تجاوز إلى المحتوى

من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)

الأكفاء من الرجال

عن أبي هريرة قال قال النبي ﷺ: «إذا جاءكم من ترضون خلقه وخلقه فزوّجوه إنكم إلّا تفعلوه تكن قتنة في الأرض وفساد عريض».

وعن الحسن عن سمرة عن النبيّ ﷺ قال: الحسب المال والكرم التقوى.

وعن أنس قال: قالت أمّ حبيبة: يا رسول الله، المرأة منّا يكون لها الزوجان في الدنيا فتموت فلأيّهما تكون في الآخرة؟ قال: «لأحسنهما خلقا يا أمّ حبيبة، ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة».

عن عطيّة بن قيس قال: خطب معاوية أمّ الدّرداء فقالت: قال أبو الدرداء: قال رسول الله ﷺ: «المرأة لآخر زوجيها» فلست بمتزوّجة بعد أبي الدرداء حت أتزوّجه في الجنة إن شاء الله تعالى. ويقال: إنما حرم أزواج النبيّ ﷺ على من بعده لأنّهنّ أزواجه في الجنّة.

عن هشام بن عروة عن أبيه قال: قال عمر بن الخطاب ﵁:

لا تكرهوا فتياتكم على الرجل القبيح فإنّهنّ يحببن ما تحبّون.

ابن الأعرابيّ قال: قيل لابنة الخسّ: ألا تتزوّجين؟ فقالت: بلى، لا أريده أخا فلان ولا ابن فلان ولا الظريف المتظرّف ولا السمين الألحم، ولكن أريده كسوبا إذا غدا، ضحوكا إذا أتى. وكان أبوها قد كفّ بصره فقال:

ما بال ناقتك؟ قالت: عينها هاجّ وملؤها راج وتمشي وتفاج؛ فقال: يا بنيّة اعقليها، فعقلتها. فقال: ما صنعت حتى اضطرمت.

قيل لأعرابيّ: فلان يخطب فلانة، قال: أموسر من عقل ودين؟ قالوا:

نعم، قال: فزوّجوه.

عن عيسى بن عمر قال: قال رجل لأعرابيّ: أمنكحي أنت؟ قال: لا، قال: ولم؟ لأنك أصبح اللّحية.

وكان عقيل بن علّفة غيورا، فخطب إليه عبد الملك بن مروان ابنته على أحد بنيه، وكانت لعقيل إليه حوائج، فقال له: إن كنت لا بدّ فاعلا فجنّبني هجناءك.

وخطب إليه إبراهيم بن هشام بن إسماعيل- وكان إبراهيم بن هشام والي المدينة وخال هشام بن عبد الملك- فردّه لأنه كان أبيض شديد البياض، فقال:

رددت صحيفة القرشيّ لمّاأبت أعراقه إلا احمرارا

وقال رجل من الأعراب:

يسمّوننا الأعراب والعرب اسمناواسماؤهم فينا رقاب المزاود

يعني العجم يسمّون الحمراء.

ابن الأعرابيّ قال: قال عبد الملك بن مروان لامرأة من قريش تزوّجت

رجلا مغموصا عليه: أتنكح الحرّة عبدها؟ فقالت: يا أمير المؤمنين:

إنّ المهور تنكح الأيامىالنّسوة الأرامل اليتامى

المرء لا تبغي له سلاما

وقال ابن الأعرابيّ: خطب رجل إلى رجل فلم يرضه فأنشأ يقول:

قل للّذين سعوا يبغون رخصتهاما رخّص الجوع عندي أمّ كلثوم
الموت خير لها من بعل منقصةساقت إليه أباها جلّة كوم

وكان عمر الخير نكّاحا فكان في عام سنة يقول: لعل الضّيّقة تحملهم على أن ينكحوا غير الأكفاء.

وقال المساور للمرّار:

ما سرّني أنّ أمي من بني أسدوأنّ ربّي ينجيني من النّار
للشاعر مساور بن هند، من قصيدة «ما سَرَّنى أَنَّ أمي من بنى أَسَدٍ»
وأنهم زوّجوني من بناتهموأنّ لي كلّ يوم ألف دينار
للشاعر مساور بن هند، من قصيدة «ما سَرَّنى أَنَّ أمي من بنى أَسَدٍ»

فأجابه المرّار:

فلست للأمّ من عبس ومن أسدوإنما أنت دينار ابن دينار
للشاعر المُرّار الفَقعَسي، اقرأ القصيدة
وإن تكن أنت من عبس وأمّهمفإن أمّكم من جارة الجار
للشاعر المُرّار الفَقعَسي، اقرأ القصيدة

دينار ابن دينار: عبد ابن عبد. وجارة الجار: الاست، والجار: الفرج.

وقال بعض الأعراب:

أقول لها لما أتتني تدلّنيعلى امرأة موصوفة بجمال
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أقول لها لما أتتني تدلني»
أصبت لها والله بعلا كما اشتهتإن اغتفرت مني ثلاث خصال
فمنهنّ فسق لا يبارى وليدهورقّة إسلام وقلّة مال

وقال رجل لابن هبيرة: أنا ابن الذي خطب إلى معاوية؛ فقال ابن هبيرة: أفزوّجه؟ قال: لا؛ فقال: ما صنعت شيئا.

أبو الحسن المدائنيّ قال: خطب رجل من بني كلاب امرأة، فقالت له أمّها: حتى أسأل عنك، فانصرف فسأل عن أكرم الحيّ عليها، فدلّ على شيخ فيهم كان يحسن المحضر في الأمر يسأل عنه، فسأله أن يحسن عليه الثناء وانتسب له فعرفه؛ ثم إنّ العجوز شمّرت فسألته عنه فقال: أنا ربّيته، قالت:

كيف لسانه؟ قال: مدره قومه وخطيبهم. قالت: كيف شجاعته؟ قال: حامي قومه وكهفهم. قالت: فكيف سماحته؟ قال: ثمال قومه وربيعهم. فأقبل الفتى فقال الشيخ: ما أحسن والله ما أقبل! ما انثنى ولا انحنى. فدنا الفتى فقال الشيخ: ما أحسن والله ما سلّم! ما جار ولا خار. ثم جلس، فقال: ما أحسن والله ما جلس! ما دنا ولا ثنى. فذهب الفتى ليتحرّك فضرط، فقال الشيخ: ما أحسن والله ما ضرط! ما أغنّها ولا أطنّها، ولا بربرها ولا فرفرها.

فنهض الفتى خجلا فقال: ما أحسن والله ما نهض! ما انفتل ولا انحزل.

فأسرع الفتى، فقال: ما أحسن والله ما خطا! ما ازورّ ولا اقطوطى. قالت العجوز: وجّه إليه من يردّه، لو سلح لزوّجناه.

خطب خالد بن صفوان امرأة فقال: أنا خالد بن صفوان؛ والحسب على ما قد علمته، وكثرة المال على ما قد بلغك، وفيّ خصال سأبيّنها لك فتقدمين عليّ أو تدعين؛ قالت: وما هي؟ قال: إن الحرّة إذا دنت منّي أملّتني، وإذا تباعدت عني أعلّتني، ولا سبيل إلى درهمي وديناري، ويأتي عليّ ساعة من الملال لو أنّ رأسي في يدي نبذته؛ فقالت: قد فهمنا مقالتك ووعينا ما ذكرت، وفيك بحمد الله خصال لا نرضاها لبنات إبليس، فانصرف رحمك الله.

قال بعض الشعراء:

ألا يا ليل إن خيّرت فينابعيشك فانظري أين الخيار
فلا تستنكحي فدما غبيّاله ثأر وليس عليه ثار

وقال آخر لامرأته:

فإمّا هلكت فلا تنكحيظلوم العشيرة حسّادها
يرى مجده ثلب أعراضهالديه ويبغض من سادها

وقال آخر:

فلا تنكحي إن فرّق الدهر بينناأغمّ القفا والوجه ليس بأنزعا
من القوم ذا لونين وسّع بطنهولكن أذّيا حلمه ما توسّعا
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة
ضروبا بلحييه على عظم زورهإذا القوم هشّوا للفعال تقنّعا
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة

زوّج إبراهيم بن النعمان بن بشير يحيى بن أبي حفصة مولى عثمان بن عفّان ابنته على عشرين ألف درهم، فعيّر فقال:

فما تركت عشرون ألفا لقائلمقالا فلا تحفل مقالة لائم
فإن أك قد زوّجت مولى فقد مضتبه سنّة قبلي وحبّ الدّراهم

ويحيى هذا جدّ مروان الشاعر، وكان يهوديّا فأسلم على يد عثمان.

وتزوّج أيضا خولة بنت مقاتل بن طلبة بن قيس بن عاصم سيّد أهل الوبر.

فقال القلاخ:

نبّئت خولة قالت حين أنكحهالطالما كنت منك العار أنتظر
أنكحت عبدين ترجو فضل مالهمافي فيك مما رجوت التّرب والحجر
لله درّ جياد أنت سائسهابرذنتها وبها التّحجيل والغرر

خطب رجل إلى ابن عبّاس يتيمة له؛ فقال ابن عبّاس: لا أرضاها لك؛ قال: ولم، وفي حجرك نشأت؟ قال: لأنها تتشوّف وتنظر. قال: وما هذا!

فقال ابن عبّاس: الآن لا أرضاك لها.

كتب زياد إلى سعيد بن العاص يخطب إليه أمّ عثمان بنت سعيد وبعث إليه بمال كثير؛ فلما قرأ الكتاب أمر حاجبه بقبض المال والهدايا، فلما قبضها أمره يقسمها بين جلسائه؛ فقال الحاجب: إنها أكثر من ذلك؛ فقال: أنا أكثر منها، ففعل؛ ثم كتب إلى زياد: بسم الله الرحمن الرحيم. ف إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى

خطب لقيط بن زرارة إلى قيس بن خالد ذي الحدّين الشّيبانيّ؛ فقال له قيس: ومن أنت؟ قال: لقيط بن زرارة. قال: وما حملك أن تخطب إليّ علانية؟ فقال) لأنّي عرفت أنّي إن عالنتك لم أفصحك وإن ساررتك لم أخدعك؛ فقال: كفء كريم، لا تبيت والله عندي عزبا ولا غريبا. فزوّجه ابنته وساق عنه.

قال رجل للحسن: إن لي بنيّة وإنها تخطب، فممّن أزوّجها؟ فقال:

زوّجها ممن يتقي الله، فإن أحبّها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها.

قال أبو اليقظان: خطب عمر بن الخطّاب أمّ أبان بنت عتبة بن ربيعة بعد أن مات عنها يزيد بن أبي سفيان، فقالت: لا يدخل إلا عابسا ولا يخرج إلّا عابسا، يغلق أبوابه ويقلّ خيره. ثم خطبها الزّبير، فقالت: يد له على قرونى ويد له في السّوط. وخطبها عليّ، فقالت: ليس للنساء منه حظّ إلا

أن يقعد بين شعبهن الأربع لا يصبن منه غيره. وخطبها طلحة فأجابت فتزوّجها؛ فدخل عليها عليّ بن أبي طالب فقال لها: رددت من رددت منّا وتزوّجت ابن بنت الحضرميّ! فقالت: القضاء والقدر؛ فقال: أما إنك تزوّجت أجملنا مرآة وأجودنا كفّا وأكثرنا خيرا من أهله.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عيون الأخبار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.