من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
الصَّابِئ
إِبْرَاهِيم بن هِلَال بن إِبْرَاهِيم بن زهرون بن حبون أَبُو إِسْحَاق الصَّابِئ الْمُشرك الْحَرَّانِي صَاحب الرسائل الْمَشْهُورَة كتب الْإِنْشَاء لعز الدولة بختيار ابْن بويه وَكَانَ متشدداً فِي دينه حرص عَلَيْهِ عز الدولة أَن يسلم فَلم يفعل وَقيل بذل لَهُ ألفا دِينَار على أَن يَأْكُل الفول فَلم يفعل قلت الصابئون يحرمُونَ الفول وَالْحمام أما الفول فأظنه لما قيل عَنهُ أَنه يبلد وَالْحمام يُقَال فِي دماغه رطوبات فضلية وَكَانَ الصَّابِئ يَصُوم رَمَضَان ويحفظ الْقُرْآن ويستعمله فِي رسائله وَله النّظم الرَّائِق وَكَانَ يصدر عَنهُ مكاتبات لعضد الدولة مِمَّا يؤلمه فَلَمَّا تملك سجنه وعزم على قَتله فشفع فِيهِ فَأَطْلقهُ وَأمره أَن يصنع لَهُ كتابا فِي أَخْبَار الدولة البويهية فَعمل كتاب التاجي لعضد الدولة فَيُقَال إِن صديقا دخل عَلَيْهِ فَوَجَدَهُ فِي شغل شاغل من التَّعَالِيق والتسويد فَسَأَلَهُ عَن ذَلِك فَقَالَ أباطيل أنمقها وأكاذيب ألفقها فبلغت عضد الدولة فهاجت سَاكن غَضَبه وَلم يزل
مُبْعدًا حَتَّى توفّي سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَثَلَاث مائَة وَقيل الثَّمَانِينَ ببغداذ وَدفن بالشونيزية ورثاه الشريف الرضي بقصيدته الْمَشْهُورَة الَّتِي أَولهَا
أَرَأَيْت من حملُوا على الأعوادأَرَأَيْت كَيفَ خبا ضِيَاء النادي
جبل هوى لَو خر فِي الْبَحْر اغتدىمن وقعه متتابع الإزباد
مَا كنت أعلم قبل حطك فِي الثرىأَن الثرى يَعْلُو على الأطواد
وَمِنْهَا
كَيفَ انمحى ذَاك الجناب وعطلتتِلْكَ الفجاج وضل ذَاك الْهَادِي
لَو كنت تفدى لافتدتك فوارسمُطِرُوا بِعَارِض كل يَوْم طراد
أعزز عَليّ بِأَن أَرَاك وَقد خلتمن جانبيك مقاعد العواد
أعزز عَليّ بِأَن نزلت بمنزلٍمتشابه الأوغاد والأمجاد
)
عمري عَليّ بِأَن نزلت بمنزلٍمتشابه الأوغاد والأمجاد
قد كنت أَهْوى أَن أشاطرك الردىلَكِن أَرَادَ الله غير مرادي
من للبلاغة والفصاحة إِن همىذَاك الْغَمَام وعب ذَاك الْوَادي
فقر بهَا تمسي الْمُلُوك فقيرةًأبدا إِلَى مدى لَهَا ومعاد
وَتَكون سَوْطًا للحرون إِذا ونىوعنان عنق الجامح المتمادي
ترقي وتلدغ فِي الْقُلُوب وَإِن تشاحط النُّجُوم بهَا من الأبعاد
أما الدُّمُوع عَلَيْك غير بخيلةوَالْقلب بالسلوان غير جواد
سودت مَا بَين الفضاء وناظريوغسلت من عَيْني كل سَواد
قل للنوائب عددي أَيَّامهيُغني عَن التعديد بالتعداد
يَا لَيْت أَنِّي مَا اقتنيتك صاحباًكم قنيةٍ جلبت أسى لفؤاد
وَيَقُول من لم يدر كنهك إِنَّهُمنَقَصُوا بِهِ من جملَة الْأَعْدَاد
هَيْهَات أدرج بَين برديك الردىرجل الرِّجَال وأوحد الْآحَاد
مَا مطعم الدُّنْيَا بحلوٍ بعدهابداً وَلَا مَاء الحيا ببراد
الْفضل ناسب بَيْننَا إِذْ لم يكنشرفي مناسبه وَلَا ميلادي
لَيْسَ التنافث بَيْننَا بمعاودٍأبدا وَلَيْسَ زَمَانه بمعاد
ضَاقَتْ عَليّ الأَرْض بعْدك كلهَاوَترك أضيقها عَليّ بلادي
لَك فِي الحشا قبر وَإِن لم تأوهوَمن الدُّمُوع رَوَائِح وغوادي
مَا مَاتَ من جعل الزَّمَان لِسَانهيَتْلُو مَنَاقِب عواداً وبوادي
صفح الثرى عَن حر وَجهك أَنهمُغْرِي بطي محَاسِن الأمجاد
وتماسكت تِلْكَ البنان فطالماعَبث البلى بأنامل الأجواد
وسقاك فضلك إِنَّه أروى حَيامن رائح متعرض أَو غادي
جدث على أَن لَا نَبَات بأرضهوقفت عَلَيْهِ مطَالب الوراد
وَهِي طَوِيلَة فَوق الثَّمَانِينَ وَقد عتب على الشريف الرضي كَونه رثاه بِمثل ذَلِك فَقَالَ إِنَّمَا رثيت فَضله لَا دينه وَيُقَال إِنَّه أنشدها يَوْمًا فَقَالَ أَولهَا أَرَأَيْت من حملُوا على الأعواد فَقَالَ بعض الْحَاضِرين كلب بن كلب وَيُقَال إِنَّه لما زار قَبره نزل عَن مركوبه أول مَا وَقع عَلَيْهِ)
وَبَينه وَبَين الصَّابِئ مراجعات ومكاتبات وَكَانَ الصَّابِئ كَبِير الْقدر فِي أَيَّام مخدومه وَله مَحل كَبِير فِي الصُّدُور وَكَانَ الصاحب ابْن عباد يَقُول مَا بَقِي لي أمل إِلَّا أنني أداخل الْعرَاق وأستكتب أَبَا إِسْحَاق الصَّابِئ وَهَذَا دَلِيل على عَظمَة الصَّابِئ من شعره
وَقد ظمئت عَيْني الَّتِي أَنْت نورهاإِلَى نظرة من وَجهك المتألق
فيا فرحتا إِن ألقه قبل ميتتيوَيَا حسرتا إِن مت من قبل نَلْتَقِي
وَمِنْه أَيْضا
جرت الجفون دَمًا وكأسي فِي يَديشوقاً إِلَى من لج فِي هجراني
فتخالف الفعلان شَارِب قهوةٍيبكي وَقد يتشاكل اللونان
فَكَأَن مَا فِي الجفن من كأسي جرىوَكَأن مَا فِي الكأس من أجفاني
وَمِنْه أَيْضا
أَقُول وَقد جردتها من ثِيَابهَاوعانقتها كالبدر فِي لَيْلَة التم
وَقد آلمت صَدْرِي لشدَّة ضمهَالقد جبرت قلبِي وَإِن وهنت عظمي
وَمِنْه أَيْضا
فديت من لاحظني طرفهامن خيفة النَّاس بتسليمته
لما رَأَتْ بدر الدجى تائهاًوغاظها ذَلِك من شيمته
سرت لَهُ البرقع من وَجههَافَردَّتْ الْبَدْر إِلَى قِيمَته
وَمِنْه وَقد عبت على بعض وَلَده
أرْضى عَن ابْني إِذا مَا عقني حدباًعَلَيْهِ أَن يغْضب الرَّحْمَن من غَضَبي
وَلست أَدْرِي لم استحققت من وَلَديإقذاء عينين وَقد أَقرَرت عين أبي
وَمِنْه يلْتَمس بعض الرؤساء إشغال وَلَده
وَمَا أَنا إِلَّا دوحةٌ قد غرستهاوسقيتها حَتَّى ترَاخى بهَا المدى
فَلَمَّا اقشعر الْعود مِنْهَا وصوحتأتتك بأغصان لَهَا تطلب الندى
وَمِنْه يهنئ عضد الدولة بالأضحى
صل يَا ذَا الْعلَا لِرَبِّك وانحركل ضد وشانئ لَك أَبتر
أَنْت أَعلَى من أَن تكون أضاحيك قروماً من الجمالة تعقر)
بل قروماً من الْمُلُوك ذَوي السودد تيجانها أمامك تنثر
كلما خر سَاجِدا لَك رَأسمِنْهُم قَالَ سَيْفك الله أكبر
وَمِنْه يهجو
أَيهَا النابح الَّذِي يتَصَدَّىلقبيح يَقُوله فِي جوابي
لَا تؤمل أَنِّي أَقُول لَك اخْسَأْلست أسخو بهَا لكل الْكلاب
وَمِنْه
مَا زلت فِي سكري ألمع كفهاوذراعها بالقرص والْآثَار
حَتَّى تركت أديمها وكأنماغرس البنفسج مِنْهُ فِي الْجمار
أَخذه الرفاء فَقَالَ
أحبب إِلَيّ بفتية نادمتهمبَين الْمحلة والقباب الْبيض
من كل مَحْض الْجَاهِلِيَّة معرقفِي الخرمية بالعدى عريض
وَسموا الأكف بخضرة فَكَأَنَّمَاغرسوا بهَا الريحان فِي الإغريض
وَقَالَ الصَّابِئ أَيْضا فِي غُلَامه يمن وَكَانَ أسود
قد قَالَ يمن وَهُوَ أسود للَّذيببياضه يَعْلُو علو الخاتن
مَا فَخر وَجهك بالبياض وَهل ترىأَن قد أفدت بِهِ مزِيد محَاسِن
وَلَو أَن مني فِيهِ خالاً زانهوَلَو أَن مِنْهُ فِي خالاً شانني
وَمِنْه لَك وَجه كَأَن يمناي خطته بِلَفْظ تمله آمالي
فِيهِ معنى من البدور وَلَكِننفضت صبغها عَلَيْهَا اللَّيَالِي
لم يشنك السوَاد بل زِدْت حسناإِنَّمَا يلبس السوَاد الموَالِي
فبمَا لي أفديك إِن لم تكن ليوبروحي أفديك إِن كنت مَالِي
ولد الصَّابِئ سنة نَيف وَعشْرين وَثَلَاث مائَة وَهُوَ كَبِير بَيته وَأهل بَيته جمَاعَة فضلاء نبلاء يَأْتِي ذكر كل وَاحِد مِنْهُم فِي مَكَانَهُ
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع