
وجوههم النور، فقال: يا أبناء الآخرة، ما تنعّم المتنعّمون إلا بفضل نعيمكم.
وقيل للحسن: ما بال المتهجّدين من أحسن الناس وجوها؟ فقال: إنهم خلوا بالرحمن فألبسهم نورا من نوره.
حصين بن عبد الرحمن عن إبراهيم قال: كان رجل يقال له همام يقول: اللهمّ اشفني من النوم باليسير، وارزقني سهرا في طاعتك. وكان يصبح وجمّته مرجّلة؛ فيقول بعضهم لبعض: إن جمّة همام تخبركم أنه لم يتوسّدها الليلة.
قال عبد الله بن داود: كان أحدهم إذا بلغ أربعين سنة طوى فراشه.
وكان بعضهم يحيي الليل، فإذا نظر إلى الفجر قال: «عند الصباح يحمد القوم السّرى».
حدّثنا حسين بن حسن قال: أخذ الفضيل بن عياض بيدي ثم قال: يا حسين، يقول الله: كذب من ادّعى محبتي وإذا أجنّه الليل نام عني، أليس كلّ حبيب يحبّ خلوة حبيبه؟ هأنذا مطّلع على أحبّائي، إذا أجنّهم الليل جعلت أبصارهم في قلوبهم، ومثّلت نفسي بين أعينهم، فخاطبوني على المشاهدة وكلّموني على الحضور.
الوليد بن مسلم قال: حدّثني عبد الرحمن بن يزيد قال: كنّا نقاريء عطاء الخراسانيّ فكان يحيى الليل صلاة، فإذا مضى من الليل ثلثه أو أكثر نادانا ونحن في فسطاطنا: يا عبد الرحمن بن يزيد، ويا يزيد بن يزيد، ويا
هشام بن الغازي، قوموا فتوضّأوا وصلّوا. فإنّ قيام هذا الليل وصيام هذا النهار أيسر من شرب الصديد ومن مقطّعات الحديد؛ فالوحا الوحا ثم النجاء النجاء؛ ويقبل على صلاته.
مالك بن مغول عن رجل من جعفيّ عن السديّ عن أبي أراكة قال:
صلّى عليّ الغداة ثم جلس حتى ارتفعت الشمس كأنّ عليه كآبة، ثم قال:
والله، لقد رأيت أثرا من أصحاب رسول الله ﷺ فما أرى أحدا يشبههم، والله إن كانوا ليصبحون شعثا غبرا صفرا، بين أعينهم مثل ركب المعزى، قد باتوا يتلون كتاب الله، يراوحون بين أقدامهم وجباههم؛ إذا ذكروا الله مادوا كما يميد الشجر في يوم ريح، وانهملت أعينهم حتى تبلّ ثيابهم، وكأنهم، والله، باتوا غافلين. يريد أنهم يستقلّون ذلك.
المحاربيّ عن الإفريقيّ قال: حدّثنا أبو علقمة عن أبي هريرة قال: إنّ أهل السماء ليرون بيوت أهل الذكر تضيء لهم كما تضيء الكواكب لأهل الأرض.
يعلى بن عبيد عن محمّد بن عون عن إبراهيم بن عيسى عن عبد الله بن عيسى قال: كونوا ينا بيع العلم، مفاتيح الهدى، أحلاس البيوت، جدد القلوب، خلقان الثياب، سرج الليل، تعرفوا في أهل السماء، وتخفوا في أهل الأرض.
حدّثني محمد بن داود قال: حدثنا أبو الربيع الزّهرانيّ قال: حدّثنا أبو عوانة عن المغيرة عن إبراهيم: في الرجل يرى الضوء بالليل؛ قال: هو من الشيطان، لو كان هذا فضلا لأوثر به أهل بدر.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع