من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
أَبُو العبر الْهَاشِمِي مُحَمَّد بن أَحْمد الْهَاشِمِي
وَقَالَ صَاحب الأغاني أُسَمِّهِ
أَحْمد بن عبد الله وَالظَّاهِر أَنه الصَّحِيح لِأَنَّهُ كَانَت كنيته أَبَا الْعَبَّاس فصيرها أَبَا العبر ثمَّ كَانَ يزِيد فِيهَا فِي كل سنة حرفا فَمَاتَ وَهُوَ أَبُو العبر طزد طبك طبري بك بك بك وَكَانَ شَاعِرًا ترك الْجد وَعدل إِلَى الْهزْل وَيعرف وَالِده بحمدون الحامض حَبسه الْأَمِير اسحق بن ابرهيم الطاهري أَمِير بغداذ وَقَالَ هَذَا عَار على بني هَاشم فصاح فِي الْمحبس نصيحة لأمير الْمُؤمنِينَ فَأخْرج فَقَالَ لَهُ اسحق هَات نصيحتك فَقَالَ الكشكية أصلحك)
الله لَا تطيب إِلَّا بكشك فَضَحِك وَقَالَ هُوَ فِيمَا أرى مَجْنُون فَقَالَ أَبُو العبر إِنَّمَا أمتخط حوت فَقَالَ وَيلك مَا معنى قَوْلك فَقَالَ اصلحك الله زعمت أنني مججت نون وَأَنا أمتخط حوت فاطلقه وَقَالَ أَظُنك فِي حَبسك مأثوم فَقَالَ لَا وَلَكِنَّك فِي مَاء بصل فَقَالَ أَخْرجُوهُ عني وَلَا يُقيم ببغداذ فَهَذَا عَار على أهل الْبَيْت وَكَانَ فِي مبدأ أمره صَالح الشّعْر فَرَأى أَن شعره مَعَ توسطه لَا ينْفق مَعَ أبي تَمام والبحتري وأضرابهما فَعدل إِلَى الْحمق وَكسب بذلك أَضْعَاف مَا كَسبه كل شَاعِر بالجد وَمن قَوْله الصَّالح
لَا أَقُول الله يظلمنيكَيفَ أَشْكُو غير مُتَّهم
وَإِذا مَا الدَّهْر ضعضعنيلم تجدني كَافِر النعم
قنعت نَفسِي بِمَا رزقتوَتَنَاهَتْ فِي العلى هممي
لَيْسَ لي مَال سوى كرميوَبِه أمنى من الْعَدَم
قَالَ عبد الْعَزِيز بن أَحْمد كَانَ أَبُو العبر يجلس بسر من رأى فِي مجْلِس يجْتَمع إِلَيْهِ فِيهِ المجان يَكْتُبُونَ عَنهُ وَكَانَ يجلس على سلم وَبَين يَدَيْهِ بلوعة فِيهَا مَاء وحمأة قد سد مجْراهَا وَبِيَدِهِ قَصَبَة طَوِيلَة وعَلى رَأسه خف وَفِي رجلَيْهِ قلنسيتان ومستمليه فِي جَوف بِئْر وَحَوله ثلثة يدقون بالهواوين حَتَّى تكْثر الجلبة ويقل السماع ويصيح مستمليه فِي الْبِئْر ثمَّ يملى عَلَيْهِم فَإِن ضحك أحد مِمَّن حضر قَامُوا فصبوا على رَأسه من البلوعة أَن كَانَ وضيعا وَأَن كَانَ ذَا مُرُوءَة رشوا عَلَيْهِ بالقصبة من مَائِهَا ثمَّ يجلس فِي الكنيف إِلَى أَن ينقضى الْمجْلس فَلَا يخرج مِنْهُ حَتَّى يغرم دِرْهَمَيْنِ وَمن شعره الصَّالح
أَيهَا الْأَمْرَد المولع بالهجر أفق مَا كَذَا سَبِيل الرشاد
فَكَأَنِّي بِحسن وَجهك قد ألبس فِي عَارِضَيْك ثوب حداد
وَكَأَنِّي بعاشقيك وَقد أَبدلّت فيهم من خلْطَة ببعاد
حِين تنبو الْعُيُون عَنْك كَمَا ينقبض السّمع عَن حَدِيث معاد
فأغتنم قبل أَن تصير إِلَى كَان وتضحى فِي جملَة الأضداد
وَمِنْه
رَأَيْت من العجايب قاضيينهما أحدوثة فِي الْخَافِقين
هما أقتسما الْعَمى نِصْفَيْنِ قداًكَمَا اقْتَسمَا قَضَاء الْجَانِبَيْنِ
)
هما فأل الزَّمَان بهلك يحيىإِذْ أفْتَتح الْقَضَاء باغورين
وتحسب مِنْهُمَا من هز رَأْسالينْظر فِي مَوَارِيث وَدين
كَأَنَّك قد جعلت عَلَيْهِ دنافتحت بزاله من فَرد عين
وَقَالَ جحظة لم أر أحفظ مِنْهُ لكل عين وَلَا أَجود شعرًا وَلم يكن فِي الدُّنْيَا صناعَة إِلَّا وَهُوَ يحفظها ويعملها بِيَدِهِ حَتَّى لقد رَأَيْته يعجن ويخبز وَقَالَ مُحَمَّد ابْن اسحق لَهُ من الْكتب جَامع الحماقات وحاوي الرقاعات كتاب المنادمة أَخْلَاق الرؤساء وَكَانَ المتَوَكل يرْمى بِهِ فِي المنجنيق إِلَى الْبركَة فَإِذا علا فِي الْهوى يَقُول الطَّرِيق الطَّرِيق جَاءَك المنجنيق حَتَّى يَقع فِي الْبركَة فتطرح عَلَيْهِ الشباك فيصاد وَيخرج وَهُوَ يَقُول
وَيَأْمُر بِي ذَا الْملكفيطرحني فِي البرك
ويصطادني بالشبككَأَنِّي بعض السّمك
ويضحك لي هك هك وَقَالَ بَعضهم رَأَيْته بِبَعْض آجام سر من رأى وَهُوَ عُرْيَان لَا يواريه شَيْء وَبِيَدِهِ الْيُمْنَى باشق وباليسرى قَوس وعَلى رَأسه قِطْعَة رئة فِي حَبل مشدود بانشوطة وَفِي ذكره شعر مفتول فِيهِ شص قد القاها فِي المَاء ليصيد السّمك وعَلى شَفَتَيْه دوشاب ملطخ فَقيل لَهُ خرب بَيْتك مَاذَا تفعل فَقَالَ اصطاد بِجَمِيعِ جوارحي وَقد عقد لَهُ الآبى فِي الْكتاب السَّابِع من نثر الدّرّ بَابا فِي نوادره لَيْسَ فِيهَا مَا سقته لَهُ هَا هُنَا
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع