من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
الأعيمى التطيلي
أَحْمد بن عبد الله بن هُرَيْرَة أَبُو الْعَبَّاس الْقَيْسِي التطيلي الإشبيلي المنشأ الضَّرِير الْمَعْرُوف بالأعيمى توفّي سنة خمس وَعشْرين وَخمْس مائَة من شعره
بحياة عصياني عَلَيْك عواذليإِن كَانَت القربات عنْدك تَنْفَع
هَل تذكرين ليالياً بتنا بهَالَا أَنْت باخلةٌ وَلَا أَنا أقنع
قلت قد مر فِي تَرْجَمَة إِبْرَاهِيم بن خفاجة مَا يشبه هذَيْن الْبَيْتَيْنِ فليطلب فِي مَكَانَهُ وَمِنْه
مللت حمص وملتني فَلَو نطقتكَمَا نطقت تجارينا على قدر
)
وسولت لي نَفسِي أَن أفارقهاوَالْمَاء فِي المزن أصفى مِنْهُ فِي الْغدر
هَيْهَات بل رُبمَا كَانَ الرحيل عَنَّابِالْمَالِ أحيي بِهِ فقرا من الْعُمر
كم ساهرٍ يستطيل اللَّيْل من دنفٍلم يدر أَن الردى آتٍ مَعَ السحر
أما اشتفت مني الْأَيَّام فِي وطنيحَتَّى تضايق فِيمَا عنّ عَن وطري
وَلَا قَضَت من سَواد الْعين حَاجَتهَاحَتَّى تكرّ على مَا كَانَ فِي الشّعْر
قلت شعر جيد وحمص هُنَا هِيَ إشبيلية لِأَن أهل حمص لما دخلُوا الْمغرب استوطنوها وَمن شعره يمدح بعض الوزراء
أعد نظرا فِي روضتي ذَلِك الخدّفَإِنِّي أَخَاف الياسمين على الْورْد
وَخذ لَهما دمعي وعللهما بِهِفَإِن دموعي لَا تعيد وَلَا تبدي
وَإِلَّا فَفِي كأس المدامة بلغةٌتقوم مقَام الريّ عنْدك أَو عِنْدِي
وَفِي ريقك المعسول لَو أَن رَوْضَةتعلل بالكافور والمسك والشهد
وَمَاء شَبَابِي كَانَ أعذب مورداًلَو أنّ اللَّيَالِي لم تزاحمك فِي الْورْد
أمنك الخيال الطارقي كل ليلةٍعلى مثل حد السَّيْف أَو طرة الْبرد
منى لَا أُبَالِي أَن تكون كواذباًفتفنى وَلَكِن الْمدَار على وجدي
يباري إليّ اللَّيْل لَو أَن شافعاًمن النّوم أَو لَوْلَا رَقِيب من السهد
تعلم مني كَيفَ ينعم بالهوىويشقى فَهَلا كَيفَ يبْقى على الْعَهْد
يهون عليّ الْوَصْل مَا دَامَ نازحاًوأسرع شَيْء حِين يدنو إِلَى الصدّ
وَلَيْلَة وافاني وَقد ملت مَيْلَةوَكنت أَنا والنجم بتنا على وعد
ألم فَحَيَّا بَين رقبي ورقةٍوَلَا شَيْء أحل من دنوٍّ على بعد
وَقد رابه لمحٌ من اللَّيْل فِي الدجىكَمَا لَاحَ وسم الشيب فِي الشّعْر الْجَعْد
رأى أدمعي حمراً وشيبي ناصعاًوفرط نحولي واصفراري على خدي
فود لَو أَنِّي عقده أَو وشاحهوَإِن لم يطق حمل الوشاح وَلَا العقد
ألم فأعداني ضناه وسهدهوَقد كَانَ هَذَا الشوق أولى بِأَن يعدي
وَولى فَلَا تسْأَل بحالي بعدهوَلَكِن سل الْأَيَّام عَن حَاله بعدِي
تفَاوت قومِي فِي الحظوظ وسبلهافمكدٍ على حرصٍ ومثرٍ على زهد
)
وَأما أَنا والحضرميّ فإنناقسمنا الْمَعَالِي بَين غور إِلَى نجد
فَأَبت أَنا بالشعر أحمي لِوَاءُهُوآب ابْن عِيسَى بالسيادة وَالْمجد
فَتى لَا يُبَالِي فوز من فَازَ بالعلىإِذا امْتَلَأت كفا يَدَيْهِ من الْحَمد
وَمِنْه قَوْله وبديع الْأَوْصَاف كَالشَّمْسِ كالدمية كالغصن كالقنا كالريم
سكريّ اللمى وضيء الْمحيايستخفّ النُّفُوس قبل الجسوم
متهدٍّ إِلَى الحلوم بلحظٍرُبمَا كَانَ ضلةً للحلوم
مَا يُبَالِي من بَات يلهو بِهِ إِنلم ينل ملك فارسٍ وَالروم
قُمْت أسقيه من لمى ثغره العذب على صحن خدّه المرقوم بَين ليلٍ كخضرة الرَّوْض فِي اللَّوْن وصبحٍ كعرفه فِي الشميم وَكَأن النُّجُوم فِي غبش الصُّبْح وَقد لفَّها فُرَادَى بتوم أعين العاشقين أدهشها الْبَين فأغضت بَين الضنى والوجوم وَمِنْه
أما والهوى وَهُوَ إِحْدَى الْملَللقد مَال قدّك حَتَّى اعتدل
وأشرق وَجهك للعاذلاتحَتَّى رَأَتْ كَيفَ يعْصى العذل
وَلم أر أفتك من مقلتيهعلى أَن لي خبْرَة بالمقل
كحلتهما بهوى قاتلٍوَقلت الردى حِيلَة فِي الْكحل
وَإِنِّي وَإِن كنت ذَا غفلةٍلأعْلم كَيفَ تكون الْحِيَل
وَلست أسائل عَيْنَيْك بِيوَلَكِن بِعَهْد الرضى مَا فعل
وَقد كنت جاريت تِلْكَ الجفونإِلَى الْمَوْت بَين المنى والعلل
وَمِنْه قَوْله وَهِي طَوِيلَة يرثي بهَا ابْن اليناقي وَقد قتل غيلَة
خذا حدثاني عَن فلٍ وَفُلَانلعَلي أرِي باقٍ على الْحدثَان
وَعَن دولٍ جسن الديار وَأَهْلهَافنين وَصرف الدَّهْر لَيْسَ بفان
وَعَن هرمي مصر الْغَدَاة أمتعابشرخ شبابٍ أم هما هرمان
وَعَن نخلتي حلوان كَيفَ تناءتاوَلم يطويا كشحاً على شنآن
)
وَطَالَ ثواء الفرقدين بغبطةٍأما علما أَن سَوف يفترقان
وزايل بَين الشعريين تصرفٌمن الدَّهْر لَا وانٍ وَلَا متوان
فَإِن تذْهب الشعرى العبور لشأنهافَإِن الغميصا فِي بَقِيَّة شان
وجنّ سهيلٌ بِالثُّرَيَّا جُنُونهوَلَكِن سلاه كَيفَ يَلْتَقِيَانِ
وهيهات من جور الْقَضَاء وعدلهشآميةٌ ألوت بدين يمَان
فأزمع عَنْهَا آخر الدَّهْر سلوةًعلى طمعٍ خلاه للدبران
وأعلن صرف الدَّهْر لِابْني نويرةٍبِيَوْم تناءٍ غال كلّ تدان
وَكَانَا كندماني جذيمة حقبةًمن الدَّهْر لَو لم ينصرم لِأَوَانِ
فهان دمٌ بَين الدكادك واللوىوَمَا كَانَ فِي أَمْثَالهَا بمهان
وضاعت دموعٌ بَات يبعثها الأسىيهيجها قبرٌ بِكُل مَكَان
وَمَال على عبسٍ وذبيان مَيْلَةفأودى بمجنيٍّ عَلَيْهِ وجان
فعوجا على جفر الهباءة فاعجبالضيعة أعلاقٍ هُنَاكَ ثَمَان
دماءٌ جرت مِنْهَا التلاع بِمِثْلِهَاوَلَا ذحل إِلَّا أَن جرى فرسَان
وأيم حربٍ لَا يُنَادى وليدهاأهاب بهَا فِي الحيّ يَوْم رهان
فآب الرّبيع والبلاد تهرهوَلَا مثل مودٍ من وَرَاء عمان
وأنحى على ابْني وائلٍ فتهاصراغصون الردى من كزّةٍ ولدان
تعاطى كليبٌ فاستمر بطعنةٍأَقَامَت لَهَا الْأَبْطَال سوق طعان
وَبَات عديٌ بالذنائب يصطليبِنَار وغىً لَيست بِذَات دُخان
فدلت رقابٌ من رجالٍ أغرّةٍإِلَيْهِم تناهى عز كل زمَان
وهبوا يلاقون الصوارم والقنابِكُل جبينٍ واضحٍ ولسان
فَلَا خدّ إِلَّا فِيهِ خدّ مهندٍوَلَا صدر إِلَّا فِيهِ صدر سِنَان
وصال على الجونين بِالشعبِ فانثنىبأسلاب مطلولٍ وربقة عان
وأمضى على أَبنَاء قيلة حكمهعلى شرسٍ أدلوا بِهِ وليان
وأيّ قبيلٍ لم يصدّع جَمِيعهمببكرٍ من الأرزاء أَو بعوان
خليليّ أَبْصرت الردى وسمعتهفَإِن كنتما فِي مريةٍ فسلاني
)
وَلَا تعداني أَن أعيش إِلَى غدٍلَعَلَّ المنايا دون مَا تعداني
ونبهني ناعٍ مَعَ الصُّبْح كلماتشاغلت عَنهُ عنّ لي وعناني
أغمض أجفاني كَأَنِّي نائمٌوَقد لجت الأحشاء فِي الخفقان
أَبَا حسنٍ أم أَخُوك فقد مضىفوا لهف نَفسِي مَا التقى أَخَوان
أَبَا حسنٍ إِحْدَى يَديك رزئتهافَهَل لَك بِالصبرِ الْجَمِيل يدان
أَبَا حسنٍ ألق السِّلَاح فَإِنَّهَامنايا وَإِن قَالَ الجهول أماني
أَبَا حسنٍ هَل يدْفع الْمَرْء حِينهبأيد شُجَاع أَو بكيد جبان
توقّوه شَيْئا ثمَّ كروا وجعجعوابأروع فضفاض الرِّدَاء هجان
أخي فتكاتٍ لَا يزَال يجيبهابحزم معينٍ أَو بعزم معَان
رأى كلّ مَا يستعظم النَّاس دونهفولّى غَنِيا عَنهُ أَو متغاني
قَلِيل حَدِيث النَّفس عَمَّا يروعهوَإِن لم يزل من ظَنّه بمَكَان
أبيٌّ وَإِن يتبع رِضَاهُ فمصحبٌبعيدٌ وَإِن يطْلب جداه فدان
لَك الله خوّفت العدى وأمنتهمفذقت الردى من خيفةٍ وأمان
إِذا أَنْت خوّفت الرِّجَال فخفتهمفَإنَّك لَا تجزى هوى بهوان
رياحٌ وَهبهَا عارضتك عواصفاًفَكيف انثنى أَو كَاد ركن أبان
بلَى ربّ مَشْهُور العلى متشيعٍقَلِيل بمنهوب الْفُؤَاد هدان
أتيحت لبسطامٍ حَدِيدَة عاصمٍفخرّ كَمَا خرّت سحوق ليان
بنفسي وَأَهلي أيّ بدر دجنّةٍلستٍّ خلت من شهره وثمان
وَأي أتّيٍ لَا تقوم لَهُ الربىثنى عزمه دون القرارة ثَان
وأيّ فَتى لَو جَاءَكُم فِي سلاحهمَتى صلحت كفّ بِغَيْر بنان
وَمَا غرّكم لَوْلَا الْقَضَاء بباسلٍأصاخ فقعقعتم لَهُ بشنان
يَقُولُونَ لَا يبعد وَللَّه درهوَقد حيل بَين العير والنزوان
ويأبون إِلَّا ليته وَلَعَلَّهوَمن أَيْن للمقصوص بالطيران
رويد الْأَمَانِي إنّ رزء محمدٍعدا الْفلك الْأَعْلَى عَن الدوران
وَحسب المنايا أَن تفوز بِمثلِهِكَفاك وَلَو أخطأته لكفاني
)
أثاكلتيه والثواكل جمةٌلَو أنكما بِالنَّاسِ تأتسيان
أذيلا وصونا واجزعا وتجلداوَلَا تأخذا إِلَّا بِمَا تدعان
وَمن موشحات أَحْمد الأعيمى
مَا حَال الْقُلُوب وَفِي غمض الجفونعيونٌ ظباها أمضى سِهَام الْمنون
قسيّ الحواجبسهامها عَيناهُ
كنوين كَاتبقد خطهنّ الله
وخضرة شَارِبمَعَ مَا حوت شفتاه
من درٍ وَطيب لَو بِعْت روحي ودينيفِي رشف لماها مَا كنت بالمغبون
يَا من يتعزراخضع لعبد الْعَزِيز
إِن كنت تميّزجماله تمييزي
والخدّ الْمُطَرزبأبدع التطريز
وَالْخَال العجيب قد جال فِي النسرينكزنجيٍّ تاها فِي روض الياسمين
لَا أصغي للاحييلحّ فِي تعذالي
وَوجه الصّلاححبّي لهَذَا الغزال
من هُوَ فِي الملاحمن الطّراز العالي
قدٌّ كالقضيب فِي الانثنا واللينوخصرٌ إِن ضاهى بِهِ لرقة ديني
كشفت القناعامستوهباً مِنْهُ قبله
فاستحيا امتناعاأظنّها مِنْهُ خجله
فَقلت انخضاعامَا قَالَ قيسٌ لعبله
أما أَنا حَبِيبِي نطيش من غرشونيشيم غين رشاها أَلا تغرش منوني
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع