من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)
ما تستدام به الصحة من الأكل والشّرب والصّوم والجماع
قال طبيب الحجاج: لا يحفظ الصحة كالأكل بالنهار وتقليل الشرب بالليل وأن لا
يحبس البول والنجو والرياح التي تعرض في البطن من أراد حفظ الصحة فليقلّ الغذاء وغشيان النساء وشرب الماء. ولما احتضر الحارث بن كلدة اجتمع إليه شبان قريش فقالوا أوصنا، فقال: لا يتزوجن أحدكم إلّا شابة، ولا يأكل إلا لحم فتي، ولا يتناولن أحدكم الدواء ما احتملت نفسه الداء، ولا تأكلوا الفاكهة إلا في إبان نضجها. وإذا تغدى أحدكم فلينم عليه نومة وإذا تعشى فليتخطّ على أثر عشائه أربعين خطوة، وعليكم بالنورة في كل شهر فإنها مذيبة للبلغم مهلكة للمرة.
وقال أبقراط لما حضرته الوفاة: خذوا جامع العلم مني من كثر نومه ولانت طبيعته ونديت جلدته طال عمره. وقال اسكندر اجمعوا لي الطب في كلمات أتصورها. فقالوا: لا تدخل الفضل على المعدة ولا تمنع نفسك شهوتها فإن النفس تقوى على هضم المشتهي، ولا تنكحن عجوزا ولا تخرج الدم وأنت مستغن عن إخراجه فإنك لا تعل إلا علة الموت.
وقيل: راع غذاءك فأنت تحكم به بناءك.
أخبر حاتم بن زيد بن المهلب بشيخ قد أتت له مائة وخمسون سنة في اعتدال جسم ونضارة لون استدعاه وسأله، فقال: إن كان لما أرى من هذه الموهبة الجميلة سبب بعد تقدير الله تعالى فما أصفه ما احتملت مهما تبعد على مدافعته، ولا رأيت من زوجة مكروها، ولا اجتمع في بطني طعامان، وإذا شربت شرابا تناولته رقيقا طيبا لا أثمل منه ولا استدعي الطبيعة من غير عارض، وما استدعيت للباه حركة ألا أن يهيج بالطبيعة على القلب وإذا فعلت ذلك أقللت الحركة بقية يومي. وكان جالينوس يقول: اجتنبوا ثلاثة وعليكم أربعة ولا حاجة لكم بالطبيب. اجتنبوا الغشيان والغبيراء والنتن وعليكم بالدسم والطيب والحلواء والحمام.
النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع