من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)
من أضعفه كبره وهرمه
سأل الحجاج شيخا فقال: كيف طعمك؟ قال: إذا أكلت ثقلت، وإذا تركت ضعفت. قال: كيف نكاحك؟ قال: إذا بذل لي عجزت، وإذا منعت شرهت. قال: كيف نومك؟ قال: أنام في المجمع وأسهر في المضجع. قال: فكيف قيامك وقعودك؟ قال: إذا قعدت تباعدت عنّي الأرض، وإذا قمت لزمتني. قال: كيف مشيك؟ قال: تعقلني الشعرة وتعثرني البعرة.
وقيل لشيخ ما صنع بك الدهر؟ قال: فقدت المطعم وكان المنعم، وأجمت النساء وكن الشفاء. فنومي سنات، وسمعي خفات، وعقلي تارات.
وقيل لآخر: فقال: أدرج من العشاش، وأخرأ في الفراش، وأنبو عن القماش، وأنفر من لاش.
وقيل لآخر: فقال: ضعضع قناتي، وأوهى شواتي، وجرّ أعلى عداتي. وسئل ابن الفرية عن وصف الكبر فقال: إقبال البخر وإدبار الزفر، وانقباض الذكر. وقيل: الشيخوخة غمامة تمرض الأمراض.
قال أبو الطمحان:
حنتني حانيات الدهر حتّىكأنّي خاتل أدنو لصيد
قربت الخطو يحسب من رآنيولست مقيدا أنّي بقيد
وهذا من قول شيخ مرّ به غلام فقال: يا عمّاه قد قصر قيدك، فقال: تركت الذي قيّدني يقتل قيدك.
وقال ديك الجن:
نهنهت الخمسون من شدّتيوضيقت خطوي بعد اتساع
وأتحفتني خورا ظاهراوكنت قبل الشيب عين الشّجاع
تعترف النفس ببعض القوىفأمسك النفس ببعض الخداع
أذكر إنسان التي فوقهاوالموت قد يودي بمن في الرّضاع
وكان أبو محلم لما كبر ينشد:
إذا ما امرؤ أحصى ثمانين حجّةوعاش، تشكّى كلّ عضو ومفصل
وقد أحسن القائل:
قالوا أنينك طول اللّيل يسهرنافما الذي تشتكي قلت الثّمانينا
النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع