من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)
المصيب في عيافته
خرج لهبي في حاجته ومعه سقاء لبن. فسار صدر نهاره ثم عطش، فأناخ راحلته ليشرب، فإذا بغراب ينعب فأثار راحلته ومضى. فلما أجهده العطش أناخ راحتله ليشرب فنعب الغراب، وتمرّغ في التراب فضرب الرجل سقاءه بسيفه فإذا فيه أسود سالخ وبنو أسد موصوفون بالعيافة.
وقال الأصمعي: قيل إن نفرا من الجنّ تذاكروا العيافة من بني أسد فأتوهم، فقالوا:
ضلّت لنا ناقة فأرسلوا معنا من يعيف. فقالوا: لغليم منهم انطلق معهم فاستردفه أحدهم فساروا، فلقيتهم عقاب كاسرة إحدى جنحيها، فاقشعر الغلام وبكى. فقالوا مالك؟ قال:
كسرت جناحا ورفعت جناحا، وحلفت بالله صراحا ما أنت بانسي ولا تبغي لقاحا.
وبعث ازدشير إلى النبي ﷺ زاجرا ومصوّرا فقال للزاجر: ازجره وللمصور صوّر صورته، فلم يجد الزاجر شيئا يزجر به، وصوّر المصور صورته وورد بها. فنظر ازدشير إليها ووضعها على الوسادة وقال للزاجر: ما رأيت؟ قال: لم أر شيئا أزجر به عنده. ولكنّي رأيت ها هنا أن الأمر له، لأنك وضعته على وسادتك ومكنته من رياستك.
وسمع لهبيّ يعيف رجلا يقول لعمر ﵁: يا خليفة رسول الله فقال: سمّاه باسم ميت. فلما بلغ مرمى الجمار صكت حصاة صلعة عمر ﵁، فقال اللهبي:
اشعر والله أمير المؤمنين، والله لا يقف هذا الموقف بعدها فقتل عمر ﵁ تلك السنة.
وبينا مروان بن محمد ينظر في إيوان له فانصدعت زجاجة من الإيوان، ووقعت منها شمس على منكب مروان، وكان بحضرته عيّاف يستمع إليه مروان، فقال: صدع الزجاج منكر فخرج وتبعه ثوبان مولى مروان فسأله، فقال: صدع الزجاج صدع السلطان ستذهب الشمس عن مروان، بقوم من الترك أو خراسان، ذلك عندي واضح البرهان. فورد عن قريب خبر أبي مسلم صاحب الدعوة.
النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع