من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
صَاحب تونس
مُحَمَّد بن يحيى بن عبد الْوَاحِد بن عمر الْأَمِير الْمُسْتَنْصر أَبُو عبد الله ابْن الْأَمِير أبي زَكَرِيَّاء الهنتاتي ولي أَبوهُ يحيى مُدَّة وَمَات سنة سبع وَأَرْبَعين وهما بربريان موحدان صاحبا تونس وَأجل مُلُوك الغرب فِي زمانهما كَانَ جده الشَّيْخ الهنتاتي من الْعشْرَة أَصْحَاب ابْن تومرت وَكَانَ مُحَمَّد ملكا عَظِيما شجاعاً سؤوساً متحيلاً على بُلُوغ قَصده يقتحم الأخطار وَهُوَ ذُو غرام بالعمارات وَاللَّذَّات تزف إِلَيْهِ كل لَيْلَة جَارِيَة وَقتل عمية لما تملك وأباد جمَاعَة من الْخَوَارِج وَوضع جمَاعَة مِنْهُم فِي قبَّة أساسها ثمَّ أرسل المَاء عَلَيْهَا وارتدمت عَلَيْهِم وَكَانَت أسلحة الْجَيْش كلهَا فِي خزائنه فَإِذا وَقع أَمر أخرجهَا وَلم يكن لجنده اقطاع بل يجمع ارْتِفَاع الْبِلَاد وَيَأْخُذ لنَفسِهِ الرّبع وَالثمن وَينْفق مَا بَقِي فيهم كل عَام نفقات روى عَنهُ الْخَطِيب أَبُو بكر ابْن سيد النَّاس توفّي سنة خمس وَسبعين وست مائَة أَخْبرنِي الشَّيْخ أثير الدّين من لَفظه قَالَ أَخْبرنِي رَئِيس الأدباء أَبُو الْحسن حَازِم أَنه قَالَ كنت أساير الْمُسْتَنْصر وَنحن فِي الْبُسْتَان الَّذِي أنشأه ظَاهر تونس فَكُنَّا نتمالط فِي الشّعْر يبْدَأ هُوَ بِالْبَيْتِ وأتمه أَنا وأبدأ ويتمه هُوَ وَكَانَ مائلاً إِلَى الْفِقْه على طَريقَة أهل الحَدِيث وأنشدني أثير الدّين من لَفظه قَالَ أَنْشدني صاحبنا أَبُو عَمْرو ابْن الْحَافِظ أبي بكر ابْن سيد النَّاس قَالَ أَنْشدني أبي قَالَ أنشدنا الْمُسْتَنْصر بِاللَّه أَبُو عبد الله ملك أفريقية لنَفسِهِ
مَالِي عَلَيْك سوى الدُّمُوع معِينإِن كنت تغدر فِي الْهوى وتخون
من منجدي غير الدُّمُوع وَإِنَّهَالمغيثة مهما اسْتَغَاثَ حَزِين
الله يعلم أَن مَا حَملتنِيصَعب وَلَكِن فِي رضاك يهون
وَقَالَ أَخْبرنِي أَبُو الزهر أَن الْمُسْتَنْصر كَانَ فِي بعض متصيداته فَكتب لأبي عبد الله ابْن أبي الْحُسَيْن يَأْمُرهُ بإحضار الأجناد لأخذ أَرْزَاقهم
ليحضر كل لَيْث ذِي منالزكا فرعا لإسداء النوال
غَدا يَوْم الْخَمِيس فَمَا شغلنابأسد الْوَحْش عَن أَسد الرِّجَال
انْتهى مَا قَالَه أثير الدّين وَكَانَ وَالِده يحيى قد صنع دَارا عَظِيمَة تَحت الأَرْض وأودع فِيهَا من أَنْوَاع الْأَمْوَال وَالسِّلَاح مَا جعله عدَّة وذخيرة لسلطانه وَلم يتْرك على وَجه الأَرْض من لَهُ علم بِهَذَا الْموضع إِلَّا صَاحب وزارة الْفضل وَهُوَ أَبُو عبد الله ابْن الْحُسَيْن بن سعيد فَلَمَّا جرت)
الْفِتْنَة واستقرت قدم ابْن يحيى فِي السلطنة وَكَانَ الْوَزير الْمَذْكُور مِمَّن سخط عَلَيْهِ وَقبض على دياره وأمواله وصيره كالمحبوس كتب الْوَزير إِلَيْهِ رقْعَة وَطلب الِاجْتِمَاع بِهِ فِي مصلحَة الدولة فَأحْضرهُ وَسَأَلَهُ فَقَالَ إِن المرحوم صنع تَحت الأَرْض دَارا أودعها نفائس أَمْوَاله وَلَيْسَ يعرفهَا غَيْرِي ووصاني أَنه إِذا انْتقل إِلَى جوَار ربه إِذْ توقع أَن تقع فتْنَة بَين أَقَاربه وَقَالَ إِذا انْقَضتْ سنة وَاسْتقر الْأَمر لأحد من وَلَدي أَو من تتيقن أَنه يصلح لأمر الْمُسلمين فأطلعه على هَذِه الذَّخَائِر فَرُبمَا فنيت الْأَمْوَال بالفتنة فَلَا يجد الْقَائِم بِالْأَمر مَا يصلح بِهِ الدولة إِذا تفرغ للتدبير والسياسة ففرح السُّلْطَان وبادر إِلَى تِلْكَ الدَّار فَرَأى مَا مَلأ عينه وسر قلبه وَخرج الْوَزير وَالْخَيْل تجنب أَمَامه وَبدر الْأَمْوَال بَين يَدَيْهِ وَأعَاد الْوَزير إِلَى أحسن حالاته وَقَالَ السُّلْطَان إِن من أجب شكر الله عَليّ أَن أفْتَتح المَال بِأَن أؤدي مِنْهُ للرعية الَّذين نهبت دُورهمْ واحترقت فِي الْفِتْنَة الَّتِي كَانَت بيني وَبَين أقاربي مَا خسروه وَأمر بالنداء فيهم وأحضرهم وكل من حلف على شَيْء قَبضه وَانْصَرف
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع