تجاوز إلى المحتوى

من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)

باب البكاء

حدّثني أبو مسعود الدارميّ قال: حدّثني جدّي عن أنس بن مالك قال:

جاء فتى من الأنصار إلى رسول الله ﷺ وقال: إنّ أمّي تكثر البكاء وأخاف على بصرها أن يذهب؛ فلو أتيتها فوعظتها! فذهب معه فدخل فقال لها في ذلك؛ فقالت: يا رسول الله، أرأيت إن ذهب بصري في الدنيا ثم صرت إلى الجنة، أيبدلني الله خيرا منه؟ قال: «نعم» قالت: فإن ذهب بصري في الدنيا

ثم صرت إلى النار؛ أفيعيد الله بصري؟ فقال النبيّ ﵇ للفتى: «إنّ أمّك صدّيقة».

حدّثني محمد بن عبيد عن معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق عن الأوزاعيّ عن ثابت بن سعيد قال: ثلاث أعين لا تمسّها النار؛ عين حرست في سبيل الله؛ وعين سهرت في كتاب الله؛ وعين بكت في سواد الليل من خشية الله.

أبو حاتم عن العتبيّ قال: حدّثنا أبو إبراهيم قال: لا يكون البكاء إلا من فضل فإذا اشتدّ الحزن ذهب البكاء، وأنشد:

فلئن بكيناه يحقّ لناولئن تركنا ذاك للكبر
فلمثله جرت العيون دماولمثله جمدت فلم تجر

بلغني عن أبي الحارث الليث بن سعد عن أبيه عن ابن لهيعة عن أبي قبيل عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: دخل يحيى بن زكريّا بيت المقدس وهو ابن ثماني حجج، فنظر إلى عبّاد بيت المقدس قد لبسوا مدارع الشّعر، وبرانس الصوف، ونظر إلى متهجّديهم أو قال مجتهديهم قد خرقوا التراقي، وسلكوا فيها السلاسل، وشدّوها إلى حنايا بيت المقدس، فهاله ذلك؛ فرجع إلى أبويه فمرّ بصبيان يلعبون فقالوا: يا يحيى، هلمّ فلنلعب قال: إني لم أخلق للّعب، فذلك قول الله تعالى: وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا

فأتى أبويه فسألهما أن يدرّعاه الشّعر ففعلا، ثم رجع إلى بيت المقدس فكان يخدمه نهارا ويصيح فيه ليلا، حتى أتت له خمس عشرة سنة، وأتاه الخوف فساح ولزم أطراف الأرض وغيران الشّعاب، وخرج أبواه في طلبه فوجداه

حين نزلا من جبال التّيه على بحيرة الأردنّ وقد قعد على شفير البحيرة وأنقع قدميه في الماء، وقد كاد العطش يذبحه وهو يقول: وعزّتك لا أذوق بارد الشراب حتى أعلم أين مكاني منك! فسأله أبواه أن يأكل قرصا كان معهما من شعير، ويشرب من الماء ففعل وكفّر عن يمينه فمدح بالبرّ؛ قال الله ﷿:

وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا

وردّه أبواه إلى بيت المقدس، فكان إذا قام في صلاته بكى، ويبكي زكريّا لبكائه حتى يغمى عليه، فلم يزل كذلك حتى خرقت دموعه لحم خدّيه، وبدت أضراسه، فقالت له أمه: يا يحيى، لو أذنت لي اتخذت لك لبدا ليواري إضراسك عن الناظرين؛ قال: أنت وذاك، فعمدت إلى قطعتي لبود فألصقتهما على خدّيه، فكان إذا بكى استنقعت دموعه في القطعتين فتقوم إليه أمّه فتعصرهما بيديها، فكان إذا نظر إلى دموعه تجري على ذراعي أمّه قال: اللهمّ، هذه دموعي وهذه أمّي وأنا عبدك وأنت أرحم الراحمين.

بلغني عن أبي معاوية عن أبي إسحاق الخميسيّ قال: كان يزيد الرّقاشيّ يقول: ويحك يا يزيد! من يصوم عنك! من يصلّي عنك! ومن ذا يترضّى لك ربّك من بعدك! ثم يقول: يا معشر من الموت موعده، والقبر بيته ألا تبكون؟ قال: فكان يبكي حتى تسقط أشفار عينيه.

بلغني عن محمّد بن فضيل عن العلاء بن المسيّب عن الحسن قال: قال النبيّ ﷺ: «ما من قطرة أحبّ إلى الله من قطرة دم في سبيله وقطرة دمع في

جوف الليل من خشيته، وما من جرعة أحبّ إلى الله من جرعة مصيبة موجعة ردّها بصبر وحسن عزاؤه، وجرعة غيظ كظم عليها».

معتمر بن سليمان عن رجل قال: كان في وجنتي ابن عباس خطّان من أثر الدموع.

حدّثني محمّد بن داود عن سعيد بن نصير قال: حدّثنا سيّار عن جعفر قال: كنت إذا أحسست من قلبي بقسوة أتيت محمد بن واسع فنظرت إليه نظرة: قال: وكنت إذا رأيت وجهه حسبته وجه ثكلى.

وكان يقال: أخوك من وعظك برؤيته قبل أن يعظك بكلامه.

تكلّم الحسن يوما حتى أبكى من حوله فقال: عجيج كعجيج النساء ولا عزم، وخدعة كخدعة إخوة يوسف جاءوا أباهم عشاء يبكون.

أبو عاصم قال: فقد مالك بن دينار مصحفه في مجلسه؛ فنظر إليهم كلّهم يبكون؛ فقال: كلّكم يبكي! فمن سرق المصحف؟.

قال عبد العزيز بن مرزوق: الكمد أبقى للحزن؛ وكانت له شعيرات في مقدّم صدغه فإذا رقّ نتفها أو مدّها إلى فوق فتقلّص دمعه.

قيل لغالب بن عبيد الله: إنا نخاف على عينك العمى من طول البكاء؛ فقال: هو لها شهادة؛ قال بعض الشعراء:

سأبكيك حتى تنفد العين ماءهاويشفي منّي الدمع ما أتوجّع
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لو لم يفارقني عطية لم أهن»

وقال بعض الكتّاب في مثله:

إبك فمن أنفع ما في البكاأنّه للأحزان تسهيل
وهو إذا أنت تأمّلتهحزن على الخدّين محلول
للشاعر الحسن بن وهب، اقرأ القصيدة

قيل لعفيرة العابدة: ألا تسأمين من طول البكاء؟ فبكت ثم قالت: كيف يسأم ذو داء من شيء يرجو أن يكون له فيه من دائه شفاء؟

قال ابن أبي الحواريّ: رأيت أبا سليمان الدارانيّ يبكي، فقلت له: ما يبكيك؟ فقال: إنما أبكي لذلك الغمّ الذي ليس فيه فرح، وذلك الأمد الذي ليس له انقطاع.

قال بعضهم: أتيت الشام، فمررت بدير حرملة، وبه راهب كأنّ عينيه عدلا مزاد؛ فقلت؛ ما يبكيك؟ فقال: يا مسلم، أبكي على ما فرّطت فيه من عمري، وعلى يوم مضى من أجلي لم يتبيّن فيه عملي. قال: ثم مررت بعد ذلك فسألت عنه؛ فقالوا: أسلم وغزا فقتل في بلاد الروم.

أشعث قال: دخلت على يزيد الرّقاشيّ فقال لي: يا أشعث، تعالى حتى نبكي على الماء البارد في يوم الظمأ، ثم قال: والهفاه! سبقني العابدون وقطع بي؛ وكان قد صام ثلاثين أو أربعين سنة.

زيد الحميريّ قال: قلت لثوبان الراهب: أخبرني عن لبس النصارى هذا السواد، ما المعنى فيه؟ قال: هو أشبه بلباس أهل المصائب؛ قال:

فقلت: وكلّكم معشر الرهبان قد أصيب بمصيبة؟ فقال: يرحمك الله! وأيّ مصيبة أعظم من مصائب الذنوب على أهلها؟ قال زيد: فلا أذكر قوله ذلك إلا أبكاني.

ابن أبي الحواريّ قال: دخلت على أبي سليمان وهو يبكي؛ فقلت: ما

يبكيك؟ قال: يا أحمد، إنه إذا جنّ الليل وهدأت العيون وأنس كلّ خليل بخليله، فرش أهل المحبة أقدامهم، وجرت دموعهم على خدودهم يسمع لها وقع على أقدامهم، وقد أشرف الجليل عليهم فقال: بعيني من تلذّذ بكلامي واستراح إليّ، فما هذا البكاء الذي أراه منكم؟ هل أخبركم أحد أنّ حبيبا يعذّب أحباءه؟ أم كيف أبيّت قوما، وعند البيات أجدهم وقوفا يتملّقونني! فبي حلفت أن أكشف لهم يوم القيامة عن وجهي ينظرون إليّ.

قالت خنساء: كنت أبكي لصخر من القتل، فأنا أبكي له اليوم من النار.

قال عمر بن ذرّ لأبيه: يا أبت، مالك إذا تكلّمت أبكيت الناس، وإذا تكلّم غيرك لم يبكهم؟ فقال: يا بنيّ، ليست النائحة الثكلى مثل النائحة المستأجرة.

وفي بعض ما أوحى الله إلى نبيّ من أنبيائه: هب لي من قلبك الخشوع، ومن بدنك الخضوع، ومن عينك الدموع، وادعني، فإني قريب.

وكان عمر يقول: استغزروا العيون بالتذكّر.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عيون الأخبار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.