تجاوز إلى المحتوى

من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)

المناجاة

حدّثني عبد الله بن هارون عن سليم بن منصور عن أبيه قال: كنت بالكوفة فخرجت في بعض الليل لحاجة وأنا أظنّ أنّي قد أصبحت فإذا عليّ ليل فملت إلى بعض أبوابها أنتظر الصبح فسمعت من وراء الباب كلام رجل وهو يقول: فوعزّتك وجلالك ما أردت بمعصيتي مخالفتك، وما عصيتك إذ

عصيتك وأنا بنكالك جاهل، ولا بعقوبتك ولا بنظرك مستخفّ، ولكن سوّلت لي نفسي، وأعانني على ذلك شقوتي، وغرّني سترك المرخى عليّ، فعصيتك بجهل وخالفتك بجهل، فالآن من عذابك من يستنقذني وبحبل من أعتصم إن قطعت حبلك عنّي، فواسوأتاه من الوقوف بين يديك غدا! إذا قيل للمخفّين: جوزوا وللمثقلين: حطّوا؛ أفمع المثقلين أحطّ أم مع المخفّين أجوز؟ ويلي! كلّما كبرت سنّي كثرت ذنوبي؛ ويلي! كلّما طال عمري كثرت معاصيّ فمن كم أتوب! وفي كم أعود! أما آن لي أن أستحي من ربّي؟

بلغني عن الوليد بن مسلم عن عثمان بن أبي العاتكة قال: كان داود النبيّ ﵇ يقول في مناجاته: سبحانك إلهي! إذا ذكرت خطيئتي ضاقت عليّ الأرض برحبها، وإذا ذكرت رحمتك ارتدّ إليّ روحي، سبحانك إلهي! أتيت أطبّاء عبادك ليداووا لي خطيئتي فكلّهم عليك يدلّني.

حدّثني بعض أشياخنا قال: كان داود الطائيّ يقول: همّك عطّل عليّ الهموم، وحالف بيني وبين السّهاد، وشدّة الشفق من لقائك أوبق عليّ الشهوات، ومنعني اللذّات، فأنا في طلبك أيها الكريم مطلوب. وقال: تعبّد ضيعم قائما حتى أقعد، وقاعدا حتى استلقى، ومستلقيا حتى أفحم؛ فلما جهد رفع بصره إلى السماء وقال: سبحانك، عجبا للخليقة كيف أرادت بك بدلا؟ وسبحانك، عجبا للخليقة كيف استنارت قلوبها بذكر غيرك؟ وعجبا للخليقة كيف أنست بسواك؟

عتبة أبو الوليد قال: كانت امرأة من التابعين تقول:

سبحانك، ما أضيق الطريق على من لم تكن دليله! سبحانك ما أوحش

الطريق على من لم تكن أنيسه!.

أبو الحسن قال: كان عروة بن الزّبير يقول في مناجاته بعد أن قطعت رجله ومات ابنه: كانوا أربعة، يعني بنيه، فأخذت واحدا وأبقيت ثلاثة، وكنّ أربعا يعني يديه ورجليه، فأخذت واحدة وأبقيت ثلاثا، ليمنك لئن كنت أخذت لقد أبقيت، ولئن كنت ابتليت لقد عافيت.

وفي حديث بني إسرائيل أنّ يونس ﵇ قال لجبريل ﵇: دلّني على أعبد أهل الأرض فدلّه على رجل قد قطع الجذام يديه ورجليه، وذهب ببصره، فسمعه يقول: متّعتني ما شئت، وسلبتني حين شئت، وأبقيت لي فيك الأمل يا بارّ يا وصول.

ومن دعاء بعض الصالحين: اللهمّ اقطع حوائجي من الدنيا بالشوق إلى لقائك، واجعل قرّة عيني في عبادتك، وارزقني غمّ خوف الوعيد، وشوق رجاء الموعود، أللهمّ إنك تعلم ما يصلحني في دنياي وآخرتي فكن بي خفيّا.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عيون الأخبار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.