من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)
من انقاد للحكم من السّلاطين
قد تقدم خبر عمر مع أبيّ ابن كعب ﵄ وكان عليّ ﵁ تحاكم مع رجل، فشهد له قنبر، فقال شريح: يا أمير المؤمنين خادمك وفي عداد عيالك لا شهادة له، فقال علي وما أنت وهذا، اعتزل عملنا، فعزله، ثم رأى أنه أصاب، فردّه من الغد.
وجلس المأمون يوما للمظالم فدفع إليه رقعة فيها مظلمة من أمير المؤمنين فقال لصاحبها: ما ظلامتك؟ قال: ثلاثون ألف دينار. إشترى سعيد وكيلك مني جواهر بها ولم يوف ثمنها لي. فقال: كلامك هذا محتمل يجوز أن يكون وفره ويجوز أن يكون اشتراه لنفسه ويجوز أن يكون أخذ مني الثمن ولم يدفعه إليك، فقال الرجل: أنت أولى الناس بالإنصاف، إحملني على سنّة النبي ﷺ البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه وقد عدمت البيّنة، فقال: نعم، ودعا بيحيى قاضيه فلما دخل قال له: اقض بيننا فقال: لا أفعل. إنك لم تجعل دارك مجلس قضائي فقال: قد جعلت، فأذن للعامة فخرج المأمون ومعه غلام يحمل مصلّى فطرحه له فقال يحيى: لا تأخذ على خصمك شرف المجلس فدعا له بمثله فادعى الخصم، فقال يحيى: ألك بيّنة؟ قال: لا فابعد البيّنة. قال يمينه فقال للمأمون: أتحلف؟ قال: نعم فاستحلفه فحلف ثم قال المأمون: أدفع إليه ما ادعاه والله ما حلفت فجرة ولكن خوفا من الرعية لئلا يقدروا أني منعته بالاستطالة.
النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع