من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)
معارضات
عرضت جارية على المهدي فقال لبشار امتحنها فقال:
أحمد الله كثيرا
فقالت:
حين صيرت ضريرا
فقال: اشتر الملعونة فإنها حاذقة.
عارض أبو العنبس البحتري في قوله:
من أي ثغر تبسّم
فقال:
من أي سلح تلتقيموبأيّ كف تلتطم
أدخلت رأسك في الحرم ... .............
فولّى البحتري فقال أبو العنبس:
وعلمت أنك تنهزم
قال ميمون بن مهران: رأيت البارزي وحاله متماسكة فسألته فقال: كنت من جلساء المستعين فقصده الشعراء فقال: لست أقبل إلا ممّن قال مثل قول البحتري:
لو أنّ مشتاقا تكلّف فوق مافي وسعه لسعى إليك المنبر
فرجعت إلى داري وأتيته، فقلت: قد أتيتك بأحسن مما قال البحتري في المتوكل:
ولو أن برد المصطفى إذ لبستهيظنّ لظنّ البرد أنّك صاحبه
وقال وقد أعطيته ولبستهنعم هذه أعطافه ومناكبه
فقال: ارجع إلى منزلك وافعل ما آمرك به فبعث إليّ سبعة آلاف دينار، وقال: إدخر هذه للحوادث بعدي ولك الجراية والكفاية ما دمت حيا.
قال وهذه حالة شبيهة:
كما كان بعد السيل مجراه مرتعا
وكان بشّار يعطي أبا الشمقمق في كل سنة مائتي درهم فأتاه سنة فقال: هات جزيتك. فقال: أي جزية هي قال: هو ما تسمع. فقال بشار له: لأهجونّك، فقال أبو الشمقمق:
إني إذا ما شاعر هجانيهولحّ في القول له لسانيه
بشار يا بشّار فقال بشّار وأمسك وعلم أنه يكملها بقوله: يا ابن الزانية. وقال لا يسمعن هذا منك أحد ودونك الدراهم.
وروي أنه أتاه مرة فامتنع من أعطائه فقال قد سمعت الصبيان يقولون:
إن بشارا لدينامثل تيس في سفينة
فرفع مصلاه عن دراهم وقال له: خذ هذه ولا تكن راوية للصبيان.
اجتمع ثلاثة جنب غدير يقال له بطياثا فقال أحدهم:
نلنا لذيذ العيش في بطياثا
فقال الآخر:
وقد حثثنا القدح احتثاثا
فارتج على الثالث فقال:
وأم عمرو طالق ثلاثا
فقيل له في ذلك فقال:
جلست على طريق القافية
ودخل الغالي على أبي عباد الوزير وهو عليل فأنشده:
حالفك الفضل والكمالوالبذل والجاه والنّوال
فقال:
حالفني السقم والسعالونقرس ما إن له زوال
وقال بعضهم مررت بجارية ذات جمال فأنشدتها:
ويح نفسي وكيف ليأن أنيك التي أرى
فقالت:
ذاك شيء يبيحهفي الورى كلّ من يرى
هو للضيف عندناأول الزاد والقرى
قال الجمّاز: دخلت على الرشيد وبين يديه طبق فيه ورد، فقال: قل في هذا شيئا فقلت:
كأنه خدّ محبوب يقبّلهفم الحبيب وقد أبدى به خجلا
فقالت جارية على رأسه، ألا قلت:
كأنّه لون خدّي حين تدفعنييد الرشيد لأمر يوجب الغسلا
فضحك وقال: قومي لننظر.
قصد أعرابي المأمون فقال: قد قلت شعرا، فقال: أنشده، فأنشد:
حيّاك ربّ الناس حيّاكإذ بجمال الوجه رداكا
بغداد من نورك قد أشرقتوأورق العود بجدواكا
فأطرق المأمون ساعة ثم أنشد:
حيّاك ربّ النّاس حيّاكإن الذي أملت أخطاك
أتيت شخصا كيسه قد خلاولو حوى شيئا لأعطاكا
فقال: يا أمير المؤمنين أن بيع الشعر بالشعر ربا فاجعل بينهما محللا فضحك وأمر له بمال.
وقيل من أحسن شعر القدماء قول عبيد:
اللّيل ليل والنهار نهار
فأنشد ما جنّ ذلك فقال:
القرع قرع والخيار خياروالدب دبّ والحمار حمار
اجتمع قوم عند رجل فلم يحضره شيء فرهن قطيفته، ولما قعدوا للشراب غنّى المغنّي:
أترى الذين تخمّلوا جنوا
فقال صاحب البيت:
فلا أدري أجنوا أم لا؟فاستغربوا ضحكا وخلصوا قطيفته
النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع