من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)
القيافة
قالت عائشة ﵂: دخل رجل على رسول الله ﷺ تبرق أسارير وجهه من الفرح، فسألته عنه فقال: ألا إن محرز المدلجي رأى زيد بن حارثة وأسامة نائمين في قطيفة، قد غطيا رؤسهما وبدت أقدامهما، فقال: هذه الأقدام بعضها من بعض.
واختصم رجلان في غلام يدّعيه كل واحد منهما، فسأل عمر ﵁ أمه، فقالت: غشيني أحدهما، ثم هررت دما، ثم غشيني الآخر، فدعا عمر ﵁ قائفين فسألهما، فقال أحدهما: أعلن أو أسر قد اشتركا فيه، فضربه عمر ﵁ حتّى اضطجع، ثم سأل الآخر فقال مثل قوله، فقال: ما كنت أرى أن مثل هذا يكون.
قال عوسجة ابن مغيث القائف: كنّا سرق خيلنا فعرفنا آثارهم بتميّز أيديهم في العذوق فركبنا في آثارهم حتى ظفرنا بهم.
وقيل: فلان في قيافته يعرف أثر الذرّ على الصخر فيعرف أثر الأنثى منها من الذكر.
وكانت هند بنت عتبة عند الفاكه بن المغيرة وكان الفاكه من فتيان قريش، وكان له منزل للضيافة يغشاه الناس من غير إذن. فخلا البيت يوما وقال الفاكه ساعة وهند عنده، ثم خرج الفاكه لبعض حاجاته، وأقبل رجل فدخل البيت فلما رآها انصرف فاستقبله فرآهما فارتاب بها فخاصمها، وقال: إلحقي بأهلك. فتكلّم الناس بها. فقال أبوها: أي بنية إن الناس قد خاضوا في أمرك فأصدقيني، فإن كان ما يقولونه حقّا بعثت من يقتل الفاكه سرا فتخلصين. وإن كان باطلا حاكمته إلى بعض كهان اليمن ليبين براءة ساحتك. فحلفت أنها بريئة. فأرسل إليه وقال: حاكمها إلى الكاهن فقد رميتها بداهية.
فخرج الفاكه في جماعة من بني عبد المدان وخرجت في نسوة فلما شارفوا البلد، رآها أبوها شاحبة متغيّرة، فقال: مالي أراك شاحبة متنكرة الحال قالت: والله ما ذلك لمكروه عندي، ولكنّي آتي بشرا يخطىء ويصيب، فلا آمنه أن يرميني بداهية من غير أصل،
فيصير ذلك سبّة علينا. فقال أبوها إنا نخبىء له خبيئة، فإن أخبرنا بها استدللنا على علمه واستفتيناه، وإلا تركناه. فأخذوا حبة حنطة وجعلوها في إجليل فرس، فلما انتهوا إليه أنزلهم وأكرمهم، فقالوا: قد جئناك في أمر وقد خبأنا لك خبيئة نختبرك فانظر ما هو؟
فقال: تمرة في كمرة. فقالوا: نريد أبين من هذا. فقال: حبّة في إجليل مهر. فقالوا:
صدقت أنظر في أمر هؤلاء النسوة فجعل يدنو من إحداهنّ، ويقول: ليست هذه حتى دنا من هند فضربها على كتفها وقال: والله ما أنت بزانية وستلدين ملكا اسمه معاوية. فقام إليها الفاكه وقبّل رأسها فقالت: أبعد عنّي فو الله لأجتهدنّ أن يكون من غيرك هذا الملك، فأبت حتى طلّقها وتزوج بها أبو سفيان.
النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع