تجاوز إلى المحتوى

من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)

ذمّ الشّبع والإكثار من الأكل وحمد الإقلال منه

قال النبي ﷺ: إياكم والبطنة فإنها مفسدة للبدن مورثة للسقم مكسلة عن العبادة.

وقال ﷺ: الرغب شؤم، وقيل: الموت جوعا خير من الحياة شبعا. وقال ذو الرياستين: ما عجبت لإتفاق الأطباء على ثلاث كلمات، قال طبيب الروم: كل قليلا ولا تكن عليلا.

وقال طبيب فارس: كل قصدا لا تلق من الكظّة جهدا، وقال طبيب الهند: كل قدرا لا تضيق به صدرا.

وقيل: صحة الجسم قلة الطعم، وصحة الروح اجتناب الإثم. وجاء رجل إلى أبي مسلم فقال: أعطيك دواء تأكل معه ما شئت فلا يضرّك، فقال: لا حاجة لي فيه فقبيح بالإنسان أن يدخل المستراح في كل يوم أكثر من مرة، وقبيح به أن يحن في الشهر أكثر من مرة.

وقال الخليل: أثقل ساعاتي ساعة آكل فيها. وقال مالك بن دينار: وددت أن رزقي حصاة أمصها فقد ضجرت من كثرة تردادي إلى الخلاء.

وقال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ

وقال ﷺ: ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه، حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان ولا بد فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس.

وفي كتاب كليلة ودمنة: ليعد من البهائم من همّته بطنه وفرجه. وكانت العرب تسمي الشبع أبا الكفر. وقيل: إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة وخرست الحكمة وقعدت الأعضاء عن العبادة. البطنة تذهب الفطنة.

قيل: لا تسكن الحكمة بطنا مليء طعاما. من الكرم تنزيه القرم. وقيل: الشبع داعية البشم والبشم داعية السقم والسقم داعية الموت، ومن مات هذه الميتة فقد مات ميتة لئيمة.

قال الحسن: مسكين ابن آدم صريع الشبع أسير الجوع.

قال شاعر:

وإن امتلاء البطن في جسد الفتىقليل غناء، وهو في الجسم صالح

وقال طرفة في عمرو بن هند:

ويشرب حتّى يغمر المحض قلبهوإن أعطه أترك لقلبي مجثما
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «يا عجبا من عبد عمرو وبغيه»

وباع مالك بن دينار جارية فزارته يوما، فقال: كيف ترين مواليك؟ فقالت: ما أكثر خير بيوتهم، فقال: أخبرتني عن عمران حشوشهم.

وقال يحيى بن معاذ: من أكل حتى شبع عوقب بثلاث، يلقي الغطاء على قلبه والنعاس على عينيه والكسل على جسمه. وقال بشر الحافي:- من ضبط بطنه فقد ضبط الأعمال الصالحة كلّها. وقال بشر بن الحارث: لا تعوّد نفسك الشبع من الحلال فتدعوك إلى الحرام. وسأله رجل عن غسل الجمعة، فقال: أغسل بطنك يكفيك عن غسل بدنك.

واشتهى أبو مسلم الهريسة، فقال لطبّاخه: اشتهيت هريسة فاتخذها أجود ما يكون، فلما قدمت إليه أمر بأن ترفع ولم يأكل، ثم قال له من بعد اتخذ هريسة فاتخذها وقدمها إليه فلم يأكل، وتقدم إليه ثالثا فعملها وقدمها فلم يأكل، فقال الطبّاخ: أيها الأمير لقد أجدت حتى لا غاية، فما الذي يحجزك عنها؟ قال: رأيت نفسي قد شرهت إلى تناولها فكرهت أن تغلبني شهوتي. وقيل: لا تجعلوا بطونكم خزائن الشيطان يضع فيها ما أحب.

النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الحد العاشر في الأطعمة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.