من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
أَبُو جَعْفَر النّحاس النَّحْوِيّ
أَحْمد بن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل النّحاس أَبُو جَعْفَر النَّحْوِيّ من أهل مصر رَحل إِلَى بغداذ وَأخذ عَن أَصْحَاب الْمبرد وَعَن الْأَخْفَش عَليّ بن سُلَيْمَان ونفطويه والزجاج وَغَيرهم ثمَّ عَاد إِلَى مصر وَسمع بهَا جمَاعَة مِنْهُم أَحْمد بن مُحَمَّد بن سَلامَة الطَّحَاوِيّ وَالنَّسَائِيّ وَبكر بن سهل الدمياطي وَمُحَمّد بن جَعْفَر الْأَنْبَارِي وَسمع بالرملة من عبيد الله بن إِبْرَاهِيم البغداذي وَسمع ببغداذ من عمر بن إِسْمَاعِيل بن أبي غيلَان وَأبي الْقَاسِم عبد الله الْبَغَوِيّ وَالْحُسَيْن بن عمر ابْن أبي الْأَحْوَص وَجَمَاعَة وَقَرَأَ كتاب سِيبَوَيْهٍ على الزّجاج ببغداذ وَلما عَاد إِلَى مصر اشْتغل بالتصنيف فِي عُلُوم الْقُرْآن وَالْأَدب فَيُقَال إِن تصانيفه تزيد على خمسين مصنفا مِنْهَا تفسيرعشرة دواوين للْعَرَب وإعراب الْقُرْآن ومعاني الْقُرْآن والناسخ والمنسوخ وَالْكَافِي فِي علم الْعَرَبيَّة وَالْمقنع ذكر فِيهِ اخْتِلَاف الْكُوفِيّين والبصريين وَشرح المعلقات وَشرح المفضليات وَشرح أَبْيَات الْكتاب كتاب الِاشْتِقَاق كتاب الأنواء كتاش الِاشْتِقَاق لأسماء الله تَعَالَى أَخْبَار الشُّعَرَاء أدب الْكتاب أدب الْمُلُوك التفاحة فِي النَّحْو وَلم تكن لَهُ مُشَاهدَة وَإِذا خلا بقلمه جود وَأحسن وَكَانَ لَا يُنكر أَن يسْأَل أهل النّظر وَالْفِقْه ويفاتشهم عَمَّا أشكل عَلَيْهِ فِي تصانيفه قَالَ قَاضِي الْقُضَاة بالأندلس وَهُوَ الْمُنْذر بن سعيد البلوطي أتيت وَابْن النّحاس فِي مَجْلِسه بِمصْر يملي فِي أَخْبَار الشُّعَرَاء شعر قيس الْمَجْنُون حَيْثُ يَقُول
خليليّ هَل بِالشَّام عينٌ حزينةتبْكي على نجدٍ لعَلي أعينها
قد اسلمها الباكون إِلَّا حمامةمطوّقة باتت وَبَات قرينها
تجاوبها أُخْرَى على خيزرانةٍيكَاد يدنيها من الأَرْض لينها
)
فَقلت لَهُ يَا با جَعْفَر مَاذَا أعزّك الله باتا يصنعان فَقَالَ لي وَكَيف تَقوله أَنْت يَا أندلسي
فَقلت لَهُ بَانَتْ وَبَان قرينها فَسكت وَمَا زَالَ يستقلني بعد ذَلِك حَتَّى مَنَعَنِي كتاب الْعين وَكنت ذهبت إِلَى الانتساخ من نسخته فَلَمَّا قطع بِي قيل لي أَيْن أَنْت عَن أبي الْعَبَّاس ابْن ولاد فقصدته فلبيت رجلا كَامِل الْعلم حسن الْمُرُوءَة فَسَأَلته الْكتاب فَأخْرجهُ إليّ ثمَّ تندم أَبُو جَعْفَر لما بلغه إِبَاحَة أبي الْعَبَّاس الْكتاب لي وَعَاد إِلَى مَا كنت أعرفهُ مِنْهُ قَالَ وَكَانَ أَبُو جَعْفَر لئيم النَّفس شَدِيد التقتير على نَفسه وَكَانَ رُبمَا وهبت لَهُ الْعِمَامَة فيقطعها ثَلَاث عمائم وَكَانَ يَأْبَى شِرَاء حَوَائِجه بِنَفسِهِ ويتحامل فِيهَا على أهل مَعْرفَته وحبب إِلَى النَّاس الْأَخْذ عَنهُ وانتفع بِهِ خلقٌ جلس على درج المقياس بالنيل يقطع شَيْئا بالعروض من الشّعْر فَسَمعهُ جَاهِل فَقَالَ هَذَا يسحر النّيل حَتَّى لَا يزِيد فَدفعهُ بِرجلِهِ فِي النّيل فَمَاتَ غريقاً سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَثَلَاث مائَة
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع